Menu

سوريا الجديدة .. العام الاول من الجمهورية الثالثة .. هل أصبحت الحياة الاقتصادية أفضل من العام الماضي أم الأزمة المعيشية تتفاقم؟

د. أدهم هندي شقير

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

ها هو سقوط وهروب بشار الاسد قد حصل ومرّ عليه عام، ليكون تتويجاً لتضحيات وعذابات السوريين ليبدؤوا مرحلة جديدة ببناء جمهوريتهم الثالثة، بعد أول جمهورية تلت الاحتلال الفرنسي والثانية بعد الانفصال عن مصر وما يقال عن ثورة حزب البعث ، وبعد مضي عام بالتمام والكمال على سقوط الطاغية، تبدو منطقة هروب بشار الأسد وانهيار نظامه بتلك الصورة المذلة والسريعة، فالذي جرى كان، وبأبسط الألفاظ، خروجاً عن كل التوقعات وأعظم من أقصى أحلام أكثر السوريين تفاؤلاً، لكنه ودونما دخول بسيناريوهات السقوط وأسبابه وفواعله .

إذ باتت سورية وبعد هروب "النظام الاشتراكي البعثي" لا شرقية ولا غربية، بل تحاول السلطة في دمشق، إعادة تعريف سورية، هوياتياً واقتصادياً وسياسياً، آخذة من شعارات كبيرة، كالاقتصاد الحر والانفتاح على الجميع والانخراط بالنظام العالمي، المالي والاقتصادي وحتى السياسي، أدوات لتسريع الاندماج الاقتصادي مع المجتمع الدولي .

وإلغاء العقوبات والبدء مع الجميع من مبدأ، انتصار الثورة يجب ما قبله وعفا الله عمّا مضى ذاك "الانفتاح على الجميع" سينتج عنه عقابيل أو اختلاط وتضارب.

البعض يقول : أن النتائج حتى اليوم، تبدو جيدة إن لم نقل أكثرحيث عرفت السلطة بدمشق طريقها لواشنطن وزار رئيسها البيت الأبيض لتزال بعد ذاك العقوبات وتتحسن المعاملات المالية، فهذا إنجاز يحسب للدبلوماسية السورية، وأن تؤاخي بين الأضداد لتمد، بالوقت نفسه، الجسر من جديد مع روسيا ويزور الرئيس أحمد الشرع موسكو، فذاك يعظّم من الإنجاز.

وهكذا على صعيد دول المنطقة وما يقال عن اختلاف بالسياسات بين تركيا و السعودية ومصر أو بين دول الجوار ذاتها، بما فيها دول الخليج العربي التي كانت وجهة سلطة دمشق الأولى وكان للرياض والدوحة، الأثر الأهم ربما، بتسريع الانفتاح والدعم الإسعافي بُعَيد هروب الاسد، لتقف سورية على قدميها وتبتعد عن حافة الانهيار المجتمعي والاقتصادي .

 

والبعض الآخر له وجهة نظر متمايزة :

ثمة ملاحظات جلية وكبيرة يمكن تسجيلها على الاقتصاد السوري خلال عام،.

أول تلك المشاهدات أن الاقتصاد السوري عاش عاماً كاملاً من دون موازنة عامة للدولة، نكتفي بما أعلنته رئاسة الوزراء "أيام الحكومة الانتقالية الثانية" أنها ستعتمد على مبدأ الموازنة الاثني عشرية لعام 2025 .

ببساطة الموارد اختلفت وكذا الإنفاق، الجاري والاستثماري، وتبدلت معهما، بواقع النهج الجديد، طرق الدعم والأجور والتعاطي الخارجي، ما يحيل القياس أو العمل وفق جزء اثني عشري من موازنة سابقة، تبرير أو تسويق، ليس إلا.

والحال ذاته ينسحب على موازنة العام المقبل التي توقع وزير المالية، محمد يسر برنية خلال مقابلة تلفزيونية (20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي) أنها ستشهد فائضاً قليلاً، من دون أن يحدد قيمة تلك الموازنة أو حتى تقر من البرلمان أو يصدر بها مرسوم على اعتبار عدم وجود برلمان بسورية وقتذاك

عدم وجود موازنة عامة يعني ارتجالاً، ويعني غياب رقابة، ويعني فيما يعني أيضاً، إشارات استفهام وتعجباً حول الموارد والنفقات .

وربما ثاني المشاهدات خلال العام الأول من عمر سورية ما بعد الأسد، كان نسف هوية سورية الاقتصادية المختلطة بالسابق، بين التخطيط المركزي والاقتصاد الاجتماعي، ليتم ومنذ الأيام الأولى لوصول إدارة الحكم الجديد، إعلان اقتصاد السوق الحر.

ولا يزال مئات آلاف السوريين عاجزين عن الوصول لقراهم ومدنهم المهدمة، ، ولا يزال نظام الحكم متردداً في فتح ملفات الفساد الكبرى، ولا تزال قطاعات الصناعة والإنتاج والتصدير مهملة، ولا تزال الدولة غير مسيطرة على كل ثرواتها بما فيها النفط والغاز، ولا تزال أزمات الفقر والبطالة والعشوائيات تمثل تحديا لصانع القرار، ولا تزال هناك علامات استفهام حول كيفية خلق بيئة جاذبة لاعادة الاموال المهاجرة .

- استرداد الأموال المنهوبة: لم تحقق الحكومة تقدمًا في استرداد الأموال المنهوبة، حيث لم يُعلن عن أي مبالغ مستردة، ويتطلب الأمر قضاءً مستقلاً وشفافية إدارية، مما يعزز شعور المواطنين بعدم جدية الحكومة.

 

رأي مخالف

نشطت التجارة الخارجية لسورية خلال العام الجاري بعد فتح الحدود أمام تدفق السلع من الدول المجاورة وغيرها، وتوفر الدولار في البنوك والصرافات، واختفت السوق السوداء للعملة مع زيادة تحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية، وتوقف تهاوي المدخرات الوطنية، وعاد قطاع النقل العام ليعمل بانتظام بعد أن كانت تقطعه الحواجز وممارسات المافيا خلال عهد بشار.

عرفت الجمهورية الثالثة إدارة الاقتصاد على شعب يعيش أكثر من 90% منه تحت خط الفقر، بعيداً عن الانهيار ، بل وأحدثت تحولات تحسب لها، سواء على صعيد توفير السلع والمنتجات وحوامل الطاقة، أو على مستوى تحسين مستوى المعيشة وزيادة الاجور، أو وهو الأهم، حماية المنشآت والمؤسسات من الانهيار وإعلان الإفلاس بعيداً عن مخاطر التحول بالصدمة وما قد ينتج عنه من آثار، شكلية وبنيوية، على اقتصاد مهدم جراء الانفتاح ومنافسة عرجاء .

و بواقع نفاد كامل الاحتياطي النقدي بالمصرف المركزي وتراجع الإنتاج والتصدير، لحدود صفرية ربما،تأتي خطوة تثبيت سعر الصرف، بعد تحسنه المباشر إبان التحرير، من الملاحظات التي تحسب لدمشق، فأن قدرة إدارة الحكم أو السلطة النقدية على منع انهيار العملة السورية التي تفقد، عملياً وواقعياً، جميع مبررات الصمود واستمرار التداول انجاز لها .

في خطوة متممة لهوية الجمهورية الثالثة، وإن فيها وعليها بعض المخاوف يأتي قرار تبديل العملة بعد حذف أصفار .

 

ماذا عن الإستثمار:

وآخر الملاحظات الجليّة وأهمها ربما، هو الاستثمار وما قيل عن جذب سوريا لنحو 30 مليار دولار، أو بصيغة أدق، التعاقد لجذب هاتيك المليارات والتي لا شك تنتظر البيئة والمناخ وعوامل الجذب والاستقرار ، لأن رأس المال محق وليس جباناً.

ولا يزال المستثمرون الأجانب مترددين في اقتحام الأسواق السورية، ولا يزال القطاع المصرفي متخلف الأنشطة والخدمات وغير قادر على حشد الموارد

وفي سوريا البلد الذي يسعى للخروج من إرث ثقيل من الفوضى الاقتصادية والتهالك المؤسسي يحتاج الى اعادة هيكلة الاقتصاد من الداخل ، فهو يحتاج الى التمويل وربط التمويل بالحوكمة، والحوكمة بالاستدامة، والاستدامة برؤية وطنية جديدة للنهضة.

حيث معمار الدولة الجديدة يلزمه تبني ثقة الأسواق بدل الارتباط بالمساعدات والاستثمار في الطاقة النظيفة و الزراعة المستدامه بدل المعالجات المؤقته .

لتقدّم نموذجًا اقتصاديًا يعكس مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها وتجاه العالم .

سوريا لا تواجه تحدّي النمو بقدر ما تواجه تحدّي إعادة التأسيس الاقتصادي وصياغة نموذج جديد قادر على استيعاب متطلبات مرحلة ما بعد النزاع والتحوّل السياسي .

مشروع إعادة بناء سوريا على أسس جديدة قادرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية، ومنفتحة على الاقتصاد العالمي، وقادرة على جذب رؤوس الأموال والمهارات يلزمه اعادة صياغة علاقة الدولة بالمواطن والشركات وفق منطق “القيمة”، لا منطق “التحكّم" .

و تبني الاستدامة كجزء من الهوية الاقتصادية، وتعمل على دمجها في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة .

ان الاقتصاد السوري يحتاج إلى إدارة تحوّل اقتصادي حقيقي، و فتح نوافذ تمويل لم تعد متاحة عبر القنوات التقليدية لا إلى معالجة مالية آنية. وهذا يعني أن سوريا يمكنها — إذا تبنّت معايير الحوكمة اللازمة — أن تجذب رؤوس أموال ضخمة دون الدخول في انتدابات سياسية أو ترتيبات مرهقة. فالمجتمع الدولي لا يشترط في التمويل سوى الامتثال للمعايير، ووجود نظم لقياس الأثر، والالتزام بقواعد الإفصاح .

في سوريا، حيث تعرّضت شبكات الكهرباء والمياه والبنية الزراعية لتدمير عميق، ان تمويل القطاعات التي تُعَدّ اليوم حجر الأساس لأي اقتصاد قابلٍ للحياة في المدى الطويل: الطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والزراعة المستدامة، والبنية التحتية المرنة، ومعالجة النفايات. وهذه القطاعات ليست مجرد مشاريع تقنية، بل هي مشاريع بنيوية تحدِّد جودة النمو وكفاءته.

الطريق لا يزال طويلاً حتى نصل إلى نتيجة تقول إن الحكام الجدد في سورية وضعوا الاقتصاد الوطني على مساره الصحيح، أو أن هذا الاقتصاد بدأ يتنفس وينمو ويزدهر بقوة ويحقق نجاحات كبيرة، وإن المواطن السوري بدأ يشعر بنهاية حقبة الأسد التي عانى خلالها الغلاء والفقر والبطالة والفساد والاحتكار والذل والمهانة، وتدني مستويات المعيشة، وتردي خدمات الصحة والتعليم والسكن، بل وعانى من كل أنواع الموبقات المعيشية.

 

 

 

إعادة الإعمار المتعثرة:

لم تحقق الحكومة السورية تقدمًا في إعادة الإعمار بعد عام من التحرير، حيث بقيت الأحياء المدمرة على حالها وتواجه العائدون تعقيدات قانونية وإدارية، مع تقدير البنك الدولي تكلفة الإعمار بـ216 مليار دولار.

الاموال المنهوبة

ومع تباطؤ ملف الإعمار، برز ملف استرداد الأموال المنهوبة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية لدى السوريين، الذين كانوا ينتظرون إجراءات واضحة لاسترجاع جزء من الثروات التي خرجت من البلاد خلال السنوات الماضية. إلا أن العام الأول لم يشهد أي إعلان مبالغ مستردة أو متورطين تمت محاسبتهم، إذ اكتفت الحكومة بتصريحات عامة عن مكافحة الفساد من دون كشف حجم الأموال أو طبيعة الملفات المفتوحة .

 

التضخم والغلاء

ويمثل التضخم التحدي الأبرز للسكان، إذ واصلت الأسعار ارتفاعها اليومي رغم حديث الحكومة عن استقرار نقدي مرتقب، ما جعل الرواتب عاجزة عن تغطية الاحتياجات الأساسية. وارتفعت أسعار الغذاء والمحروقات والدواء إلى مستويات غير مسبوقة، وسط غياب فعلي للرقابة، وفق ما يؤكده الخبراء. إن التضخم التراكمي بين 2011 و2024 بلغ 16 ألف في المئة، نتيجة تراجع الإنتاج المحلي، وانخفاض الصادرات إلى 6% من مستوياتها قبل الحرب، وتراجع السياحة، واتساع العجز التجاري إلى 35% من الناتج المحلي. كما أسهمت العقوبات، والأزمة المالية في لبنان، وخروج موارد النفط والقمح عن سيطرة الدولة في تفاقم الأزمة، ما رفع تكلفة المعيشة إلى حد لم يعد الحد الأدنى للأجور يغطي سوى خمس سلة الغذاء، مع تجاوز الفقر 90% وخروج أكثر من مليوني طفل من المدارس للعمل

وأشار الخبير الاقتصادي عامر شهدا إلى أن الحكومة "رفضت طوال العام الاعتراف بأن الأدوات التي تستخدمها في ضبط التضخم لم تعد صالحة، وأن السياسات التقليدية لم تعد مجدية في اقتصاد يعتمد على الاستيراد ويعاني من ضعف الإنتاج المحلي وتراجع الثقة بالعملة الوطنية". وأضاف: "التضخم لم يكن نتيجة مباشرة للظروف الخارجية فحسب، بل لقرارات داخلية ساهمت في زيادة الكتلة النقدية، وتوسع الإنفاق غير المنتج، وضعف التنسيق بين السياسة المالية والنقدية". وأكد أن عدم الإصلاح الجدي لمؤسسات الدولة، واستمرار العمل بعقلية إدارة الأزمة بدل التنمية، جعل أي محاولة لخفض الأسعار بلا قيمة حقيقية

 

الخلاصة

بعد عام على التحرير، وجدت الحكومة السورية نفسها عاجزة عن تحويل خطابها الاقتصادي إلى نتائج ملموسة. فرغم الوعود بإصلاحات واسعة وانفراجات سياسية يفترض أن تفتح باب إعادة الإعمار واسترداد الأموال وكبح التضخم، بقيت الملفات الأساسية بلا تقدم، فيما تواصلت موجات الغلاء وبقيت الأحياء المدمرة على حالها. وبينما ترجع الحكومة الإخفاقات إلى العقوبات وإرث الفساد السابق، يؤكد خبراء أن المشكلة بنيوية وتتعلق بغياب القرار الاقتصادي الفعلي، ما يبقي البلاد في مأزق متجذر لا تعالجه التصريحات الرسمية .

رغم أن العام الأول لـ”سوريا الجديدة” شهد استقراراً نسبياً وتحسناً ملحوظاً في سعر صرف الليرة، إلا أن الأعباء الاقتصادية ما تزال تثقل كاهل السوريين، وسط سؤال لا إجابة حاسمة له حتى الآن: هل أصبحت الحياة المعيشية أفضل من العام الماضي أم الأزمة المعيشية تتفاقم؟