- حقبة الحرب الباردة رفعت الولايات المتحدة شعار محاربة " الخطر الشيوعي " والتمدد السوفيتي باعتباره الخطر المباشر على الأمن القومي الأمريكي وعلى " قيم الحرية والديموقراطية والعدالة " التي يتمتع بها ما تسميه العالم الحر. هكذا بدا سقوط وتفكك الاتحاد السوفيتي، في العشرية الأخيرة من القرن الماضي، وكأنه انتصار نهائي للنظام الرأس مالي، وانتهاء حقبة حركات التحرير الوطني، وإغلاق النضال من أجل إقامة الاشتراكية والشيوعية كبديل عن النظام الرأسمالي، الذي هو في رأي فوكوياما - صاحب كتاب " نهاية التاريخ " - نظام أزلي بعد انتصاره على النظام الشيوعي السوفيتي وإسقاطه.
بعد انتصار الثورة البوليفارية في فنزويلا نهاية القرن العشرين، التي فجرها القائد الراحل اغو شافيز، كل شيء تغير .
أعلن القائد شافيز " التاريخ يبدأ من جديد " و أن الذي فشل هو نظام ونموذج مثله الاتحاد السوفيتي وما سمي الاشتراكية الواقعية، ولكن الاشتراكية كأسلوب إنتاج و ستبقى هدف وطموح البشرية السامي. الاشتراكية بهذا المعنى لم تهزم وأن نهاية الرأسمالية حتمية. وأعلن أنه سيعمل على بناء " اشتراكية القرن الواحد والعشرين " وكان يشدد على أهمية الاستفادة من محاولات البناء السابقة ودراسة التجارب واستخلاص العبر....
لهذا أعلنت الولايات المتحدة ومعها كافة الأنظمة الإمبريالية عدائها المطلق للثورة البوليفارية وقائدها اغو شافيز ووضعوا الخطط للنيل منها والإطاحة بها. إذا، تأتي العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية ( دلتا ) في كاراكس فنزويلا، لخطف الرئيس ماذورو وزوجته، تتويجا للعداء الإمبريالي الأمريكي ضد فنزويلا ليس فقط كموطن للثورة البوليفارية بل كمحفز ومحرض على الثورات المعادية للإمبريالية، في أمريكا اللاتينية والعالم. ففي عمليه خاطفة وسريعة " فاجأت " الأوساط المحلية والعالمية سيطرت القوات الأمريكية المعادية على أجواء فنزويلا بشكل كامل و عطلت الرادارات والدفاعات الجوية بما لا يسمح لها التصرف وقامت بخطف الرئيس ماذورو وزوجته ... هذه العملية العسكرية لا يمكن فصلها عن الاهداف السياسية الإمبريالية في فنزويلا والقارة، وجاءت لكسر العقدة المستعصية التي لم يستطيع الطرفان حلها بالتفاوض: عقدة الرئاسة وشرعية الرئيس ماذورو. بعد هذا العدوان الأمريكي، استجدت أوضاع سياسية واتضحت أمور أخرى تؤشر لمستقبل سياسي للبلاد مختلف عن ما هو قائم لحد الآن. على ما يبدوا فتحت هذه العملية الآفاق" لهندسة " مرحلة جديدة من التغير، ولكن ليس من الواضح مدى وعمق هذا ' التغير ". الإدارة الأمريكية تريده تحول استراتيجي في البناء و المسار العام. على العكس من ذلك في كاراكس أبدوا استعدادا للقيام بخطوات إصلاحية تمهد لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، على قاعدة التكافؤ واحترام السيادة. من هنا علينا عدم الإنبهار بالنجاحات التي حققتها العملية العسكرية " الجراحية " التي نفذتها قوات دلتا، لأنها لم تعتمد فقط على الإمكانيات التي يمتلكها الجيش الأمريكي، والأسلحة النوعية الجديدة التي لم يعلن عن وجودها سابقا بل بسبب تزاوج القوة والتكنولوجيا مع " التواطؤ " المحلي، الذي من المرجح أن لا يكون تواطؤ فردي، مما أظهرها كعمل حرفي باهر . إن ما سرب عن مسؤولين أمريكان يكشف الستار عن " سرية وجدية التخطيط " الذي استمر، حسب تدريباتهم، قرابة الثلاثة أشهر ضم وزير الحرب الأمريكي، وزير الخارجية، رئيس ال سي آي إي وأحد القضاة بالتنسيق المباشر واليومي مع ترامب مباشرة. هذه العملية لم تسفر فقط عن خطف الرئيس وزوجته، بل أحدثت خلق واقع جديد، وفتحت الطريق لمرحلة ما بعد ماذورو. هذا ما تشير له بعض الدلائل والتصريحات الرسمية من قبل الطرفين الأمريكي و الفنزويلي. أن واقع الحال يقول إنه حصلت مساومة سياسية بين أركان الحكم، السياسيين والعسكريين، والإدارة الأمريكية، تشمل على ما يبدو على عدم إعاقة القوات الأمريكية التي غزت مدينة كاراكس لاختطاف الرئيس ماذورا وزوجته، مقابل ثمن على الإدارة الأمريكية دفعه. الثمن هو رأس المعارضة الغاشية المتطرفة.
كي نستطيع استيعاب ما حصل، من المفيد العودة إلى الخلف قليلا، أي منذ أن أعلن التصعيد العسكري الإمبريالي والحشودات في الكاريبي. بدأت اتصالات سرية بين الجانبين، هي امتداد لاتصالات سابقه، والتي لم تنقطع أصلا حيث دائما كانت هنالك قناة مفتوحة يديرها الرئيس ماذورو ورئيس الجمعية الوطنية خورخي رودريغز. هذه المفاوضات كانت تترافق مع تصريحات من الطرفين توحي وكأنه هنالك تسوية في الأفق، حيث دعا الرئيس ماذورا، بضعة أسابيع قبل اختطافه، الرئيس ترامب إلى لقاء ثنائي مخاطبا اياه " لا تدع سيد ترامب المستشارين أن يألبوك ويخدعوك ". ترامب من جهته اتصل هاتفيا على الرئيس ماذورو، كما صرح هو بذلك، في الثلاثين من كانون أول الماضي، وهنأه بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة ، وقال له إن الحصار البحري على صادرات النفط سيستمر لمدة شهرين. الرئيس ترامب أكد حصول المكالمة وقال : طلبت من ماذورا أن يستقيل لأن هذا أفضل ما يمكن أن يعمله، ولكنه رفض هذا الطلب. واللافت أنه في حفلة عيد رأس السنة التي أقامها ماذورو في القصر الجمهوري، التي دعى إليها العديد من الشخصيات الأكاديمية والفنية والسياسية في فناء القصر الرئاسي ميرافلوريس،
ألقى خلالها كلمة " نارية " جاء فيها " ترامب أنت واحد جبان جبان، نعم أنت جبان! أنا هنا وإذا تستطيع تعال خذني من هنا. مصادر أمريكية أكدت أن العملية لخطف ماذورا كانت مقررة في ٣١ كانون أول ولكن سوء الأحوال الجوية المفاجيء عطل تنفيذها. حيث وقعت أمطار هائلة في كل من مدينة كاراكس ومدينة الغويرا التي يوجد على أراضيها مطار سيمون بوليفار ، اضطررنا بسببها تأجيلها ليوم ٣ كانون ثاني من السنة الجديدة، حيث كان الطقس على ما يرام بل جيد جدا. إن المساومة - الصفقة التي تمت بين الطرفين لم يكن ثمنها رأس الرئيس ماذورا فقط بل رأس المعارضة والمعارضة نفسها على المدى القصير.
حيث بعد ساعات من خطف ماذورا، وفي أول لقاء صحفي لترامب مع الصحفيين صرح بأن زعيمة المعارضة، الفاشية المتطرفة، ماريا كورينا ماشادو لا تصلح لقيادة البلد، مخاطبا إياها: أنت لا تصلحين لحكم فنزويلا، ولا يوجد لك دعم وتأييد شعبي. هذا الاعتراف تأكيد بأن الإدارة الأمريكية تعي جيدا بأن موازين القوى السياسية في فنزويلا تميل لصالح الحكومة وركيزتها السياسية والشعبية. وجاء هذا الموقف الأمريكي دليل ساطع على العلاقة الإستخدامية لبعض رموز المعارضة، بما يخدم تحقيق الهدف. ماركو روبيو، من جهته جعل المشهد يكتمل عندما خاطب، ادموندو اوروتيا، الذي ادعى الفوز في انتخابات تموز الماضي، قائلا: أنت سيد ادموندو اوروتيا غير شرعي لأنك شاركت في انتخابات غير شرعية، من هنا أنت لست رئيساً منتخبا".
هذا الموقف، الذي يمثل انحراف ١٨٠ درجة، عن مواقف سابقة في الدفاع عن مرشح المعارضة كفائز في انتخابات تموز الفائت ليس صدفة، ولم يأتي من الفراغ. هذا الموقف عدا عن أنه شكل صدمه وإحراج لقواعد المعارضة الأكثر يمنية وتطرف، أدى أيضا إلى تحيدهم و وضعهم في حيرة وإخراجهم، ولو مؤقتا، من " حلبة الصراع " مع شعور بعضهم " بخيانة " ترامب لهم، وخاصة أنه وجه رسالة تهدئة غير مباشرة لقادة المعارضة قال فيها إن " الشعب الفنزويلي شعب نبيل ويستاهل العيش بكرامة وسلام ونعيم ...." رسالة ترامب هذه، لسان حالها يقول " لا أريد عنف و فوضى ". في البلاد أي لا يريد أن تستمر ازدواجية الصراع على السلطة، لسحب بساط الذرائع من تحت أقدام السلطة الجديدة. ليس هذا فقط ما يدفع هذا المتغطرس الفاشي بطبيعته إلى وقف العنف و الفوضى و الاستقرار في فنزويلا. ليس من منطلق الحرص على شعبها كما يدعي، بل لأنه هو وإدارته لا يريدون تكرار التجربة العراقية المكلفة و يعتقدون أن حدوث فوضى وعدم استقرار وصراع على السلطه سيؤثر على تحقيق رغباتهم وطموحاتهم في " الاستحواذ " السريع على إنتاج النفط الفنزويلي " وامتلاكه ". أن تأمين الاستقرار والهدوء في فنزويلا يحفز على تشجيع الاستثمار ويقلص عوامل التهديد الأمني والخطر على سلامتهم في البلاد.
يأتي هذا التوجه للإدارة الأمريكية، على ما يبدو، في إطار خطة أشمل وأوسع تعمل من خلالها الإدارة الأمريكية على إعادة ترتيب علاقاتها مع الأنظمة في القارة بغض النظر عن توجهاتها السياسية والأيديولوجية. هذا بالطبع يتنافى مع طبيعتها العدوانية الاستعمارية ولكنه يستجيب، في هذه المرحلة، لمتطلبات أزمتها الداخلية المستفحلة. نعم إن طريق التعايش مع أنظمة القارة اليسارية والتقدمية.
وشعوبها لا تسلكه اختيارا. بل فرضته عليها التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجارية في القارة منذ انتصار الثورة البوليفارية الفنزويلية، التي دشنت حقبة جديدة للعملية الثورية الحديثة التي بدأتها الثورة الكوبية في أواسط القرن الماضي في القارة اللاتينية. هذا المسار التساومى، كما تراه السلطة في كاراكس عمل على تجنيب البلاد لحرب مدمره، تشنها الولايات المتحدة على فنزويلا، حرب هي فعليا غير مستعده لها، ولا يوجد لديها أي إمكانيات للردع و المواجه وموازين قوى مختلف تماما لصالح المعتدي الأمريكي.
أن سلوك طريق المساومة وفي هذه الظروف المحلية والعالمية، عدا عن كونها موضوعيا اجباريه، يبدو انها كانت ايضا مدروسة جيدا وتشمل خطط وميكانيزم تنفيذي. ضمنت من خلاله استمرار حكم الاشتراكين الذين يملكون الأغلبية المطلقة في البرلمان والسيطرة على القوات المسلحة ، وقاعده جماهيرية واسعة. وإحداث مزيد من إضعاف للمعارضة التي هي أصلا ضعيفة وهزيلة، أي تخلصت من الإزدواجية السياسية المفتعلة التي كان يرتكز عليها أعداء فنزويلا.
بعد انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج، اتهم ماذورا من قبل المعارضة اليمنية الفاشية، بأنه زور النتائج. بناء على ذلك، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذين لم يرسلوا مراقبين رغم توجيه دعوه لهم، لم يعترفوا بشرعيتها ولا بشرعية نتائجها. ولكنهم للضغط ولمزيد من الضغط اعتبروا المرشح اليميني ادموندوا اوروتيا، حتى الامس، الرئيس الشرعي المنتخب وان على ماذورا التنحي لصالحه!!!
بعد اختطاف الرئيس ماذورا، استنزفت الذرائع والأكاذيب مداها، اي تهريب المخدرات، وبدأ الحديث يدور مباشرة عن الأسباب الحقيقية للعدوان وأهدافه، السيطرة على ثروات ونفط البلاد، مما وحد الشعب على رواية واحدة وعزز لديهم المشاعر الوطنية والقومية. هذه الوقاحة الترامبية في إظهار التعطش لنهب الثروات والنفط الفنزويلي أذهل القاعدة الشعبية اليمينة التي كانت تعتقد " أن ترامب يريد إعادة " الديموقراطية والشرعية لأصحابها " أي إليهم وما فاجئهم و وضعهم في حيرة واهتزاز الثقة بالنفس هو تخليه الفج عن قياداتها، واعتبارها غير شرعية. موقف ترامب هذا لا يسمح له بالتراجع مستقبلا، أي العودة لدعم رموز المعارضة الذين " دفنهم بيده " لأنه سيفقد المصداقية وسيفقد المزيد منها إذا نوى التراجع أمام اي تعقيدات في المستقبل.
.الآن، القوى البوليفارية وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي الموحد وحلفائه، التي رغم هول ما حدث لم يفقدوا زمام المبادرة، ولديهم فرصة جديدة " لمراجعة ما يجب مراجعته واستخلاص العبر وتعلم الدروس من ما حدث " كما صرح الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، ديوس داود كابييو. وقد فاجأ المراقبين وخاصة في الولايات المتحدة قدرة الحزب على تحريك الجماهير التي خرجت بمسيرات شعبية كبيرة للمطالبة بعودة الرئيس ماذورو وزوجته. أن استمرار السياسة الهجومية الرسمية والشعبية للاشتراكين، أجبر طاقم الرئيس ترامب و معاونيه القول " إن البوليفارين هم وحدهم الذين يستطيعون حكم البلاد، وأن فنزويلا لا يستطيع أحد أن يحكمها إلا هم ".
المعسكر البوليفاري - الشافيزي، ليس متجانس ولكن إلى الآن متحد وإذا استمرت هذه الوحدة وهي مرشحة للاستمرار ستجعل منهم الاعب الأقوى والأهم في هذه المرحلة، وما عليهم إلا معالجة أخطاء الماضي ومكافحة الفساد وسوء الإدارة واستغلال النفوذ، كي يتمكنوا من قيادة المرحلة الجديدة بأدوات تناسبها وتتلائم معها.

