Menu

الجبهة الشعبية في عيدها الثامن والخمسين مشروع رد عربي على هزيمة حزيران.. تصدت له الأنظمة

عدنان بدر حلو

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

في الوقوف أمام هذا العيد، الذي يشكل حدثاً تاريخياً بالنسبة لشعبنا وقضيتنا، تجد نفسك أمام مسؤولية كبيرة في اختيار الجانب أو الجوانب التي تحاول أن تلقي عليها الضوء بهدف نقل رسالة مفيدة من هذا التاريخ إلى أجيالنا الجديدة.. فتاريخ الجبهة غني بالنضالات والتضحيات التي خطها رفاق وقادة مناضلون بالزكي من الدماء والجليل من التضحيات. وأرجو ألا أكون مخطئاً في اختيار زاوية قل أن جرى التوقف عندها في الكثير والغزير من الكتابات التي تعاملت مع تاريخ هذه الجبهة وحتى أدبياتها! ألا وهي كونها قد ولدت كمشروع رد عربي على هزيمة حزيران 1967!

مشروع سارعت الأنظمة العربية (وفي مقدمتها النظام السوري) لوأدها في المهد!

بدأ الأمر مع محاولة الأنظمة المهزومة رمي مسؤولية تلك النكبة الكبيرة عن كاهلها! ووجدت ملاذاً لها في اختراع (ظاهره إيجابي) هو دعم أن يتولى الشعب الفلسطيني زمام قضيته بيده!

ما من شك في أن ذلك حق، إنما الأنظمة المهزومة والمسؤولة عن النكبة الثانية، أرادت به باطلاً. فبدا وكأن الشعب الفلسطيني الذي كان "غائباً" هو المسؤول عن تلك الهزيمة وليست الأنظمة التي كانت تغيبه وراء آلف حاجز من الأسلاك الشائكة والمخيمات (المعتقلات) والسجون والسلطات الاستبدادية المتنوعة بين بلد عربي وآخر!

وراحت تطوي مسؤوليتها عن الهزيمة خلف أناشيد الاحتفال بـ الثورة الفلسطينية "المستقلة" بقضيتها، بل أكثر من ذلك راحت تنشئ لنفسها (كنوع من الدريئة) منظمات "فلسطينية مستقلة"!

في تلك الأثناء كان لحركة القوميين العرب وقوى شعبية عربية رأي آخر.

كان لها رأي صريح في أن هذه الأنظمة المهزومة تتحمل مسؤولية هزيمتها. وأن قضية فلسطين قضية عربية بمقدار ما هي قضية فلسطينية وأن العدو الصهيوني خطر محدق بالأمة كلها. وأن المرحلة التي تتيح الفرصة لتولي الشعب الفلسطيني مسؤوليته في الصراع مع إسرائيل لا تسقط هذه المسؤولية عن كاهل الأمة العربية أنظمة وشعوباً. وأنه بمقدار ما كان تأسيس منظمات مقاومة فلسطينية أمراً ملحاً وضرورياً كان ربط هذا البناء النضالي مع القوى الشعبية العربية ملحاً وضرورياً بالمقدار نفسه.

وفي الوقت الذي كانت فيه الأنظمة العربية تلقي بكل ثقلها على منظمة التحرير لجعلها نظاماً عربياً آخر يحتوي النضال الفلسطيني ضمن إطاره الرسمي كما تحتوي هي شعوبها، كانت "الجبهة" تنأى بنفسها عن هذه المعادلة وكانت تبذل كل جهد لربط النضال الشعبي الفلسطيني بالنضال الشعبي العربي، سواء باستقبال موجات كبيرة جداً من المناضلين العرب من جميع الأقطار الذين تدفقوا للانضمام إلى صفوف العمل الفدائي أو نسج التحالفات مع الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية العربية في أكثر من قطر عربي.

ويستوقفنا تحديداً في هذا المجال ما جرى على الساحة الأردنية من ربط عضوي بين الساحتين الأردنية والفلسطينية، وما جرى على الساحة السورية حيث تم التوصل إلى إقامة "جبهة وطنية" تضم حركة القوميين العرب والاتحاد الاشتراكي العربي وحركة الاشتراكيين العرب.

وفي الساحتين المذكورتين كان هذا الأمر هو الطبيعي لتأسيس "هانوي" عربية تشكل قاعدة أو أجزاء من قواعد عربية للتحرير والانتقال بالثورة من ثورة فلسطينية مطوقة بالأنظمة العربية إلى ثورة قومية ذات عمق عربي هو العمق الحقيقي للصراع العربي- الصهيوني.

وفي الساحتين تولى النظامان مسؤولية التصدي لهذا المشروع.. ففي الأردن كانت مجازر أيلول المعروفة، أما في سورية فكانت حملة الاعتقالات الواسعة التي تعرض لها أعضاء تلك الجبهة ومناصروها وعلى رأسهم الدكتور جورج حبش (الذي تم تحريره بعملية بطولية خاصة خطط لها وأشرف على تنفيذها الدكتور وديع حداد) وعدد كبير من قادة وعناصر الحركات الثلاث التي تشكلت منها تلك الجبهة. كما تم إغلاق حدود القطرين المذكورين في وجه العمل الفدائي الفلسطيني.

من خلال هذا المنظور القومي الذي جرى وأده طور غسان كنفاني ومجموعة "الهدف" موضوعة الحل العربي الديمقراطي للمسألة الفلسطينية الذي يقوم على القواعد الآتية:

  1. الصراع عربي- صهيوني، وليس مجرد فلسطيني -صهيوني، وعليه فإن التحرير يحتاج لانخراط عربي في الثورة بحيث يتحول المحيط العربي بفلسطين إلى هانوي فلسطينية -عربية موحدة.
  2. هذا المحيط الذي تقوده الثورة هو الذي سيصل بالقضية إلى مرحلة التحرير. ومن نافل القول: إن هذا المحيط الموحد بواسطة النضال الثوري الفلسطيني والعربي لا يمكن السماح بعودته إلى التجزئة الكيانية السابقة.
  3. وفي خضم هذا النضال التحرري الديمقراطي التقدمي ستجد شرائح شعبية يهودية في فلسطين أن مصلحتها مع هذه الثورة وليس مع الكيان الصهيوني، فتنسلخ عنه وتنضم وتشارك في النضال التحرري الذي يقود في النهاية إلى دولة محررة وديمقراطية على امتداد الساحة المحررة في فلسطين والمحيط العربي. وفي مثل هذه الدولة يتوفر الحل الديمقراطي للمسألتين الفلسطينية واليهودية.

مع الأسف، جرى تبديد هذا النضال وقد شاركت كل الأنظمة العربية في وأده. وهذا ما كان مؤداه أن يقطف نتنياهو في النهاية نتائج هذا الشمول الاستبدادي الذي نكبت به هذه الأمة من المحيط إلى الخليج.