منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السابق، لم تتبلور العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوصفها علاقة شراكة سياسية، بقدر ما تشكّلت كعلاقة اختبار متبادل اتسمت بالحذر والتوجس، فقد نظرت دمشق إلى قسد باعتبارها تنظيم لم يرقى إلى تجسيد الإطار الوطني الشرعي، في حين رأت قسد في دمشق تجسيداً لمركزية السلطة، التي تسعى إلى إعادة إنتاج نموذج الدولة الذي قام مشروع "الإدارة الذاتية" في الأساس على رفضه أو تجاوزه.
وعليه، لم يكن سقوط النظام السابق بالنسبة لقسد لحظة انتصار سياسي بقدر ما مثّل لحظة قلق بنيوي، إذ وجدت نفسها للمرة الأولى منذ عام 2015، في مواجهة سلطة تسعى إلى استعادة مفهوم الدولة بوصفها كياناً موحداً، لا مجرد شبكة تفاهمات محلية أو ترتيبات ظرفية، ومن هنا بدأت الإشكالية لا كصدام مباشر، بل كتراكم بطيء لتوتر ثقيل، أُدير ضمن حسابات الواقع والاحتمالات المتوقعة.
من وظيفة أمنية إلى طموح سياسي
تأسست قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 في سياق وظيفي واضح، مدفوع بالدعم الأمريكي المباشر، سواء عبر التدريب أو التمويل، ضمن إطار محدد هو مكافحة تنظيم "داعش"، غير أن هذا الدور الوظيفي المقترن بسيطرتها على مناطق تمثّل الثقل الأساسي للثروات السورية، أسهم تدريجياً في إعادة تعريف ذاتها، إذ جرى التعامل مع المهام المؤقتة باعتبارها شرعية دائمة، ومع الدعم الظرفي بوصفه تفويضًا سياسيًا طويل الأمد.
هذا التحول أفضى إلى قناعة داخل قيادة قسد بأن الإنجاز العسكري في محاربة "داعش" يمكن أن يُترجم تلقائياً إلى حق سياسي في التأثير على عملية إعادة تشكيل الدولة السورية، وقد تعزز هذا الاعتقاد بفعل غياب مفهوم الدولة خلال سنوات الحرب، وتعليق قنوات التواصل مع النظام السابق نظراً لعزلته السياسية، فضلاً عن امتلاك قسد لما يمكن وصفه بـ "مفاتيح الجزيرة السورية"، ليس فقط كجغرافيا، بل كعمق اقتصادي وبشري ورمزي شكّل قلب مشروعها السياسي.
في هذا السياق، ولا سيما لدى جناح القيادات والعناصر المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، برز شمال شرق سوريا بوصفه فرصة تاريخية لتأسيس نموذج حكم طويل الأمد، يتجاوز الإطار السوري، مستلهماً تجارب إقليمية أخرى، وقائماً على تسويق فكرة " الوهم القابل للتسويق" تحت إدارة ذاتية مستقرة، بعيداً عن مركز الفوضى، قادرة على إدارة نفسها اقتصادياً وأمنياً.
إدارة الخلاف وشراء الوقت
شكّل إعلان توقيع اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بين الحكومة السورية وقسد محطة مفصلية، إذ طُرح بوصفه مدخلاً لعملية اندماج تدريجي ضمن هياكل الدولة الجديدة على المستويات العسكرية والسياسية والأمنية والإدارية، وبرعاية أمريكية مباشرة ودعم إقليمي ودولي، إلا أن مسار المفاوضات اتسم بتقلبات حادة، عكست جوهر الخلاف بين الطرفين، فدمشق تعاملت مع الاتفاق باعتباره خطوة انتقالية تهدف إلى دمج قسد ضمن الدولة وفق أولويات مركزية، بعيداً عن منطق المحاصصة، بينما ركزت قسد على صيغة مشاركة تحافظ على مكتسباتها، لا سيما "الإدارة الذاتية"، باعتبارها منجزاً غير قابل للتفكيك، هنا برز منطق "شراء الوقت" لدى الطرفين:
دمشق التي رأت أن مشروع قسد سيتآكل مع زوال أسبابه الموضوعية، مدعومة بتقدمها في فك العزلة الإقليمية والدولية، وبناء شبكة علاقات فاعلة مع قوى محورية، في مقدمتها السعودية وتركيا و قطر ، فضلاً عن تقاطع ذلك مع رؤية أمريكية داعمة لاستقرار سوريا.
في المقابل، راهنت قسد على تعثر التجربة الحكومية الجديدة، وسعت إلى بناء تحالفات محلية ظرفية مع مكونات سورية أخرى للضغط على دمشق، إضافة إلى التعويل على استمرار الدعم الأمريكي، بل وفتح قنوات مع إسرائيل، مستثمرة ملفات حساسة كالتدهور الاقتصادي والاحداث التي حصلت في الساحل والسويداء.
من الاحتواء إلى الحسم
عملت دمشق، خلال هذه المرحلة على إعادة تقديم نفسها كشريك موثوق إقليمياً ودولياً، قادر على الموازنة بين إعادة بناء الدولة والالتزام بالهواجس الدولية، ولا سيما في ملف مكافحة الإرهاب وضبط العلاقة مع الجوار، وقد شكّلت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقطة تحول لافتة، مدعومة بمظلة إقليمية فاعلة.
هذا التقاطع أفضى إلى قناعة متنامية بضرورة استعادة السيطرة على الجزيرة السورية بوصفها حجر أساس لأي مقاربة جدية لبناء دولة موحدة، وفي هذا الإطار، جاءت العمليات الأمنية التي أعلنت عنها دمشق في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في محافظة حلب، مترافقة مع اختراقات داخل بنية قسد، اعتمدت على مزيج من التواصل مع العشائر العربية، والرصد الاستخباري، والضغط المتدرج، والاندفاع خلال سياسة القضم التدريجي للسيطرة على ريف حلب الشرقي، ثم دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة، مما أدى إلى انكفاء قسد وتراجعها لتُحصر في بؤر أمنية محدودة، أبرزها الحسكة وعين العرب (كوباني)، وقد تزامن ذلك مع تقاطع مصالح إقليمية، خاصة تركية، ترى في استمرار وجود قسد تهديداً مباشراً لأمنها القومي، مع مؤشرات على تراجع الرهان على الحماية الأمريكية، في ضوء تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك بأن " مبررات الشراكة الأميركية مع قسد لمكافحة داعش قد انتهت صلاحيتها"، إلى جانب خطوات عملية كبدء نقل عناصر تنظيم داعش المحتجزين إلى العراق.
أدى تسارع التطورات الميدانية إلى إعادة ضبط مسار التفاوض، بضغط ورعاية أمريكية وفرنسية، تُوّج بالإعلان عن اتفاق جديد في 18 كانون الأول/يناير، وقد عكس هذا الاتفاق تحولات جوهرية، سواء على مستوى فرض الوقائع الجديدة لآليات الدمج المرحلي، أو على مستوى تراجع بعض بنود الاتفاقات السابقة بما يخص قسد، في هذا السياق، قدّم قائد قسد مظلوم عبدي مقترحات تضمنت شغل مرشحين من قسد لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، وتشكيل فرقة وثلاثة ألوية بدلاً من ثلاثة فرق، وصولاً إلى تحقيق اندماج إداري وأمني كامل، مع الاعتراف بالحقوق الكاملة للمكون الكردي وخصوصية بعض المناطق، على أن تُستكمل العملية لاحقاً بتعديلات دستورية تضمن هذه الحقوق.
تسعى دمشق، إلى إعادة بناء الدولة السورية انطلاقاً من استعادة القرار السيادي ووحدة المجال الجغرافي، مع إدراك متزايد بأن الحسم لا يكون عسكرياً صرفاً ولا سياسياً مجرداً، بل عبر مزيج دقيق من فرض الوقائع وإدارة التفاوض، وفي هذا الإطار، تبدو العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية اختباراً حاسماً لقدرة الدولة على استيعاب التنوع دون التفريط بمنطق المركز، وعلى تفكيك الكيانات الوظيفية دون إنتاج صراعات مفتوحة جديدة، فنجاح هذا المسار لن يُقاس فقط بمدى تراجع قسد أو اندماجها، بل بقدرة دمشق على إنتاج نموذج دولة يتجاوز إرث الفوضى، ويؤسس لتسوية قابلة للاستمرار.

