Menu

النرجسية السياسية: ترامب والكيان الصهيوني

عصام اليماني

بوابة الهدف

يرى علماء النفس أن الشخصية النرجسية تتميز بإحساس مبالغ فيه بالعظمة، وحاجة دائمة للإعجاب والولاء المطلق، مع افتقار واضح للتعاطف مع الآخرين. كما يميل أصحاب هذه الشخصية إلى تضخيم إنجازاتهم، والتقليل من قدرات الآخرين ومنجزاتهم. وعندما يتولى شخص نرجسي موقع المسؤولية، فإنه يتخذ قراراته من سؤال الصورة والمكانة بدلاً من الانطلاق من سؤال المصلحة العامة. ويكون السؤال هنا هو: كيف أبدو أقوى؟ من يصفّق لي؟ كيف أُهزم خصومي؟، وليس السؤال المنطقي: ما الذي يحقق الاستقرار طويل الأمد؟ وهكذا تُدار الأزمات بوصفها فرصًا لإثبات التفوق، لا لحل المشكلات.

غالبا ما تنتج أسوأ الازمات السياسية عن سوء استخدام القوة، على سبيل المثال الحرب الأمريكية في فيتنام، أفغانستان، العراق واحتلال الكويت ، حرب المملكة العربية السعودية ضد اليمن. فعندما تتسلل النرجسية إلى موقع القرار، تتحول السلطة من أداة لخدمة الشأن العام إلى امتداد للأنا الفردية عند الحاكم، ووسيلة لإشباع الحاجة إلى الهيمنة وإثبات التفوق، بعيدًا عن المصلحة العامة للمجتمع والدولة. في هذه الحالة، لا يعود القرار السياسي فعلًا عقلانيًا قائمًا على الحسابات الموضوعية، يتحول القرار السياسي في هذه الحالة من فعل يفترض أن يكون عقلانياً إلى استجابة نفسية لدى الحاكم، وإلى استعراض قوة لدى الدولة. تصبح الدول مسارح، والشعوب جمهورًا، والضحايا أرقامًا هامشية في مشهد كبير عنوانه استعراض الذات.

يُعدّ دونالد ترامب نموذجًا صارخًا للنرجسية السياسية المعاصرة. فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض، تعامل مع الرئاسة كمنصة ومؤسسة شخصية تُدار بمنطق الصفقة، ويُقاس نجاحها بحجم الضجيج الإعلامي لا بعمق الأثر السياسي.

خلال فترتيه الرئاسيتين، انسحبت الولايات المتحدة من عدة اتفاقيات دولية كبرى، لمجرد أنها لا تحمل توقيع ترامب. أُديرت السياسة الخارجية بلغة التهديد لا التوازن، وتحولت الأزمات الصحية والاقتصادية إلى ساحات استعراض، حيث أصبح إنكار الواقع وسيلة لحماية الصورة الذاتية.

خلال ولايته الأولى، اعترف بضم الجولان المحتل إلى الكيان الصهيوني، وقرر نقل السفارة الامريكية إلى القدس وفاءً لوعود انتخابية ومصالح داعميه. كما طرح ما سُمّي بـ"صفقة القرن"، التي منحت الاحتلال حق ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية رغم مخالفة كل تلك القرارات للقانون الدولي وحتى للمواقف الأمريكية.

وفي أزمة كورونا، استهزأ بالإجراءات الوقائية، ورفض التوصيات العلمية، واقترح حلولًا تتنافى مع أسس الطب، ثم قطع التمويل عن منظمة الصحة العالمية عندما خالفت موقفه. وقطع التمويل عن وكالة الأونروا، في تعبير واضح عن غياب التعاطف الإنساني حين لا يحقق مكاسب سياسية. وانسحب من غالبية المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة وأوقف الدعم المالي عنها معتبرا أن هذه المؤسسات لا تأتي بأي مردود مالي للولايات المتحدة. كذلك ألغى الاتفاق النووي مع إيران بدوافع شخصية، ويسعى الآن إلى إعادة التفاوض أو الحرب بهدف تسجيل اتفاق أو انتصار يحمل اسمه. وحاول إلغاء نظام الضمان الصحي "أوباما كير"، كما طرح مشاريع شخصية، مثل "مجلس السلام"، بعيدا عن رقابة أي مؤسسة حكومية ووضع له نظاما منح نفسه موقع الرئيس الدائم لهذا المجلس حتى بعد أن تنتهي مدة ولايته الرئاسية، وأبدى رغبة في ضم غرينلاند، متجاهلًا الأعراف الدولية، عداك عن هجومه على فنزويلا واختطاف رئيسها والإدعاء أن قراره هذا سيأتي بالخير للشعب والشركات الأمريكية.

وفي خطاباته، اعتاد تضخيم إنجازاته الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بزيادة التعرفة الجمركية على معظم دول العالم وتضخيم الأرقام الناتجة عن هذه الخطوة. وكلها قرارات شعبوية لتظهره بصورة " المخلص الوحيد" لأمريكا وأزماتها المتراكمة وادعاء تحقيق "نجاحات وانجازات تاريخية" لم يسبق لها مثيل في تاريخ أمريكا، في صورة نمطية للسلوك النرجسي في الحكم.

 

النرجسية السياسية والكيان الصهيوني

فالنرجسية السياسية، لا تتوقف عند الافراد فقد تتحول النرجسية في بعض الحالات إلى سمة بنيوية في دول كاملة، كما هو الحال في الكيان الصهيوني. فهذا الكيان تأسس على سرديات تقوم على فكرة نرجسية أيديولوجية "شعب الله المختار" و"الضحية الدائمة"، " أرض الأجداد" وهذه الادعاءات تمنحه ـ في وعيه الذاتي ـ شرعية استخدام القوة المفرطة وإنكار حقوق الآخرين.

ويُضاف إلى ذلك ادعاؤه احتكار الديمقراطية في المنطقة، واستخفافه بالرأي العام الدولي، وتجاهله للقوانين والمؤسسات الدولية، مستندًا إلى دعم غربي دائم، وعلى رأسه الولايات المتحدة..

تُعدّ الحرب على غزة مثالًا واضحًا على النرجسية السياسية في صورتها العارية. فكل عدوان يُقدَّم بوصفه "استعادة للردع" وحقا في الدفاع عن النفس"، مهما بلغت الكلفة الإنسانية. وكل دمار يُبرَّر باسم الأمن، دون مراجعة حقيقية للنتائج أو الاعتراف بالفشل. فالردع الذي يحتاج إلى تدمير متكرر ليس آمناً، بل إدارة مؤقتة لانفجار مؤجل. والنرجسية السياسية تماماً كالشخصية النرجسية تعالج الخطأ بالمزيد من العنف بدل الاعتراف به، مما يكرس دورة متواصلة من الدمار والهدوء الهش ثم الانفجار.

إن أخطر مظاهر النرجسية السياسية هو إنكار الآخر. ففي العقل السياسي الصهيوني، لا يُنظر إلى الفلسطيني بوصفه إنسانًا صاحب حقوق، بل كتهديد أمني أو عبء ديمغرافي أو مشكلة تقنية تُدار بالقوة.

هذا الإنكار الوجودي يجعل أي حل سياسي حقيقي مستحيلًا، لأن النرجسي لا يتفاوض مع من لا يعترف بوجوده. وكما يحتاج الفرد النرجسي إلى صراع دائم لتأكيد ذاته، تحتاج الدولة النرجسية إلى عدو دائم لتوحيد الداخل وتغطية أزماتها البنيوية.

وهكذا تتحول الحرب إلى أداة حكم، وإلى مسكّن نفسي لجمهور يعيش على وهم التفوق الدائم. غير أن هذا المسكّن يفقد مفعوله مع الزمن، ويتحول إلى سمّ سياسي وأخلاقي..

تتفاقم النرجسية السياسية حين يصمت المجتمع الدولي، وتُعلّق القوانين والمواثيق، وتُفرّغ من مضمونها، وتُعرّف حقوق الإنسان وفق ميزان القوة لا العدالة.

فعندما تُمنح دولة حقًا مطلقًا في "الدفاع عن النفس"، ويُحرم شعب كامل من حق الحياة، نكون أمام نظام دولي قائم على الاستثناء لا على القانون. إسرائيل لا تُحاسَب لأنها محمية، وهي محمية لأن النظام نفسه عاجز أو متواطئ أو فاقد لإرادته الأخلاقية. والمفارقة القاسية أن النظام الدولي لا يفشل في فلسطين، بل يُكشَف فيها: يُكشَف كمنظومة تبرر العنف بلغة القيم، وتدير النرجسية السياسية بالقنابل، وتؤجل الانفجار بدل منعه. في هذا المعنى، ليست فلسطين مجرد ضحية، بل إنذار أخير لعالم اختار القوة على الحكمة، والصورة على الحقيقة، والأنا على الإنسان.