Menu

الإبادة والتطهير العرقي في فلسطين والنازيون الجدد

إبراهيم أبو ليل

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

يحرص قادة الاحتلال الإسرائيلي بشدة على عدم الحديث عن العلاقة الوطيدة بين النازية التي صعدت إلى حكم ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، والحركة الصهيونية التي وظفت الممارسات النازية أيّما توظيف لخدمة مشروعها في فلسطين، من خلال لعب دور الضحية واستجلاب التعاطف مع اليهود، واجتهدت في الاستفادة من الممارسات النازية لتفرض على المجتمع الدولي سن تشريعات تجرّم التنكر لما تسمية بالمحرقة أو الكارثة ضد اليهود، أو مجرد التشكيك في الأرقام المهولة التي تتبناها الصهيونية. كما أن جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، وعمليات التعذيب الوحشي الممنهجة في السجون الإسرائيلية، أكدت أنها تتكئ على إرث كبير من الإرهاب التاريخي وتتطابق مع الممارسات النازية، ما جعل الكيان الصهيوني ظاهرة هي الأكثر توحشاً، يشهدها العالم في التاريخ المعاصر.

منذ نشوء المشروع الصهيوني كان هدفه الأول تحقيق هدف التطهير العرقي في فلسطين، والاستيلاء على الأرض دون السكان، حيث قامت العصابات الصهيونية بارتكاب العديد من المجازر وجرائم الإبادة بحق الشعب الفلسطيني وفق مخططات صهيونية عنصرية، وما فعلته الصهيونية مع العرب فعلته من قبل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وألمانيا التي قتلت في ظل النازية الملايين من البشر. وما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم من أفعال مريعة ضد الفلسطينيين، إنما تعلّمته من القوى الاستعمارية التي سبقتها وما زالت تساندها. ويؤكد الباحث الإسرائيلي «إيلان بابيه» في كتابه الهام «التطهير العرقي في فلسطين»، مفصحاً عن الممارسات الوحشية الصهيونية ويقول: «إن فكرة التطهير العرقي ولدت مع نشوء الصهيونية التي خططت لتطبيق برنامجها في غضون ستة أشهر، لكنها تمكنت في كثير من الأحيان بأقل من ذلك بكثير». وتعتبر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في فلسطين من أشد مظاهر هذه السياسة تطرفاً. ورغم الأدلة والتقارير الكثيرة المنشورة حول هذا الموضوع، إلا أن المجتمع الدولي ما زال يعطي الكيان الصهيوني حصانة من المساءلة عن الجرائم التي يرتكبها، ويضفي شرعية فعلية على استمرار قوات الاحتلال في تعذيب الفلسطينيين وقمعهم وتطهيرهم العرقي، بينما يتخلى عن الضحايا الفلسطينيين، على نحو مخالف للقانون الدولي وقرار الأمم المتحدة 96 (د – 1) المؤرخ في الحادي عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 1946، والذي يؤكد أن الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، تتعارض مع روح الأمم المتحدة وأهدافها ويدينها العالم المتمدن، وتضمّن القرار تسع عشرة مادة قانونية. والإبادة الجماعية هي التدمير المتعمد والمنهجي لمجموعة من الناس بسبب عرقهم أو جنسيتهم أو دينهم أو أصلهم. وتعتبر المادة الأولى الأهم، التي صادقت عليها الأطراف المتعاقدة بما فيها الكيان الصهيوني الذي بات طرفاً في عام 1950، حيث أكدت أن ارتكاب الإبادة الجماعية في أيام السلم أو أثناء الحرب، هي جريمة مكتملة الأركان بمقتضى القانون الدولي، وتتعهد بمنعها والمعاقبة عليها.

لقد تربى الإسرائيليون على الاعتقاد بأن القوة والعنف والحرب وحدها الكفيلة بإنقاذهم، فالقوة حلت مكان العقل اليهودي الذي نجا من سنوات الشتات. وبحسب المؤرخ الإسرائيلي أوريئيل طال، لا يعتبر العنف خللاً أخلاقياً بالنسبة لهم، بل ضرورة مقدسة عندما يخدم هدفاً دينياً وقومياً، وعندما يلتقي العنف الديني مع العنف العسكري يتحرر من أي قيد بشري، قانوني وأخلاقي. ويكتب البروفيسور طال «يصبح الخلاص التاريخي عندها أيديولوجيا القوة». ويضيف طال: «إنه أمر إبادة جماعية». ويستشهد طال بمصادر في الصهيونية الدينية تفيد بأن «اليهود أمروا أن يكونوا قديسين، لا أخلاقيين أو إنسانيين، وفقاً للمعايير المتعارف عليها. فتعاليم الأخلاق التي تقبلها البشرية من حيث المبدأ على الأقل، لا تلزم اليهودي لأنه اختير ليكون أعلى منهم». وقد كتب الحاخام إسرائيل هاس: «سيأتي اليوم الذي سيطلب منا فيه تنفيذ أمر الحرب هذا، وهو تدمير العماليق. نحن شركاء في أيديولوجيا القوة، التي اتخذت بعداً من القداسة. إن الرب سوف يحبنا دائماً حتى عندما نقتل الأطفال». فالعقلية العنصرية المتطرفة ظاهرة مسيطرة وعمياء لا علاقة لها بالمنطق السياسي، وفيها قسوة شيطانية تطغى على كل شيء، وتزدري أي شخص لديه موقف مختلف، داخل الكيان الصهيوني وفي العالم، وتعادي المشاعر الانسانية تجاه ما يحدث في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، فالفلسطينيون يحرقون فقط في سبيل الرب، ومن أجله فقط يقوم الحريدي بقتل شخص عربي.

إن التطهير العرقي لا يتحقق من خلال حدث منفرد، بل يأتي نتيجة تراكمية لعمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الفلسطينيين بهدف القضاء عليهم. ولا يقتصر التطهير العرقي على القتل وإفناء الجسد وتغييبه مادياً فحسب، بل يشتمل على القتل المعنوي الذي يهدف إلى تغييب الفلسطيني كإنسان، من خلال التعذيب النفسي والاعتداء على الشرف والكرامة ومحاولات كسر الإرادة، وتجويع الأطفال وحرمانهم من الغذاء اللازم، والماء النقي، ما يدفعهم لشرب الماء الملوث الذي يسبب لهم الأمراض ثم موتهم، أو منع وصول الأدوية إلى محتاجيها من المرضى وتركهم لآلامهم ومعاناتهم بانتظار الموت المحتم، إضافة إلى تعذيب الأسرى الذين يحتجزهم الاحتلال وإجبارهم على التعري أمام بعضهم بعضاً، نازعاً عنهم الصفة الانسانية لكي يفرغ حقده وتعطشه للانتقام والقتل بدم بارد، متنكراً لهم ولحقهم في العيش الآمن والحر في الحياة. ذلك أن تجريد الاحتلال للفلسطيني من إنسانيته هو إنكار لهويته الإنسانية واعتباره أدنى من الإنسان، ما يتيح للاحتلال إضفاء شرعية ما على سلوك جيش الاحتلال وأفعاله لجعلها أكثر قبولاً عند محيطه، ويمكن رؤية هذه العملية في الخطاب الرسمي والإعلامي الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني. ومنذ عقود عدة، في حديث رافائيل إيتان الذي عمل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وصف الفلسطينيين بأنهم «صراصير في زجاجة»، وسمّاهم مناحيم بيغين رئيس الحكومة الإسرائيلية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي «وحوشاً ذوي أرجل». وقد وصف إيهود باراك رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق الفلسطينيين بـ«التماسيح»، وسمّاهم الزعيم الروحي لحزب شاس الحاخام عوفاديا يوسف بـ«الأفاعي»، ودعا إلى قتلهم. ووصف موشيه يعلون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق الفلسطينيين مرة بأنهم «مظهر سرطاني»، وساوى بين العمل العسكري في الأراضي المحتلة ضدهم و«العلاج الكيماوي». أما نائب وزير الحرب الإسرائيلي إيلي بن دهان من حزب «البيت اليهودي»، فقد وصف الفلسطينيين بـ«الحيوانات»، خلال مقابلته على إذاعة الجيش الإسرائيلي عام 2013 قائلاً: «بالنسبة لي، إنهم كالحيوانات، إنهم ليسوا بشراً». هذه الدعوات لا تتم في الخطاب العسكري الصهيوني فحسب، وإنما في أوساط الإسرائيليين كافة، وجاءت من المستوى الرسمي المدعوم من الحاخامات اليهود أمثال الحاخام اليهودي الصهيوني الأكبر لمدينة صفد في الجليل الفلسطيني شموئيل إلياهو الذي قال:«إن قتل الفلسطينيين والانتقام منهم هو فريضة دينية تدعو إليها التوراة»، واصفاً الفلسطينيين بالوحوش البشرية، في وقت دعا فيه حاخامات يهود صهاينة آخرون إلى قتل الفلسطينيين في أرحام أمهاتهم، وقتل الأمهات الحوامل، وخرجت إحدى هذه الدعوات من إيليت شاكيد وزيرة القضاء في الحكومة الإسرائيلية الحالية. وقد عزز تلك التوجهات الصهيونية الفاشية تأييدها من قبل رئيس مجلس حاخامات المستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية الحاخام دوف ليئور، حيث أفتى بقتل المدنيين الفلسطينيين، وشاركه في ذلك رئيس المجلس البلدي اليهودي في القدس المحتلة، وقد صادق عدد من الحاخامات اليهود على فتوى تسمح للجيش الصهيوني بقصف مناطق سكنية على رؤوس ساكنيها في قطاع غزة.

ختاماً، إن العنف والقتل والإبادة هي مفاهيم راسخة في الأيديولوجيا الصهيونية، وتتجلى في الممارسات اليومية للاحتلال الإسرائيلي بشكل مستمر ومتطور ضد الفلسطينيين. وتتطابق هذه المفاهيم مع الأفكار التي حملتها الحركة النازية ضد الشعوب في الحرب العالمية الثانية. ويستخدمها الاحتلال الإسرائيلي للانتقام من العرب، واضعاً نفسه موضع الضحية لكي يبرر جرائمه الوحشية وممارساته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني والدول العربية. وما شهده قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023 من إبادة جماعية غير مسبوقة، يؤكد أن الكيان الصهيوني تجاوز النازية في جرائمه، وبات الظاهرة العنصرية والإجرامية الأبرز في التاريخ، وقادته هم النازيون الجدد.