مع إطلاق الرئيس الامريكي دونالد ترمب الذي تسيطر عليه حالة من جنون العظمة، مصيدة مجلس سلامه لإدارة قطاع غزة والعالم، تبرز أسئلة : فلسطين والمنظومة الدولية الحالية الى أين ؟ وهل سنشهد تداعيات خطيرة لهذه الخطوة على مستقبل القضية الفلسطينية وعلى القانون الدولي ومنظومة حقوق الإنسان؟
رئيس الولايات المتحدة يزعم أن واشنطن ستكون ناجحة جدا في غزة وستضمن "إعادة بناء السلاح في القطاع بشكل جميل"، وهذا ليس في محله ، مدعيا أن بلاده حافظت على وقف إطلاق النار في غزة ووفرت مستويات قياسية من المساعدات الإنسانية، وأن التقارير حول معاناة الفلسطينيين من الجوع في غزة لم تعد تسمع.
استنادا الى الوقائع فإنه من المؤكد أن تأسيس "مجلس السلام العالمي" يتجاهل الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية ومقاومته للاحتلال الصهيوني ، عبر طرح ترمب فكرة تحويل غزة الفقيرة والمتهالكة منذ فترة طويلة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، وهي فكرة استعمارية تتناقض مع التطورات على الأرض وتعتمد على حق القوة وفرض الامر الواقع على الفلسطينيين. كما ان المفهوم النهائي للمجلس لإعادة تطوير غزة مؤشر على أن ترامب ينظر إليه من منظور مطور عقاري، وليس من منظور صانع سلام وهذا يعيد خطر التهجير إلى الواجهة والى فرض سلام القوة على أنقاض الشرعية الدولية!
إنها فانتازيا هزلية تجلت بوضوح بقول صهر ترمب جاريد كوشنر: إن الخطة تتضمن إنشاء "سلطة مدنية انتقالية شرعية واحدة" لإدارة غزة وإن ذلك سيبدأ بسلطة مدنية جديدة لغزة ومن ثم الانتقال إلى السلطة الفلسطينية بمجرد إتمام الإصلاحات وأن الإطار قائم على مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد"، بمعنى أن جميع الأسلحة ستكون مرخصة من قبل سلطة مدنية واحدة. كما أن الخطة تنص على "احتكار القوة"، ما يتطلب تدمير سلاح المقاومة الفلسطينية والأنفاق والبنية التحتية العسكرية ومرافق إنتاج الأسلحة والذخائر وحل أو دمج جميع الفصائل المسلحة وأجهزة الأمن الداخلية ومنظمات الشرطة بعد "التدقيق الدقيق والتحقق الصارم".
كما أن تساؤلات مشروعة تثار راهنا ، لا سيما فيما يتعلق بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ووقف الخروقات الصهيونية المتواصلة وفتح المعابر، وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة ،علما أن الاحتلال الصهيوني ارتكب منذ إعلان وقف إطلاق النار حتى كتابة هذه العجالة أكثر من 2500 خرق ميداني ونوعي، أسفرت عن استشهاد أكثر من 500 فلسطيني وإصابة ما يزيد على 1200 آخرين، الى جانب استمراره في تدمير البنى التحتية وتقسيم القطاع وتشريد السكان .
هذا النهج الأميركي لم يكتف بتقويض مفهوم وقف إطلاق النار، بل أعاد تعريفه كأداة لإدارة الترتيب العسكري لا لإنهائه. وبدلا من لعب دور الضامن أو الوسيط، تحولت واشنطن في عهد ترمب إلى شريك فعلي في إعادة هندسة الصراع، عبر حماية كيان الاحتلال الصهيوني دبلوماسيا وطرح مسارات بديلة تتجاوز الشرعية الدولية ما جعل الهدنة في غزة حالة مؤقتة خاضعة لموازين القوة لا لقواعد القانون الدولي ، مع سعي الاحتلال إلى إبقاء خيار العمليات العسكرية الواسعة مفتوحا مستقبلا، والعمل على تهيئة الوسطاء وواشنطن و"مجلس السلام" للتعامل مع هذا الواقع باعتباره أمرا قائما.
فاذا كان المعيار الحقيقي لأي جهد دولي أو مجلس سلام هو مدى قدرته على الضغط على الاحتلال لإلزامه على وقف ممارساته القمعية والارهابية بحق الارض والانسان ، فإن واقع الحال في قطاع غزة وعموم فلسطين التاريخية يدحض مزاعم مجلس ترمب الذي يحاول دفن النظام الدولي ( رغم كل عيوبه ) وإعلان ولادة نظام تحكمه الشركات وأرباب العمل.
لذلك تبدو القصة مفرطة في عبثيتها، وإن كانت تعكس ميل ترمب إلى الاستحواذ على مصائر العالم، وتنصيب نفسه رئيسا لمجلس إدارة الدنيا، يخفض ويرفع، ويجعل من مطامعه ومطامحه معيارا لما يسميه السلام الدولي، وهو يكذب عندما يقول إنه يريد أن يوقف الحروب الكبرى. فعقيدته الظاهرة، أن السلام تصنعه القوة الأمريكية وحدها، وأن أحدا لا يملك منعه عن شيء يريده، والامثلة حول العالم كثيرة ، من فلسطين الى فنزويلا وغرينلاند وايران وغيرها والأدوار مقبلة على الآخرين جميعا، ومن يتذمر أو يبدى معارضة، فإنه لن يكون موجودا على ظهر كوكب الارض وصولا الى أن تصبح الأمم المتحدة في ذمة التاريخ ، نتيجة بلطجة ترمب ودولته العميقة.

