Menu

غرينلاند.. التوتاليتارية الأمريكية الجديدة خارج الحدود!

د. محمد عياش

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

يسابق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الزمن، وتطلعاته إلى احتلال جزيرة غرينلاند، خوفا من النفوذ الروسي والصيني الوصول إليها وقربهما من الحدود الأمريكية، وهذه المرة بالتهديد والوعيد، والويل كل الويل لكل من يقف أو يحاول الوقوف أمام طموحاته وأهدافه، أمريكا عظيمة من جديد.

 

توماس جيفرسون هو الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية ( 1801-1809) كان يخشى سقوط بعض الأراضي والمواقع الاستراتيجية مثل «لويزيانا» بيد الروس أو البريطانيين والإسبانيين بالرغم من وقوعها تحت النفوذ الفرنسي مع فارق الزمن ورغبة السكان برفض الابتزاز الأمريكي الفاضح .

 

للتذكير.. الولايات المتحدة اعتمدت على تمدد المستوطنين، ثم الاستحواذ على الأراضي التي تراها مناسبة واستراتيجية، وكثيرا ما يشار إلى عملية شراء ولاية لويزيانا التي كانت تملكها فرنسا 1803 بأنها من أهم إنجازات جيفرسون، والطريف أنه اشتراها بثمن بخس يقدر بسبعة دولارات للكيلومتر الواحد.

 

فإذا كانت «التوتاليتارية» ذات الحكم السياسي الذي يهدف للسيطرة الكاملة والمطلقة على كافة جوانب الحياة والمجتمع، عبر حزب واحد أو قائد يمحو الحدود بين الدولة والمجتمع، باستخدام الأيديولوجيا القمعية، الإرهاب، والدعاية والتلويح بالقوة للوصول إلى الأهداف والغايات والتي تتجسد نماذجها الغابرة في النازية، والصهيونية الحالية التي يتكئ عليها ترامب الذي سينفرد المصطلح باسمه، الترمبية الأمريكية التي ترى بالتوسع خارج الحدود وتأمين مصادر الطاقة وتدمير الدول والسيطرة على قراراتها.. يعني ذلك نحن أمام توتاليتارية مشوهة ذات أبعاد حادة وقاتلة .

 

ينظر الأوربيون وحلفهم (الناتو) لرغبة ترمب بضم الجزيرة، بالمستغل لظروفهم الحالية الحرب الروسية – الأوكرانية لتحقيق رغباته الشوفينية على حساب أزماتهم وتركهم وحدهم يواجهون القيصر الروسي الذي لا يتزحزح قيد أنملة عن أهدافه وتطلعاته، وبالتالي فإن ترامب يمتلك سلاح العقوبات بوجههم، ولا يبدو تهديداتهم لها أثر على ترمب الذي ينظر بكثير من الازدراء، بل يتحين الفرصة تلو الفرصة لتوجيه الاتهامات وربما التوبيخ الفاضح بحق القادة الأوروبيين المتقاعسين بالدعم العسكري لجيوشهم.

 

حجة واشنطن، المحافظة على الأمن القومي، بالرغم من اتفاق موقع مع الدنمارك صاحبة السيادة 1954، الذي يتيح لواشنطن أن تفعل ما تريد أمنيا واستراتيجيا من غير الحاجة لضمها، واستعداد السلطات الدنماركية الكامل للتعاون، لكن ترامب يريد الاستيلاء هذه المرة متهما كوبنهاغن ضعفها العسكري وعجزها عن حماية الجزيرة من الأطماع الروسية – الصينية.

 

أعتقد أن الولايات المتحدة ستنجح بالاستيلاء على الجزيرة باتفاق أو بغير اتفاق، لأن الجزيرة ومساحتها التي تبلغ مليونين ومئة وستون ألف كيلومتر وسكانها الذين لا يتجاوزون خمسة وستون ألفا، قادرين على المقاومة والرفض بالرغم من اعتراضهم وخروجهم بمسيرات للغاية ذاتها، والدنمارك بدورها غير قادرة على الرفض، بحكم التهديدات الأمريكية المباشرة، وحتى القمم التي تعقد والتصريحات التي ترفض هذا الإجراء لم يغير من رأي ترمب على العكس تماما ً أصبحت الجزيرة أمريكية خالصة، بعد التأكد من الصمت الروسي – الصيني.

 

فقط الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي يقف في وجه واشنطن وأطماعها، واستهتار والاستهزاء العلني من ترمب للرئيس ماكرون، مستمرة، ودعوة ماكرون لعقد قمة وإنشاء تحالفات ضد الامبريالية الجديدة على حد تعبيره لم تلق أذان صاغية، إذ يضل يغرد خارج السرب، وهذا ما سيشجع ترامب على دعم اليمين الفرنسي وإيصاله إلى سدة الحكم نكاية بالتنديدات والاستنكار والشجب.. وفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسا إلى الولايات المتحدة من الخمور والشمبانيا؛ عقابا للرئيس ماكرون الذي رفض الانضمام إلى مجلس السلام الذي يريد ترؤسه وإنشائه على قياسه.

 

لم يترد ترامب حين نشر صورة معدلة إحداها تظهره وهو يغرس العلم الأمريكي إلى جانب لافتة كتب عليه: غرينلاند، إقليم أمريكي، تأسس 2026، كذلك نشر صورة أخرى تبينه في المكتب البيضاوي الدائري إلى جانب خريطة غرينلاند وكندا مغطاتين بالعلم الأمريكي.

 

السؤال الكبير في ذهن كل إنسان ومفكر وسياسي، لماذا تريد واشنطن جزيرة غرينلاند المحسوبة على الدنمارك العضو في حلف الناتو؟ الكل يقول المعادن النادرة والكنوز المدفونة تحت الثلج واتساعها، وكل هذا صحيح إلا أن هناك سببًا آخر لم يتم التطرق إليه بالإعلام، وهو السيطرة على الجزيرة المكسوة بالثلج يمكن أن تستخدم كعصاة غليظة لكل القارات وبحارها السبع، أي أن السيطرة على الجزيرة يمكّن واشنطن من تذويب كميات كبيرة من الثلوج التي بدورها سترفع منسوب البحر من متر إلى سبعة أمتار وهذا سيشكل خطرًا على الموانئ وربما تختفي مدن وقرى وبالتالي ليس بمقدور روسيا والصين فعل ذلك.

 

  • المتحدة كالذئب لا يهرول عبثا ً، لذلك يجب التركيز على نيات واشنطن وتصميمها، وتخليه عن الأوربيين بمواجهة الدب الروسي ليس عبثًا ولا عجزًا، لأن الأهداف ستلحق الضرر بالروس أولاً ثم الأوربيين، وعلى هذا الواقع فإن ترمب يلعبها صح، والاستراتيجية التي أعلن عنها واضحة لجهة إعادة الولايات المتحدة عظيمة، ومن غير التحكم بالممرات المائية وجزيرة غرينلاند التي بدورها ستكون الرافد والمغذي لهذه الممرات وتهديدها بشكل مباشر، والدليل على هذه الخطط، الأوامر التي صدرت من ترامب شخصيا ببناء غواصات نووية جديدة قادرة على التعامل مع جميع العوائق والتهديدات .

 

التوتاليتارية الجديدة وشعارها محو الحدود أمام المطامع والأهداف الكولونيالية، تطل برأسها البشع والجشع، ناسفة كل القوانين والأعراف الدولية، وسبق لترامب أن انسحب من 60 منظمة إنسانية، ومحاولة تدمير منظمة الأونروا المعنية بتشغيل اللاجئين الفلسطينيين والتضييق عليها واعتبارها شاهدًا على إجرام الصهيونية العالمية، تعتبر خطرًا محدقًا للعالم الذي يعاني من قلة الموارد والثقة والأمان بالعلاقات الدولية، وحادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي توماس مادورو، واقتياده وزوجته إلى نيويورك لمحاكمته بتهمة التجارة بالمخدرات واعتباره خطرًا على الأمن القومي الأمريكي، يدل على الكاليغولية الترمبية التي تؤمن بالغطرسة والنشوة بالقوة.

 

إن الواجب على دول العالم، الوقوف أمام التهديدات الأمريكية، ومنعها من تحقيق أهدافها، وبالتالي فإن السكوت على ضم الجزيرة سيكون بمثابة الإعلان عن مناطق أو دول أخرى تريد واشنطن ضمها ككندا والمكسيك وربما بعض الدول اللاتينية، وأصبح العالم بين فكين الصهيونية والترمبية وعملية الاصطفاف والتحالفات ربما لم تفلح في كبح الجموح الصهيوني الترمبي الهائج والمفتوح شهيته على الضم والاقتلاع.

 

الخلل الأخلاقي المتراكم في أروقة المجالس المنبثقة من الأمم المتحدة، وإذعانها لسنوات لإرادة الصهيو- أمريكية، السبب الرئيس في خلخلة العالم ووصوله إلى هذه الحد المتهاوي والمستهتر بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان بعد المجازر البشعة بحق أهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية والتي وصلت إلى حد الإبادة الجماعية المنصوص عليها بالقوانين والأعراف الدولية، وتراكم القوانين على رفوفها أيضا ساهمت بهذا الخلل، واستخدام حق الفيتو من الدول الدائمة العضوية زاد من الظلم والجور، حيث استخدمته واشنطن آلاف المرات لمنع محاسبة «إسرائيل» على جرائمها واحتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية، وتغولها على لبنان وسوريا و اليمن واعتداءاتها على إيران .

 

لهاُث واشنطن ( ترمب ) الحصول على جزيرة غرينلاند، إظهار لفائق القوة، وعملية جس نبض لإمكانات القارة الأوربية بمواجهة هذه الأطماع، وبالتالي فإن الاتحاد الأوروبي بالأمس كان يمثل تهديدًا واضحًا للقوة الأمريكية، بالرغم من اشتراكها بحلف الناتو، إلا أن واشنطن بقيت تتوجس من هذا الحلف لغايات إمبراطورية، وعملت على تفكيكه عبر ما يسمى "بريكست" والإيعاز للشريك العضوي بريطانيا بالخروج منه، وتم ذلك في 31 من يناير/ كانون الثاني 2020، خرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، هذا الإجراء لم يكن بمحض الصدفة أو حسابات أخرى، بل أهداف للسيطرة العالمية الأحادية من خلال الولايات المتحدة، وبالتالي لا تريد لأي تحالف أو منظمة النجاح أو الاستمرار .

 

تحتاج واشنطن للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، السيطرة على النفط والتحكم بالأسعار لذلك كانت فنزويلا بالمهداف الأمريكي إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، حيث يتجاوز300 مليار برميل (تقريباً 303.3 إلى 303.8 مليار برميل وفقاً لتقديرات 2025-2026 ، وهو ما يعادل نحو 17% من الاحتياطي العالمي. يتركز معظم هذا الاحتياطي في حزام أورينوكو النفط، ويتميز بكونه نفطاً ثقيلاً. و إيران وما تمتلكه من مخزون نفطي يسيل له اللعاب الأمريكي، والعمل الجاد من ترامب للهدوء في سوريا للغاية ذاتها، يعني الالتفاف على العقود المبرمة مع روسيا والصين وبعض الدول الأخرى وإنهائها والضغط على هذه الدول، وحتى الأوربيون لا يستطيعون التخلي عن النفط الذي يعتبر المحرك الرئيس لمعاملهم ومصانعهم.

 

التوتاليتارية الجديدة تجلّت بجلوس ترمب بمؤتمر «دافوس» في عقر دارهم على كرسي مختلف بلونه ومغاير وسط الكراسي التي يقعدون عليها رؤساء الدول المشاركة متحدثًا وشارحًا والكل يصغي ويحرك رأسه للأسفل .