Menu

على حافة الانفجار: دولة الاحتلال تدفع نحو الحرب الكبرى ضد إيران تحت المظلة الأمريكية

موسى جرادات

بوابة الهدف

منذ اللحظة الأولى لانطلاق “طوفان الأقصى”، لم تتعامل دولة الاحتلال مع الحدث بوصفه معركة فلسطينية محدودة، بل باعتباره اختراقًا استراتيجيًا تقف في خلفيته إيران. في العقل الأمني الصهيوني، لم تكن غزة سوى ساحة أمامية، بينما المعركة الحقيقية هي مع “رأس المحور” الذي يمنح باقي الجبهات القدرة على الاستمرار والتجدد.

ومن هنا، تحوّل الهدف من إدارة حرب في غزة إلى محاولة إعادة تشكيل الإقليم بأكمله. غير أن هذا الطموح اصطدم بحدود القوة الذاتية. فالضربات الجوية والاغتيالات والعمليات في أكثر من ساحة لم تُحدث الكسر الاستراتيجي المطلوب. لذلك بدأ الانتقال من منطق الاستنزاف المتدرج إلى التفكير في مواجهة أوسع، تتطلب انخراطًا أمريكيًا مباشرًا أو غير مباشر.

 

من تفكيك الأطراف إلى ضرب المركز

تقديرات مراكز القرار في تل أبيب، وعلى رأسها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تشير إلى أن أي إنجاز ميداني سيبقى هشًا طالما أن إيران تحتفظ بقدرتها على التمويل والتسليح والتخطيط. هذه الرؤية تكررت في تحليلات هآرتس ويديعوت أحرونوت، حيث جرى الحديث صراحة عن ضرورة “نقل المعركة إلى المصدر”.

لكن ضرب إيران ليس كضرب غزة أو لبنان. فالمسافات مختلفة، والقدرات مختلفة، ورد الفعل المحتمل مختلف تمامًا. هنا يدخل العامل الحاسم: الولايات المتحدة.

 

الحشد الأمريكي: رسائل ردع أم تمهيد لنار أكبر؟

في الأسابيع الأخيرة، تعزز الحضور العسكري الأمريكي في محيط إيران، عبر انتشار بحري وجوي مكثف، ونشر منظومات دفاع إضافية، ورفع مستوى الجاهزية في قواعد إقليمية. تقارير في نيويورك تايمز وواشنطن بوست تناولت هذه التحركات باعتبارها رسائل ردع لمنع اتساع الحرب.

غير أن القراءة في تل أبيب ترى ما هو أبعد من الردع. فالتكامل العملياتي بين الجيشين بلغ مستوى غير مسبوق: غرف تنسيق مشتركة، تبادل معلومات استخبارية لحظي، وربط أنظمة إنذار مبكر. منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وفي مقدمتها القبة الحديدية، تعمل ضمن شبكة أوسع تشمل أنظمة أمريكية في المنطقة.

الرسالة مزدوجة: طمأنة الداخل الإسرائيلي، وتحذير إيران بأن أي مواجهة لن تكون مع دولة الاحتلال وحدها.

 

سيناريوهات النار: ضربة محدودة أم حرب إقليمية؟

التحليلات العسكرية الإسرائيلية تطرح عدة سيناريوهات:

 

ضربة مركزة على أهداف إيرانية محددة: منشآت عسكرية أو بنى تحتية حساسة، بهدف إعادة ترسيم قواعد الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

مواجهة متدرجة: تبدأ بضربة محدودة ثم تتوسع تدريجيًا بحسب طبيعة الرد الإيراني.

حرب متعددة الجبهات: تشمل ردودًا من ساحات متزامنة، ما يعني انخراط لبنان والعراق و اليمن في الاشتباك.

التقديرات المنشورة في القناة 12 الإسرائيلية تشير إلى استعدادات داخلية لاحتمال تعرض العمق الإسرائيلي لصواريخ بعيدة المدى وهجمات سيبرانية تطال البنية التحتية الحيوية. أي أن الجبهة الداخلية ستكون في قلب المعركة، لا على هامشها.

معضلة الحسم: بين الرغبة والخشية

في خطاب دولة الاحتلال، ضرب إيران بات يُقدَّم كشرط للأمن الاستراتيجي. فبقاء طهران فاعلة يعني – وفق هذا المنطق – أن كل ما تحقق في الساحات الأخرى قابل للتبخر. لكن في العمق، تدرك المؤسسة الأمنية أن الحرب مع إيران لن تكون جولة خاطفة.

فالقدرات الصاروخية الإيرانية، وشبكة التحالفات الإقليمية، تعني أن الرد لن يكون موضعيًا. بل قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة، تُستهدف فيها المدن والمرافئ ومحطات الكهرباء ومراكز الاقتصاد.

 

واشنطن بين الدعم والانزلاق

رغم التكامل العسكري المتقدم، فإن الإدارة الأمريكية تبدو حذرة من إشعال مواجهة شاملة. فهي تعزز حضورها وتؤكد التزامها بأمن دولة الاحتلال، لكنها تدرك أن حربًا مفتوحة قد تخرج عن السيطرة، وتهدد استقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية.

التباين هنا ليس خلافًا في الهدف، بل في حسابات التوقيت والكلفة. دولة الاحتلال ترى في اللحظة فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، فيما تحاول واشنطن ضبط الإيقاع حتى لا تتحول سياسة الردع إلى شرارة انفجار.

 

إيران: معادلة الرد المفتوح

إيران أعلنت مرارًا أن أي حرب لن تكون تبادل ضربات محدودًا، بل مواجهة إقليمية واسعة. هذا يعني أن حسابات تل أبيب لا تتوقف عند حدود الضربة الأولى، بل تمتد إلى ما بعدها: إلى كيفية احتواء ردود متزامنة، وربما غير تقليدية.

الجبهة الداخلية: اختبار الصمود

استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي تظهر دعمًا لفكرة توجيه ضربة لإيران، لكن هذا الدعم مشروط بنتائج سريعة وكلفة محدودة. غير أن التقديرات العسكرية لا تعد بمثل هذا السيناريو المريح. فالحرب، إذا اندلعت، قد تعني أسابيع أو أشهر من الإنذارات اليومية، والخسائر الاقتصادية، والضغط النفسي المتراكم.

 

لحظة القرار

المعادلة الراهنة شديدة الحساسية. دولة الاحتلال رفعت سقف خطابها إلى حدّ اعتبار المواجهة مع إيران ضرورة استراتيجية. الولايات المتحدة عززت حضورها العسكري لتأكيد التزامها وردع خصومها. وإيران أعلنت استعدادها لخوض حرب إقليمية إذا فُرضت عليها.

أي خطوة إلى الخلف قد تُفسَّر ضعفًا. وأي خطوة إلى الأمام قد تشعل المنطقة. لذلك يقف الإقليم على حافة اشتباك تاريخي، حيث يتحول التكامل العسكري الأمريكي–الإسرائيلي من مظلة ردع إلى احتمال منصة انطلاق.

وإذا اندلعت الحرب، فلن تكون معركة عابرة، بل مواجهة تعيد رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط، وتضع الجميع أمام اختبار غير مسبوق: من يملك القدرة على الصمود في حرب بلا سقف واضح… ومن يدفع الثمن الأكبر فيها؟