تأسيساً على معطيات المشهد الجيوسياسي المتفجر في الشرق الأوسط، وفي ضوء التقارير الاستخباراتية والإعلامية التي كشفت عنها شبكة "سي إن إن" الأمريكية، يبرز اختيار توقيت العمليات العسكرية المشتركة بين تل أبيب وواشنطن كمتغير استراتيجي يتجاوز الحسابات الميدانية الصرفة، ليتجذر في عمق اللاهوت السياسي والتوظيف الأيديولوجي للتاريخ، إن اختيار يوم السبت، الثامن والعشرين من فبراير، لتوجيه ضربة عسكرية ضد الدولة الإيرانية، لا يمكن قراءته كصدفة زمنية تفرضها الجاهزية التقنية فحسب، بل هو قرار مشحون بدلالات توراتية عميقة ترتبط بما يعرف بـ "سبت زاخور" أو "سبت الذاكرة"، وهو السبت الذي يسبق مباشرة عيد "بوريم" أو "المساخر" المقرر في الثاني من مارس، حيث تفرض النصوص الدينية اليهودية في هذا اليوم تحديداً استحضار الذاكرة التاريخية للصراع مع "العماليق"، الذين يُصنفون في العقل الجمعي اليهودي-الصهيوني كعدو وجودي وأزلي سعى لإبادة الشعب اليهودي منذ خروجه من مصر، عبر استهداف الضعفاء والنساء والشيوخ وطعن الجيش في ظهره، مما يجعل من استدعاء هذه الذاكرة في لحظة الاشتباك مع طهران محاولة لصبغ المواجهة الإقليمية بصبغة ميثولوجية تمنح العمل العسكري مشروعية "الأمر الإلهي" بمحو ذكر العدو من تحت السماء.
إن هذا التوظيف الاستراتيجي للأساطير يتبدى بوضوح في الإسقاط السياسي الذي تمارسه القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، الذي دأب منذ أحداث السابع من أكتوبر على وصف الأعداء الإقليميين بأنهم "العماليق الجدد"، وفي هذا السياق، يتم استحضار قصة الملك الفارسي "هامان الآغاجي" الواردة في "سفر إستير" في التوراة أو ما يعرف بـ "العهد القديم"، حيث يُنظر إلى القيادة الإيرانية الحالية بوصفها التجسيد المعاصر لشخصية "هامان" الذي خطط لإبادة اليهود في بلاد فارس قديماً، ومن ثم يصبح استهداف إيران في هذا التوقيت الرمزي بمثابة إعادة تمثيل لأسطورة النصر الذي حققته الملكة "إستير" وابن عمها "مردخاي" عبر تصفية "هامان" وشنقه، وهي رسالة سياسية شديدة الخطورة مفادها أن إسرائيل لا تخوض حرباً دفاعية تقليدية، بل تنفذ انتقاماً تاريخياً يهدف إلى تصفية "هامان الجديد" في عقر داره، مما يحول المواجهة العسكرية من صراع على النفوذ والمصالح إلى مواجهة صفرية يحركها هاجس "الإبادة المتبادلة" والانتصار اللاهوتي المسبق.
على المقلب الآخر، يتسع نطاق الرسائل الرمزية ليشمل البعد النفسي الموجه للداخل العربي والإسلامي، إذ يتزامن توقيت الهجوم مع يوم العاشر من رمضان، وهو التاريخ الذي يحمل قدسية عسكرية ووطنية كبرى في الوجدان العربي، كونه ذكرى "حرب تشرين/أكتوبر" (العاشر من رمضان) والعبور المصري العظيم وتحطيم خط بارليف في عام 1973، إن اختيار هذا اليوم تحديداً، بمراراته التي لم تندمل في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، يهدف إلى ممارسة "سادية سياسية" تسعى لقلب موازين القوى الرمزية، فبدلاً من أن يكون العاشر من رمضان يوماً للاحتفاء بكسر الغرور الإسرائيلي، ترغب تل ببيب في تحويله إلى يوم لتأكيد اليد الطولى والقدرة على الضرب في أعماق العواصم الإسلامية دون رادع، وهي محاولة لغسل عار هزيمة تشرين/أكتوبر وترميم الردع المتآكل عبر إرسال رسالة مفادها أن "زمن الانتصارات العربية قد ولى"، وأن إسرائيل باتت تملك زمام المبادرة في اختيار التوقيتات الأكثر حساسية لإيلام خصومها وإذلالهم معنوياً في لحظات صومهم وعبادتهم وتاريخهم المجيد.
بناءً على ما تقدم، فإننا نشهد تحولاً بنيوياً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية، حيث باتت "الحرب الدينية" المحرك الأساسي للتحركات الجيوسياسية، متجاوزةً أطر القانون الدولي وحسابات توازن القوى التقليدية، إن هذا المزج الخطير بين النصوص التوراتية المتطرفة وبين التكنولوجيا العسكرية الفتاكة يضع المنطقة أمام سيناريوهات كارثية، حيث تُدار المعارك بعقليات تؤمن بالحتميات الغيبية والحروب الإبادية، مما يغلق أبواب الدبلوماسية ويفتح آفاق الصراع الوجودي الشامل، إن القيود المفروضة على البيانات الميدانية الدقيقة لا تحجب حقيقة أن المنطقة تُساق إلى أتون مواجهة كبرى، حيث لا يهدف الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي إلى تعطيل المفاعلات النووية أو تدمير مخازن الصواريخ الباليستية فحسب، بل يهدف إلى تهشيم الروح المعنوية والرمزية التاريخية لشعوب المنطقة، مما يجعل من فهم هذه الأبعاد الرمزية ضرورة قصوى لبناء استراتيجية مواجهة مضادة تتصدى لهذا المشروع الذي يستهدف الجغرافيا والتاريخ والمعتقد على حد سواء.

