Menu

غضب شعبي فلسطيني من التعديلات التي تنال من المنهاج التعليمي الفلسطيني

بسّام عليّان

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

مقدمة:

أثارت التعديلات التي تم الاتفاق على إجرائها على المناهج الفلسطينية في الوطن المحتل؛ الكثير من النقاشات والجدل حول الهوية الوطنية الفلسطينية والتعليم الأساسي للمراحل الابتدائية والإعدادية لأبناء وبنات الشعب الفلسطيني الذين ما يزالون يتشبثون بأرضهم وهويتهم الوطنية الفلسطينية وتاريخهم وإرثهم.

وقد أثارت قضية إدخال تعديلات جوهرية على المناهج الفلسطينية، (قيل إنها شملت حذف مضامين وطنية وتغيير مفاهيم تاريخية وثقافية) موجة غضب وجدلاً واسعاً داخل الأوساط الشعبية الفلسطينية والمنظمات والمؤسسات الأهلية التي تتضامن مع فلسطين ومع القضية الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني.

   فوسط حديث عن ارتباط تلك التعديلات بضغوط أوروبية داعمة للاحتلال الصهيوني لفلسطين؛ وكذلك احتجاجات مرتبطة بالحكم العسكري للاحتلال الإسرائيلي. وبحسب وثائق وتداولات نشرت في وسائل إعلام فلسطينية محلية مؤخراً، فإن التعديلات- وفق ما جرى تداوله- لم تقتصر على نصوص محدودة، بل امتدت إلى عشرات الكتب المدرسية من الصف الأول حتى العاشر، وطالت موضوعات حساسة مثل الأسرى والمقاومة وهوية المدن والقرى الفلسطينية المحتلة و القدس واللاجئين والذاكرة الوطنية، إضافة إلى تغيير مصطلحات وطنية راسخة والقيام باستبدالها بمضامين أخرى تروّج لرواية الاحتلال البغيض والمطبعين مع هذا الاحتلال.

في المقابل، أصدرت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية؛ بياناً توضيحياً أكدت فيه أن ما يجري تداوله حول تغيير المناهج الوطنية الفلسطينية؛ يتعلق في غالبيته بأمثلة وشواهد قام الاحتلال بتغييرها في مناهج مدارس مدينة القدس المحتلة، في إطار ما وصفته بسياسة أسرلة المدينة المقدسة.

وأشار المسؤولون في وزارة التعليم الفلسطينية، إلى أن هناك سوء فهم بين تعهدات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بمواءمة المنظومة التعليمية مع معايير اليونسكو، ومع ما تجريه سلطات الاحتلال الإسرائيلية في مناهج مدارس مدينة القدس؛ والتي قام الاحتلال بتعديلها قسراً.

إلا أن المنظمات والمؤسسات الشعبية الوطنية الفلسطينية تتخوف من عملية تغيير المناهج إذا كان في القدس المحتلة أو في باقي مدن وقرى وبلدات فلسطين المحتلة، من منطلق المخاوف على الهوية الوطنية الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني والموروث الشعبي الفلسطيني.

ورغم التوضيحات الرسمية التي صدرت عن وزارة التربية والتعليم، إلا أن هناك موجة من التساؤلات والنقاشات بين الفلسطينيين حول طبيعة معايير اليونسكو المتعلقة بالمناهج التعليمية وحدود تأثيرها المحتمل على المضامين الوطنية والثقافية الفلسطينية.

ولغياب الشفافية؛ عند المسؤولين في السلطة الفلسطينية؛ فقد تباينت ردود الفعل بين منتقدين ومطالبين بمزيد من التوضيح الرسمي، إذ عبرت الناس عن مخاوفهم مما وصفوه بـ "فرض مفاهيم جديدة" ضمن معايير اليونسكو، مثل المساواة الجندرية وإزالة الصور النمطية، معتبرين أن ذلك قد يفضي إلى تغيير أدوار الرجل والمرأة وإعادة تشكيل مفهوم العائلة خاصة وأن العائلة الفلسطينية وهي لب المجتمع الفلسطيني هي العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني وهي الأساس في التربية والتعليم والحفاظ على العادات والتقاليد والموروث الشعبي الوطني الفلسطيني، مما رآه بعضهم بأن اليونسكو تسعى لفصل التربية داخل العائلة الفلسطينية عن منظومة القيم الإسلامية التي تربى عليها الآباء والأمهات والأولاد، متسائلين إن كان ذلك يمثل تطويراً تعليمياً أم إعادة صياغة للمناهج وفق معايير غربية مقصودة.

وفي السياق ذاته، رأى آخرون أن الجدل يطرح تساؤلات حادة حول مستقبل الهوية الوطنية داخل الصفوف المدرسية وحدود التدخل السياسي أو الخارجي في صياغة وعي الطلبة ومضامين التعليم.

والحقيقة أن الحديث عن مواءمة المناهج مع معايير منظمة اليونسكو يؤكد حدوث تغييرات فعلية مرتبطة بسياسات خارجية ودعم مشروط، لا بد أن يؤثر في الهوية الدينية والعادات والتقاليد والرواية التاريخية الفلسطينية. وهنا لا بد من ضرورة مراعاة خصوصية المجتمع الفلسطيني بوصفه شعباً واقعاً تحت الاحتلال ومحافظا على قيمه وعاداته وتقاليده وإرثه الشعبي التاريخي، فالمناهج يجب أن تعكس واقعه وهويته الوطنية والثقافية، علماً بأن اليونسكو تقرّ بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في تعليم يعكس تاريخها وحقوقها، إلى جانب الالتزام بالقيم الإنسانية العامة.

كما انتقد الآباء والأمهات والمعلمون؛ ما وصفوه بمحاولات "تلميع" التعديلات، متسائلين عن طبيعة التغييرات في مناهج مدارس القدس وعلاقتها بالمنهاج الفلسطيني الرسمي، فيما طالب آخرون وزارة التربية والتعليم بتقديم شرح واضح ومفصل لمعايير اليونسكو مع أمثلة محددة على ما جرى مواءمته في المناهج، تجنباً لانتشار المعلومات غير الدقيقة.

في حين رأى بعضهم أن معايير اليونسكو قد لا تختلف من حيث النتائج عما يطالب به الاتحاد الأوروبي الذي يضغط على الفلسطينيين من جانب التمويل، داعين إلى الشفافية الكاملة ومراجعة شاملة للمناهج من منظور وطني يوازن بين التطوير التعليمي والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية والإرث التاريخي لفلسطين وللشعب الفلسطيني.

فيما يرى بعض المراقبين، أن مخاوفهم العميقة مما وصفوه بتغييرات قد تمس الهوية الوطنية الفلسطينية وتؤثر في ذاكرة الطلبة التاريخية، محذرين من تزييف الرواية الوطنية والتلاعب بالتاريخ الوطني الفلسطيني.

التربية والتعليم في السلطة تستجيب لإملاءات الاحتلال:

حسب المراقبين والمؤسسات والمنظمات الشعبية الفلسطينية؛ قامت وزارة التربية والتعليم في السلطة بسحب كميات من الكتب المدرسية من المدارس ومن مستودعات الوزارة؛ وقامت باستبدالها بكتب جديدة بضغوط أوروبية؛ تحت تهديد أوروبي بوقف المساعدات والدعم الأوروبي للسلطة. والاتحاد الأوروبي ينفذ سياسة الاحتلال الإسرائيلي الذي يريد أن تتضمن تلك المناهج "خريطة إسرائيل" رغم أن الإسرائيليين لم يرسموا حدودهم حتى الآن، كذلك لا يريد الاحتلال الإشارة التاريخية إلى مدن يافا وعكا واللد والرملة وباقي المدن الفلسطينية في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 كأرض فلسطينية.

وتقول بعض الأوساط الفلسطينية: إنه وبعد أعوام على اتباع السلطة الفلسطينية مناهج تعليمية محددة رأت أنها تراعي الحفاظ على الرواية الفلسطينية بعيداً من التحريض، بدأت اليوم بحملة لمراجعة تلك المناهج بما يتماشى وسياسة الاحتلال البغيض نتيجة ضغوط أميركية – أوروبية.

فمثلاً، سحبت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بعض الكتب الدراسية، واستبدلتها بأخرى مؤقتة تخلو من الإشارة إلى الأسرى مثلاً، أو النضال والمقاومة والثورة والشهداء والاستبسال فداء للوطن وفداء للأرض، مما يعد استجابة لإملاءات غربية والذي يعتبر جريمة بحق الهوية الوطنية؛ مما يشكل خطوة خطيرة حول خضوع وزارة التربية والتعليم لإملاءات أمريكية وأوروبية تقضي بتعديل المناهج الدراسية الفلسطينية وفق متطلبات ورغبة سلطات الاحتلال، وهذا يعتبر اعتداءً مباشراً على الهوية الوطنية الفلسطينية ومحاولة لقطع الصلة مع تاريخ الشعب الفلسطيني وتضحياته.

والشعب الفلسطيني بكافة أطيافه يؤكد أن الهوية الوطنية الفلسطينية وُلدت من تضحيات جسيمة امتدت لأكثر من قرن، مشدداً على أن المناهج التعليمية يجب أن تُجسّد هذه التضحيات وتُبقيها حيّة في وعي وذاكرة الأجيال الفلسطينية، لا أن تُفرّغ من مضمونها استجابة لما يريده الاحتلال. وأن أي تغيير في المناهج يهدف إلى تشويه الرواية الفلسطينية أو تغييب الذاكرة الوطنية الذي لا يخدم سوى أهداف الاحتلال الساعي لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني، والذي يعد جريمة بحق الشعب الفلسطيني وتاريخه ونضاله.

القوى الوطنية الفلسطينية تتحرك لمنع هذا التغول على الهوية الوطنية الفلسطينية

تدعو القوى الحيّة والمؤسسات الأهلية والشعبية إلى التحرك العاجل والضغط لإجبار وزارة التربية والتعليم في السلطة؛ على الحفاظ على الروح الوطنية في المناهج ورفض الخضوع لإملاءات الاحتلال أو لأي إملاءات غربية تمسّ الثوابت الوطنية والهوية الوطنية الفلسطينية.

رغم تحرك القوى الوطنية والمنظمات والمؤسسات الشعبية الوطنية الفلسطينية واعتراضات الآباء وكبار التربويين الوطنيين الفلسطينيين؛ ما تزال تربية السلطة تقوم بتعديلات جوهرية على المناهج الفلسطينية من المقرر تنفيذها ابتداءً من العام الدراسي 2026–2027، وتشمل تغييرات واسعة بمضامين الكتب المدرسية. ومن هذه التعديلات ما يشمل حذف النشيد الوطني الفلسطيني، وتغييرات بأسماء المدن الفلسطينية واستبدال مصطلحات وطنية بأخرى تزعم أنها “محايدة” وإلغاء ذكر اسماء رموز وشهداء وقيادات وطنية استشهدت من اجل تحرير فلسطين وعودة اللاجئين، وما تزال جارية بتنفيذ فعلي لذلك.

 وحكومة السلطة الحالية "تعمل منذ أشهر بصورة جدية على مراجعة المناهج الدراسية، وبأنها قطعت شوطاً لا بأس فيه في ذلك". وأن العمل جار "وفق آلية جديدة"، وأن ذلك "يأتي بضغوط أوروبية، ويذكر أن الحكومة الفلسطينية السابقة رفضت التجاوب مع الضغوط الأوروبية لتغيير المناهج".

الرواية الفلسطينية للصراع

الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني البغيض يتهم السلطة الفلسطينية بـ "التحريض على العنف في مناهجها التعليمية" في ظل رفض فلسطيني لذلك، وتأكيد أن المناهج تتطرق إلى الرواية الفلسطينية للصراع العربي - الإسرائيلي والتاريخ الفلسطيني ونضال شعبه. وهي الرواية الحقيقية لمبادئ القضية الفلسطينية إلا أن الاحتلال تحت حجج واهية مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب الرأسمالي، وتحت مسمى " اليونسكو " يريدون فرض منهاج تربوي وتعليمي "ينسجم مع مبادئ اليونيسكو والقانون الدولي وحقوق الإنسان"(!!!؟؟). فهم من خلال التشدق بحقوق الإنسان وهم أبعد ما يكونون عن حقوق الانسان؛ (فقط عندما تستحضر ما حصل ويحصل في غزة، ترى أميركا والغرب والاحتلال الصهيوني كم هم يحترمون حقوق الإنسان)؛ فمن خلال طرح التسامح وعدم الحض على المقاومة يريد الاحتلال ومحركته الرئيسية أميركا وداعموها الغربيون من الفلسطينيين الاستسلام".

 فإن الاحتلال الإسرائيلي يعد "ذكر الصهيونية والرواية الفلسطينية للصراع والتطرق إلى نضال الشعب الفلسطيني وقادته التاريخيين تحريضاً على العنف والكراهية". وهذا الاحتلال مدعوم من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي؛ وكلهم "يريدون تسييس التعليم"، وإملاء المفاهيم والأسماء والرواية الإسرائيلية على المناهج التعليمية الفلسطينية. وهذا كله يتم بتحريض الاحتلال الإسرائيلي. وكنا نتوقع أن ترفض السلطة الفلسطينية هذه الإملاءات على الشعب الفلسطيني؛ فالمنهاج الفلسطيني يشكل مرآة لروح المجتمع تحت الاحتلال، ويعيد إنتاج السردية الوطنية في مواجهة الرواية الصهيونية الساعية إلى طمس الذاكرة".

فالتحريض الذي تتشدق به اميركا وربيبتها "إسرائيل" يكمن في تجاوز القانون الدولي وحقوق الإنسان، وليس في ما لا ينسجم مع الإرادة الإسرائيلية والأميركية.

وكثير من المراقبين والمؤسسات والمنظمات الدولية تعتبر أن المناهج التعليمية الفلسطينية "لا تحرض على القتل إنما تتضمن الرواية الفلسطينية للصراع، والوطن فلسطين وتعريف النكبة، قبل الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي لأرض فلسطين. فإن الاحتلال يريد دفع السلطة الفلسطينية إلى تبديل المناهج الفلسطينية لتغيير رؤية الفلسطينيين لتاريخهم ومستقبلهم، وتغيير عقليتهم وتدجينهم سياسياً.

خاتمة

في الستينيات والسبعينيات: كانت فلسطين تعتبر في المرتبة الثانية في العالم بالتعلم والتعليم؛ ومنذ النكبة وأوائل الخمسينيات وإلى الآن؛ أي طيلة 78 عاماً والمهندسون والأطباء والمعلمون والحرفيون وغيرهم من الكفاءات العلمية والمهنية ينتشرون في العالم ويشهد لهم العالم كله، بأنهم مهرة في مجالات عملهم، أي أن مناهجهم كانت قوية وعالية الجودة وهذا بشهادة الدول والحكومات التي عملوا من خلالها؛ حتى في أميركا وفي أوروبا هناك كثير من الكفاءات الطبية والهندسية والفنية ويشهد لهم بالكفاءة العالية.

وللأسف يأتي اليوم من يريد وضع خطة جديدة للتعلم والتعليم الفلسطيني "ستسعى إلى إصلاح النظام التعليمي القائم"؛ "وتحاول الوزارة دراسة وتطبيق آليات لتخريج أساتذة ومديرين قادرين على قيادة العملية التعليمية، وإدارة واستخدام الوسائل التعليمية الحديثة نظراً لأهميتها في التعليم، والعمل على صقل شخصية التلاميذ وتعليمهم كيفية استخدام المعلومات".