شكّل بدء الانسحاب الأمريكي من سوريا تحولاً في نمط إدارة الصراع أكثر منه تغييراً في انتشاره الجغرافي، فمنذ انخراط واشنطن في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، ارتكز الوجود العسكري الأمريكي على وظيفة مزدوجة: احتواء التهديد الجهادي ومنع تشكّل فراغ أمني يعيد إنتاجه، إلا أن تراجع السيطرة المكانية للتنظيم، وتبدّل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، أعادا صياغة معادلة الكلفة-العائد، ما أفضى إلى انتقال مدروس من نموذج الانخراط الميداني المباشر إلى نمط نفوذ غير مباشر قائم على الردع عن بُعد وإدارة التوازنات عبر الشركاء المحليين.
تُعيد واشنطن رسم سياستها تجاه سوريا ضمن معادلة الكلفة والمكاسب، فالوجود العسكري المباشر، الذي تأسس في سياق الحرب على تنظيم "داعش"، لم يعد ينتج العائد الاستراتيجي ذاته، ومع تراجع تهديد السيطرة المكانية للتنظيم، تحوّل الوجود الأمريكي إلى عبء سياسي وعسكري منخفض الجدوى، خصوصًا في ظل انشغال الولايات المتحدة بأولويات أكثر إلحاحًا على الساحة الدولية. من هنا يبدو الانسحاب أقرب إلى انتقال من إدارة ميدانية مباشرة للصراع، إلى نمط نفوذ غير مباشر يعتمد على الشركاء المحليين، والأدوات الاستخبارية، والردع عن بُعد.
تحوّل الجغرافيا الأمنية
انسحاب واشنطن من قواعد ( خراب الجير، التنف، الشدادي، قسرك) ينقل طبيعة هذه المنطقة من مساحة مراقبة دولية إلى نطاق سيادة مباشرة للحكومة السورية، لكن التحول لا يعني تلقائياً استقراراً فورياً، فالبادية السورية التي تتمركز فيها قاعدة التنف العسكرية والتي كانت تضم مايقارب 1200 جندي أميركي، تعكس جغرافيا مفتوحة ولطالما شكّلت بيئة مثالية لنشاط الخلايا المتحركة، ومع انتقال المسؤولية الأمنية إلى دمشق، يصبح التحدي في ملء الفراغ بسرعة قبل أن تستثمره أطراف أخرى، سواء كانت شبكات تهريب أو خلايا إرهابية.
عند مثلث الحدود السورية–العراقية–الأردنية شكّلت قاعدة التنف أكثر من نقطة عسكرية، إذ كانت أشبه بنقطة ارتكاز جغرافي تثبّت معادلة توازن في منطقة مفتوحة على احتمالات متعددة إذ أن وجودها كان يحدّ من حرية الحركة في البادية السورية للعناصر الإرهابية، ويراقب طرق الإمداد العابرة للحدود، ويرسم خطاً غير معلن يفصل بين مناطق النفوذ.
في الشمال الشرقي، حيث تداخلت خطوط السيطرة لسنوات بين قوات سوريا الديمقرطية "قسد" المدعومة أمريكياً والدولة السورية، شكّل وجود واشنطن دعامة أساسية لعمل قوات "قسد" ضمن إطار التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، إلاّ أن الإعلان عن بدء مسار عملية اندماج "قسد" في هياكل الحكومة السورية العسكرية والأمنية أعاد ترتيب الواقع، ضمن ضوابط جديدة من قبل واشنطن تقوم على مبدأ تكريس السيطرة الأمنية والعسكرية المباشرة لدمشق بعد انتفاء الحاجة الاستراتيجية لوجود القواعد وتقليل التكلفة والانخراط المباشر للقوات الأمريكية.
من الردع الخارجي إلى عبء الأمن الذاتي
تبرز تأثيرات الانسحاب على المؤسسة الأمنية والعسكرية السورية بتصاعد حجم التحديات من خلال اختبار القدرة على ضبط مساحات الفراغ، ترتيب السيطرة الأمنية، وتحجيم مساحات العمل التي يتخذ منها تنظيم "داعش" بشكل خاص بيئة يتم استغلالها للتحرك والذي بات يمتلك قدرات جديدة على التكيّف، إذ تحوّل إلى مبدأ الخلايا الصغيرة وهذا ماتجسّد من خلال تكثيف هجماته في مناطق متفرقة في أرياف دير الزور والرقة والتي استهدف خلالها نقاط متعددة لقوات الامن الداخلي و وزارة الدفاع خلال أيام قليلة.
هذا يعكس قدرة التنظيم على التكيف دون أن يكون مؤشراً لاستعادة قدراته العسكرية الكلية والبقاء ضمن إطار الهجمات الأمنية واستهداف البيئات الهشة، التحدي هنا ليس في خوض معارك مفتوحة، بل في منع عودة "الحرب الرمادية" تلك التي تُدار عبر كمائن متفرقة، واغتيالات، وضربات محدودة، بدورها وزارة الداخلية تدخل مرحلة اختبار حقيقي، فالمناطق التي باتت تخضع لسيطرة الحكومة السورية تحتاج إلى ضبط مدني–أمني متوازن من خلال احتواء التوترات العشائرية، مكافحة الجريمة المنظمة، منع تسلل السلاح، وإعادة بناء الثقة مع مجتمعات عاشت سنوات في ظل ترتيبات أمنية مختلفة، وبشكل أساسي تحجيم تنظيم "داعش" من القيام بهجماته.
غير أن التأثيرات الأمنية للانسحاب لا تتوقف عند حدود الانتشار الجغرافي، بل تمتد إلى طبيعة العقيدة القتالية ذاتها، فالوجود الأمريكي كان يشكّل عنصر ردع غير مباشر، ليس فقط عبر القوة النارية، بل عبر شبكة الاستطلاع الجوي والمراقبة التقنية وقدرات الاستجابة السريعة، مع تراجع هذا الغطاء، يصبح الإنذار المبكر مسؤولية محلية كاملة، هذا التحول يفرض انتقالًا من نموذج "الاعتماد على الشريك الدولي" إلى نموذج "الاستقلال العملياتي"، وهو انتقال يتطلب إعادة توزيع للموارد، وتكثيف العمل الاستخباري البشري، وتعزيز القدرة على التحرك السريع في مساحات مفتوحة.
أما على مستوى القيادة والسيطرة، فإن تسلّم قواعد كانت تعمل ضمن منظومة عملياتية أمريكية يعني وراثة بنية لوجستية تحتاج إلى تكييف سريع، القواعد ليست مباني فحسب، بل عقد اتصال، ومستودعات، وخطوط إمداد تمتد عشرات الكيلومترات، تشغيلها بكفاءة يتطلب حماية محيطها، وتأمين الطرق المؤدية إليها، ومنع تحوّلها إلى أهداف رمزية، كما أن أي اختلال أمني في الشرق السوري قد ينعكس مباشرة على الحدود مع العراق، حيث ما تزال بقايا تنظيم داعش تتحرك ضمن نمط عابر للحدود.
من زاوية أخرى، قد تدفع إعادة التموضع الأمريكي بعض الفاعلين الإقليميين إلى اختبار حدود النفوذ الجديدة. تركيا قد تراقب بدقة أي فراغ في الشمال الشرقي، فيما ستسعى روسيا إلى تثبيت نفسها كمرجعية ضامنة لإدارة التوازنات.
مستقبل معلّق على إدارة الفراغ
تشير هذه المعطيات إلى جملة من السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة، يتمثل أبرزها في إمكانية تحقيق استقرار تدريجي منضبط، تُسدّ فيه الفراغات الأمنية بوتيرة سريعة، ويُحصر النشاط المسلح ضمن نطاقات ضيقة وخاضعة للرقابة، بالتوازي مع استمرار قنوات التنسيق المباشر مع الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي، بما يضمن إدارة المخاطر ومنع عودة بؤر التهديد.
أما المشهد الثاني، فيمكن أن يتجلى بفوضى منخفضة الشدة تستنزف الموارد دون أن تنفجر إلى مواجهة واسعة، من خلال تصاعد حدة الهجمات لا سيما من قبل تنظيم "داعش" في استمرار عملياته واستهدافه للبنى الأمنية والعسكرية والتركيز أيضاً على البيئات المحلية والمدنية.
بالنسبة للمشهد الثالث يكمن بإعادة إنتاج الصراع بصيغة مختلفة من خلال تداخل بين عناصر تتبع لتنظيمات متعددة تحاول استغلال الفوضى واستثمارها واستقطاب عناصر ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية قد تنتهج إيديولوجية متطرفة، وبالتالي الذهاب نحو انفجار أمني متعدد ينعكس في مختلف المناطق.
في هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الانسحاب باعتباره نهاية تأثير، بل تحولاً في آلياته، فالتأثير الأمريكي قد يتراجع ميدانياً، لكنه لا يغيب استخبارياً أو ردعياً، في المقابل تواجه الدولة السورية اختباراً مركزياً يتمثل في قدرتها على تحويل السيطرة الجغرافية إلى استقرار أمني مستدام، ومنع عودة أنماط من التحديات الأمنية التي تؤدي إلى تداعيات خطيرة في المرحلة الانتقالية.

