Menu

التحرر الوطني والديمقراطي والاجتماعي.. في متن المشروع الفلسطيني..

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

من نتائج اتفاقية أوسلو عام 1993 ومشتقاتها، هزال الجسم الفلسطيني ووصول ضعف حقله السياسي لمستويات خطيرة ساعدت المستعمر الصهيوني للانقضاض والسيطرة عليه، من هنا تأتي ضرورة إعادة تجديد وبناء المشروع الوطني عبر خطوات ملموسة وعينية تمكن الشعب الفلسطيني من المضي قدماً بمقاومة الاحتلال وانتزاع الحرية وحق العودة وتقرير المصير فوق ترابه الوطني.. هذا ليس ترفاً زائداً، بل خطوة استباقية وجوهرية من أجل إعادة بناء مواطن القوة الفلسطينية والتصدي لتغوّل اليمين القومي الديني الصهيوني .

لا يمكن فصل قرار حكومة الاحتلال الأخير بفرض "السيادة الإسرائيلية على كامل أراضي الضفة الغربية" عن الممارسات العنصرية والاستيطانية تمهيداً لضمّها رسمياً.. حيث لا يكاد يمر موسم زراعي إلا ويستيقظ المزارعون على كروم محروقة، أو آبار مسمومة، أو آلاف أشجار الزيتون – بعضها عمره مئات السنين – مقطّعة أو محروقة.. ورغم توثيق وتصوير هذه الاعتداءات التي يرتكبها مستوطنون متطرفون، فهي تحدث وتُمارَس بحماية حكومة نتنياهو وأجهزتها.. ليس إحراق كرم زيتون أو هدم منزل فعلاً عشوائياً، بل هو تدمير لمصدر الرزق وذاكرة المكان، وهو رسالة واضحة: "يهودا والسامرة أرض إسرائيل فارحلوا أيها الفلسطينيون "!..

حين يصل الفلسطيني إلى حافة طاقته- بسبب البطالة أو الجوع أو الخوف اليومي- تصبح الهجرة هي المخرج، فيسارع المحتل لتقديم المسوّغ بالقول: "هجرة طوعية" هذا ما رأيناه في حالة " 150 " مواطن فلسطيني ممن وصلوا إلى جنوب أفريقيا من دون وثائق، فجرى تأطير القصة كما لو أنها "بحث عن فرصة أفضل" بينما الحقيقة أن القهر سبق الرحلة !..

هكذا يعمل نظام الإبادة والتهجير الصهيوني الممنهج من خلال آليتين: تصنيع الظروف اللامعيشية القاهرة من جهة، وإعادة توصيف المخرج الذي ينتجه هذا القهر بوصفه خياراً شخصياً من جهة أخرى.. هذا التضليل والتلاعب الإعلامي يعفي "إسرائيل" من المسؤولية.. ويسهّل على حلفائها تبني رواية مخففة لما يحدث.. فعندما يصبح الفلسطيني "مهاجراً" وليس "لاجئاً" تختفي البنية المتغوّلة التي دفعت به إلى الهجرة !..

• هندسة الاقتلاع والتهجير :

في فلسطين، لا تعدّ الأرض مجرد مكان وذاكرة متوارثة عبر قرون، بل هي وعاءً للهوية والانتماء المحمّل بمعرفة الأسلاف وتمسّكهم بها.. وعندما تستهدفها قوات الاحتلال الصهيوني فهي لا تصادر ملكية فحسب، بل تفكك البنية التي ينسج الفلسطينيون من خلالها حضارتهم وسبل عيشهم واقتصادهم واستقلاليتهم.. وهذا ينسجم مع ما وصفه الباحث باتريك وولف بـ "نهج الاقتلاع والتهجير" الذي يوجّه كل مشروع استيطاني يسعى إلى جعل وجود السكان الأصليين أمراً غير قابل للاستمرار !..

الاقتلاع والتهجير الذي يواجهه الشعب الفلسطيني اليوم لا يقتصر على الطرد المباشر– رغم حضوره الدائم– بل يتجسد أيضاً في تفكيك مختلف أشكال "رأس المال المعيشي": الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي والبيئي.. فعندما تدنّس المقدسات وتقتحم المنازل وتهدم على رؤوس ساكنيها، وتُحرق أشجار الزيتون على يد المستوطنين، وتُصادر المراعي وتُجفف الآبار والينابيع، يصبح المكان أقل قابلية للحياة.. وتتآكل القدرة على البقاء، بينما يعاد تأطير أي مغادرة لاحقة بوصفها "قراراً فردياً" وليست نتيجة قسر ممنهج.. لم يكن استهداف الحقول والبساتين والأشجار والبيوت والمراعي عرضياً، فالقطاع الزراعي من ركائز الصمود الفلسطيني، وهو ما يشد المواطنين إلى أرضهم عبر اقتصاد قائم على التوارث والمعرفة القومية والوطنية، كما أنه قطاع لم يتمكن الاحتلال الصهيوني من السيطرة عليه، لذلك بقي مساحة تتقاطع فيها السيادة والكرامة والمقاومة.. من هنا تصيب سرقة الأرض ومصادرتها هدفاً بغاية الحساسية يجمع بين الاستدامة الاقتصادية والامتداد التاريخي والثقافي، وهي ليست ضربة لمؤسسة فحسب، بل قطيعة مع تاريخ طويل من العلاقة العضوية بين الشعب والأرض !..

ليست هذه الممارسات العنصرية والكولونيالية معزولة فهي جزء من "اقتصاد سياسي" للاقتلاع والتهجير يمتد من غزة إلى الضفة الغربية.. ففي غزة أصبحت المجاعة وسيلة للهيمنة والسيطرة، إذ تحول التشبّث بالأرض إلى صراع يومي وسط حصار يمنع الغذاء والماء والدواء ومواد البناء.. وفي الضفة الغربية، تشمل مصادرة الأراضي وسياسات الإغلاق، وإرهاب المستوطنين، وتقطيع أوصال الجغرافيا، أي إمكانية لبناء حياة مستقرة، وفي الحالتين يصبح قرار البقاء أقل تكلفة لمن يملكون خيار الصمود والمقاومة !..

• مجلس السلام الترامبي :

تحت غطاء ما يسمى بـ "مجلس السلام" تستمر "إسرائيل" وداعموها بفرض منطق القوة وعدم الاكتراث بكل الأعراف والقوانين بل بالإمعان بمخططاتها الاستعمارية.. والأشد مرارة أن العديد من الفاعلين الدوليين والإقليميين يتعاملون معها "شريكاً مسيطراً وضابطاً لعملية إعادة الإعمار" في غزة بدلاً من معاقبة ذلك المجرم على ما اقترفه خلال العامين ويزيد.. بل منذ نشأته عام 1948، وبذلك لن يجلب "تطبيع" الجريمة والإبادة والدمار تحت غطاء "مجلس السلام" السلام أو العدالة لأحد، بل سيوفر المسوّغ لـ "إسرائيل" وكأنها "دولة طبيعية" وهذا لن يأتي بتداعياته على الشعب الفلسطيني فحسب، بل سيمتد لما هو أبعد من ذلك، كما شهدنا مراراً وتكراراً خلال الأعوام والعقود الماضية !..

في هذا السياق تأتي مركزية الإنسان والسياسة التي توائم بين الحاجة السياسية والحاجة الإنسانية، بوصفها قضية جوهرية، إذ تسعى "خطة ترامب" إلى طمسها وإنكارها.. فمركزية هذه الثنائية، أي الإنسان والسياسة، تمثل مفصلاً مغايراً لما هو مفروض على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة.. وتبني مقاربة كهذه تمزج بين الحاجة الإنسانية والحاجة السياسية، وبالتالي تخرج الشعب من المربعات والأطر المفروضة عليه، نحو مواطن القوة وإعادة بنائها بوصفها أحد متطلبات إعادة الإعمار والبناء الأشمل لرفع درجة الندّية السياسية، مع إدراك درجة الحاجة الإنسانية، غير أن التركيز الحصري على الحاجة الإنسانية، سيحرم الشعب الفلسطيني من فعاليته السياسية، ويخضعه للمحتل بوصفه متلقيا ثانوياً في عملية يتوجب عليه الامتثال لها.. لا يقتصر هذا على الضفة وغزة فحسب، بل يستهدف الكل الفلسطيني وفي مختلف أماكن تواجده.. إذ إن جلّ "الخطة الترامبية" تسعى إلى محاصرة الفعل الفلسطيني الأوسع وشرذمة الهوية والانتماء الأشمل، وهو ما ينبغي صدّه وإحباطه عبر كل أشكال المقاومة !..

وعليه.. يتوجب على الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وانتماءاته وتياراته وقواه الانخراط بعملية مضادة لما يفرض عليه، وعدم التساوق والانصياع لشروط استعمار كولونيالي جديد !..

وفيما يلي بعض الاقتراحات المطروحة للحوار والتوافق على الحد الأدنى لما هو مشترك :

• أولاً: لم يعد مقبولاً أن يقتصر الحوار الفلسطيني الداخلي على أطراف لا تتمتع بالشرعية أو التمثيل، أو على فصائل استمرأت إدامة الانقسام. فالحوار الوطني الفلسطيني الشامل والجاد لم يعد اختيارياً، وإنما هو واجب إجباري من أجل صياغة مستقبل مغاير ويقتضي هذا تغيير أدوات وأطر وقنوات وأهداف الحوار، فالفشل المصاحب لهذه الحوارات على مدار العقدين الماضيين ما هو إلا مؤشر على أن النموذج السائد لهذه الحوارات لايزال بعيداً عن توحيد الفلسطينيين ولم شمل رؤيتهم وتنسيق فعلهم ومقاوماتهم !..

• ثانياً: تشكّل عملية إعادة إعمار غزة قضية مفصلية في عملية ترميم بنية القيادات السياسية والنضالية والتشريعية والتنفيذية.. إن لم يكن ذلك الآن.. فمتى؟!

• ثالثاً: إعادة إعمار غزة واستشراف مستقبلها، يمثلان "فرصة" مناسبة لإعادة بناء السياسة والحوكمة الفلسطينية، وهذا لا يشمل قطاع غزة فحسب، وإنما يمتد إلى الجغرافيا الفلسطينية "غزة والضفة، وأراضي عام 48، و مخيمات اللجوء والشتات"، ويستدعي بلْورة "خريطة طريق" جمعية لطبيعة النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته التمثيلية وبرنامجه ومشروعه، فإعادة البناء السياسي تشكّل المقدمة الأولى لإنقاذ المشروع الوطني التحرري الديمقراطي والاجتماعي !..

• رابعاً: القرار والمشروع الوطني المستقل، غير خاضع لرؤية ومصالح بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين وهو مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى فالمنطقة بأسرها تتغير وتتحول باضطراد، والحسابات الإقليمية تتباين، والمعطيات تتفاوت والنتائج تتبدل، لذلك يتوجب على الشعب الفلسطيني وقواه الحية قراءة متفحصة ومتأنية للتطورات في المنطقة والإقليم، بالرغم من أن الوزن الاستراتيجي لهذه المساهمة محدود نسبياً ضمن المعادلة الأكبر، غير أنه يعكس إرادة سياسية صلبة لرسم المستقبل بدل العيش ضمن هامشه الذي يرسمه آخرون، بما في ذلك القوة الاستعمارية المسيطرة عليهم..

• خامساً: إن أي تهميش لدور مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات الشعبية والبلديات في رسم المستقبل الفلسطيني، لن يجلب إلا المزيد من الضعف والتشظي والتشرذم.. ليس على الصعيد المجتمعي فحسب، وإنما على الصعيد السياسي والكفاحي أيضاً.. ويجدر التذكير في هذا السياق بدعوة منظمات المجتمع المدني الفلسطيني في آذار 2025، بما يخص خطط إعمار غزة ورسم مستقبلها، والتي دعت– من جملة ما دعت– إلى ضرورة دعم الصمود الفلسطيني بوصفه أولوية و آلية قوية لمقاومة وإحباط التهجير سواء القسري أم الطوعي، وإلى تشكيل جبهة فلسطينية موحدة من أجل إنهاء الانقسام وإعادة بناء مؤسسات "م. ت. ف" وفق قانون انتخاب عصري يعتمد مبدأ التمثيل النسبي، وتشكيل آلية وطنية لإدارة عمليات التعافي والإغاثة العاجلة في غزة والضفة، وفتح الآفاق أمام قيادة فلسطينية منتخبة من الشعب في مختلف أماكن تواجده، وحيث كان ذلك متاحاً.. وبلورة آلية دولية بالتنسيق مع حركة التضامن الأممية.. والضغط باتجاه الانسحاب الإسرائيلي الشامل من قطاع غزة والضفة الغربية، وفرض العقوبات والعزلة على الكيان الصهيوني الاستيطاني، ومحاسبة مجرمي الحرب وضمان حق تقرير المصير والعودة والاستقلال الناجز للشعب الفلسطيني فوق ترابه الوطني !..