منذ أن اندلعت الحرب وبدأ العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، كان واضحًا أن صانع القرار في أروقة البيت الأبيض لم يدخل هذه المواجهة باعتبارها مجرد جولة عسكرية محدودة، بل بوصفها محطة مفصلية في مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط. ففي غرف القرار الأمريكية، لم تُترك الحرب للصدفة، بل جرى رسم سيناريوهات متعددة لنتائجها المتوقعة اعتمادًا على قراءة معمقة لأهداف الحرب، وكذلك لتقدير قدرة الخصم على المواجهة والصمود.
لقد استندت تلك القراءة إلى مجموعة من الفرضيات التي بدت في نظر صانعي القرار في واشنطن أقرب إلى المسلمات. فمن جهة، جرى التعويل على حالة الحصار الاقتصادي الخانق المفروض على إيران منذ عقود، بوصفه عاملًا كفيلًا بإضعاف بنية الدولة الإيرانية واستنزاف قدرتها على الصمود في مواجهة حرب طويلة. ومن جهة أخرى، كان هناك تصور شبه يقيني بأن قطاعات واسعة من الشعب الإيراني تقف على أهبة الاستعداد للانقضاض على مؤسسات النظام في لحظة المواجهة، وأن الضربة العسكرية الكبرى قد تشكل الشرارة التي تفتح الباب أمام انفجار داخلي يقود إلى قلب نظام الحكم من الداخل.
وإلى جانب هذين العاملين، كان هناك التصور المخادع للقوة العسكرية الأمريكية، التي رُوّج لها طويلاً باعتبارها قادرة على سحق أي خصم وإجباره على الاستسلام في وقت قياسي. فالتفوق التكنولوجي الهائل، والانتشار العسكري الواسع، وحضور الأساطيل في البحار والمحيطات، كلها عناصر غذّت الاعتقاد بأن أي مواجهة مع دولة بحجم إيران يمكن أن تُحسم بسرعة، وأن نتائجها ستكون محسومة سلفًا.
غير أن مرور أسبوعين على المعركة كان كافيًا لإعادة رسم صورة المشهد بصورة مختلفة تمامًا. فالمعركة ما تزال مستمرة ومفتوحة على احتمالات متعددة، كثير منها يخرج عن توقعات السيد الأمريكي المتغطرس الذي اعتقد أن الحرب ستكون مجرد استعراض للقوة. بل إن ما جرى حتى الآن كشف عن تعقيد أكبر بكثير مما تصورته مراكز القرار في واشنطن.
ولهذا السبب بدأنا نسمع تناقضات متزايدة في الخطاب السياسي الأمريكي في قراءته لمجريات الحرب المتصاعدة. وعلى لسان كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، بدأت تتكشف خطوط التناقض في هذا الخطاب، سواء لجهة الحديث عن مسار المعركة أو لجهة التراجع التدريجي عن بعض الأهداف التي جرى الإعلان عنها في بداية الحرب. فبين خطاب النصر القريب، وحديث البحث عن مخارج سياسية، تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تعيد حساباتها تحت ضغط الوقائع التي فرضتها الميدان.
ماذا جرى؟
من الواضح أن مجرى الرياح لم يأتِ كما اشتهت حاملات الطائرات الأمريكية. فهذه الحاملات التي كان يُفترض أن تكون رمز الهيمنة العسكرية المطلقة، لم تعد تقف في موقع آمن بعيد عن ساحة الاشتباك، بل أصبحت يومًا بعد يوم أقرب إلى مرمى الاستهداف الإيراني.
وفي المقابل، حدث ما لم يكن في حسابات الكثيرين. فقد تحول اغتيال المرشد علي خامنئي، الذي كان يُعتقد أنه قد يشكل لحظة انهيار داخلي للنظام الإيراني، إلى لحظة لحمة شعبية واسعة جمعت مختلف قوى المجتمع الإيراني، الشعبية والمدنية والعسكرية، حول فكرة الدفاع عن الدولة في مواجهة العدوان الخارجي.
لقد أثبتت التجربة مرة أخرى أن المجتمعات التي تتعرض لتهديد وجودي تميل إلى الالتفاف حول كيانها السياسي، حتى وإن كانت تعيش خلافات داخلية عميقة في الظروف الطبيعية. وهذا ما حدث في إيران، حيث تحولت الحرب إلى عامل تعبئة وطنية بدل أن تكون مدخلًا لانفجار داخلي.
وفي الوقت نفسه، لم تستطع آلاف الغارات الحربية التي نُفذت على الأراضي الإيرانية أن تُخرج الخطاب السياسي الإيراني عن مساره قيد أنملة. فرغم استخدام كل أدوات القوة العسكرية، وصب النار في مختلف الاتجاهات، إضافة إلى حملات الإعلام المعادي والتهديدات اليومية المتصاعدة، بقي الخطاب الإيراني محافظًا على تماسكه، وعلى تمسكه بخيارات المواجهة.
وهكذا تحولت مفردة "الاستسلام"، التي ظل الإعلام الغربي الأمريكي والصهيوني يلوكها منذ بداية الحرب، إلى مفردة صدئة لا تعكس سوى رغبات صيغت في لحظة لم تكن مدروسة بما يكفي. فقد تبين أن الرغبة في تحقيق الاستسلام شيء، والقدرة الفعلية على فرضه شيء آخر تمامًا.
من الاستسلام إلى التفاوض: مسيرة فقدان البوصلة
إن المستمع بإنصات إلى خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن خلفه بنيامين نتنياهو، يلاحظ بوضوح أن هذا الخطاب لا يجد صدى حقيقيًا في الداخل الإيراني. فبدل أن يؤدي الضغط العسكري والنفسي إلى إضعاف الموقف الإيراني، يبدو أن القيادة الإيرانية استطاعت الحفاظ على تماسك خطابها السياسي وعلى قدرتها في إدارة المعركة.
ولهذا تحول الخطاب الأمريكي الصهيوني من نص متماسك في بداية الحرب إلى مقاطع مجزأة لا رابط واضح بينها. فبينما يجري الحديث يوميًا في مطبخ الإدارتين عن حجم الخسائر التي تعرض لها النظام الإيراني، وعن الضربات القاسية التي تلقاها، نجد في الوقت نفسه استمرار الحديث عن ضرورة التفاوض، أو عن احتمالات فتح قنوات سياسية للخروج من الأزمة.
وإذا أخذنا النسب التي يقدمها المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون بشأن الخسائر الإيرانية على محمل الجد، فإن المنطق يدفعنا إلى القول إن نداء الاستغاثة الإيراني الداعي إلى الاستسلام يجب أن يكون قد وصل بالفعل إلى طاولة ترامب ونتنياهو للدراسة واتخاذ القرار. غير أن هذا الأمر لم يحدث حتى الآن، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول مصداقية الرواية التي يجري تسويقها في الإعلام الغربي.
ومع ذلك، يصر الخطاب السياسي والإعلامي لدى الطرفين المعتدين على التأكيد أن الانتصار أصبح في متناول اليد. بل إن بعض التصريحات تذهب إلى القول إن النتائج الميدانية فاقت كل التوقعات، وإن ما تحقق حتى الآن يتجاوز السيناريوهات التي جرى رسمها في بداية الحرب.
غير أن انزياح اللغة السياسية بهذا الشكل يدفع إلى رسم تصور مختلف لما يجري في أروقة القرار في واشنطن وتل أبيب. فالواضح أن هناك فشلًا ثلاثيًا بات حاضرًا في حسابات هذه الإدارات.
الفشل الأول تمثل في عدم القدرة على جر دول الجوار إلى الانخراط في الحرب. أما الفشل الثاني فتمثل في عدم نجاح محاولات دفع الدول الأوروبية الكبرى إلى المشاركة الفعلية في المواجهة. بينما تمثل الفشل الثالث في عدم تحقق الرهان على اندلاع تمرد مسلح داخل إيران ضد النظام.
وأمام هذا الثالوث من الإخفاقات، بدأت الكلفة السياسية للحرب ترتفع، وبدأت الشرعية الدولية التي جرى شراؤها لهذه الحرب تتآكل تدريجيًا. كما أصبح الحديث عن صناعة النصر المزعوم محاطًا بقدر كبير من الغموض.
كيف حولت إيران الحرب؟
منذ اللحظة الأولى للعدوان، كان واضحًا أن صانع القرار في إيران يدرك طبيعة مسرح المعركة على مختلف المستويات. فهو يدرك حدود القوة التي يمتلكها الخصم، كما يدرك في الوقت نفسه نقاط الضعف الكامنة في جسد هذا الخصم.
ولهذا السبب، اتجهت الاستراتيجية الإيرانية إلى ضرب الخاصرة الرخوة في بنية الطرف المعتدي. فبدل الاكتفاء بالدفاع، سعت إيران إلى توسيع ساحة المواجهة عبر استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المحيطة بها في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، جرى تحويل جغرافيا الكيان الإسرائيلي إلى ساحة مواجهة مفتوحة عبر الموجات الصاروخية المتلاحقة التي استهدفت عمقه. وقد أدى ذلك إلى تعطيل دورة الحياة اليومية داخل الكيان على مختلف المستويات، وإلى إدخال المجتمع الإسرائيلي في حالة من التوتر الدائم لم يعشها من قبل بهذا الشكل.
لقد وجد الخطاب الأمريكي والصهيوني نفسه فجأة أمام مختبر واقعي يراقبه جمهوره الداخلي، الذي بدأ يعاين بنفسه الخسائر اليومية المترتبة على هذه المعركة. فالأمريكي الذي يقيس النصر بسعر غالون البنزين وجد هذا السعر يرتفع يومًا بعد يوم. أما ساكن الكيان الذي وُعد بالعودة السريعة إلى الحياة الطبيعية، فقد وجد نفسه يعيش واقعًا مختلفًا تمامًا.
وهكذا أصبح الخطاب المنتشي بالنصر بحاجة إلى ما يشبه المعجزة للخروج من المأزق الذي فرضته الوقائع التي صنعها صانع القرار في طهران.
إلى أين تتجه الحرب؟
صحيح أن إيران تلقت ضربات ليست باليسيرة في مختلف مفاصلها، غير أنها كانت قد أعدت منذ وقت طويل استراتيجية تقوم على مبدأ "تدفيع الثمن" للطرف المعتدي. فالحرب، في نظر طهران، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل معادلة ردع تقوم على جعل كلفة العدوان أكبر بكثير من مكاسبه.
أما الطرف الذي بدأ الحرب، فقد دخلها وهو يعتقد أنها ستكون حربًا نظيفة لا يسفك فيها دمه، ولا يدفع من اقتصاده المأزوم أصلًا ثمنًا كبيرًا. غير أن الواقع بدأ يكشف أن الحروب الكبرى لا تسير وفق رغبات من يشعلونها.
لقد اعتقد صانع القرار الأمريكي أن بإمكانه استخدام الحرب أداة لإعادة ترتيب أسواق الطاقة والسيطرة على موارد النفط والغاز، وتحويلها إلى وسيلة ابتزاز لبقية دول العالم. غير أن ما جرى حتى الآن يشير إلى أن الحسابات التي بُنيت عليها هذه الحرب لم تكن دقيقة كما كان يُعتقد.
ولهذا تبقى الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة، في منطقة اعتادت أن تتحول صراعاتها بسرعة إلى أزمات دولية أوسع. وفي هذا السياق، لن يكون السؤال الحقيقي من انتصر في جولة عسكرية هنا أو هناك، بل أي نظام إقليمي جديد قد يولد من رحم هذه المواجهة، وأي توازنات دولية قد يعاد رسمها على ضوء نتائجها.

