تحييي جماهير الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم يوم القدس العالمي بطريقة مختلفة عن المناسبات السابقة ، بعد الإنجازات الاستراتيجية الهائلة لطوفان الأقصى ولمحور المقاومة وبعد أن تصدت جمهورية إيران الإسلامية باقتدار ، لأبشع عدوان إمبريالي أمريكي صهيوني حشدت له الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني كافة ترساناتهما العسكرية من حاملات طائرات وبوارج حربية ومئات الطائرات المقاتلة والقاذفة.
وكانت النتيجة حتى اللحظة أن ألحق الشعب الإيراني والجيش والحرس الثوري هزائم نكراء بالولايات المتحدة وبالكيان الصهيوني ،عبر دك كافة قواعد الولايات المتحدة ومنشآتها بمئات الصواريخ والمسيرات، وعبر ضرب وتدمير معظم قواعد العدو الصهيوني ومنشآته الاقتصادية بمشاركة فاعلة من حزب الله العظيم ، وباتت المنطقة على موعد مع رحيل القواعد الأمريكية من عموم غرب آسيا ، تنفيذاً لوعد وتهديد مرشد الثورة آية الله علي خامنئ منذ اليوم الأول لمعركة طوفان الأقصى.
في هذا اليوم هرعت عشرات الملايين في طهران وسائر المدن الإيرانية بقيادة علي لاريجاني – رئيس جهاز الأمن القومي - لإحياء يوم القدس العالمي رغم القصف الصهيوأمريكي للعاصمة الأمر الذي لفت انتباه العالم أجمع لا سيما أن العدو يقصف والجماهير تهتف ( الموت لأمريكا ... الموت لإسرائيل) وهذا الحشد الهائل للجماهير الإيرانية رسالة واضحة ممهورة بالتضحيات موجهة لمجرمي الحرب ترامب ونتنياهو ، بأن الشعب الإيراني شعب شجاع ومقاتل وغير قابل للهزيمة والانكسار.
الخلفية التاريخية ليوم القدس
غداة انتصار الثورة الإيرانية، أقدم قائدها آية الله الخميني على خطوتين رئيسيتين هما تحويل السفارة الإسرائيلية إلى مقر للسفارة الفلسطينية بعد طرد السفير الإسرائيلي، والإعلان عن يوم القدس العالمي، إذ أعلن في آب (أغسطس) 1978 بأن تكون الجمعة الأخيرة من رمضان يوماً للتضامن العالمي مع القدس، وتضمن الإعلان ما يلي:
1- دعوة المسلمين في جميع أنحاء العالم، لتكريس يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان ليكون يوماً عالمياً للقدس، للتضامن الدولي مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
2- أن يكون هذا اليوم حافزاً لتعبئة الإمكانات لتحرير القدس وعموم فلسطين للتخلص من الغدة السرطانية التي زرعها الاستعمار في المنطقة.
ومنذ ذلك التاريخ وفي الجمعة الأخيرة من رمضان بتنا نشهد تضامناً أممياً مع الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل دحر الاحتلال وإفشال سياسة تهويد القدس.
قيمة يوم القدس في السياق المبدئي والاستراتيجي
وتتمثل أهمية إحياء يوم القدس في السياقين المبدئي والاستراتيجي بما يلي:
1- أنه لا يتعامل مع قضية القدس الشرقية، بل يتعامل مع القدس ككل بجزئيها الشرقي والغربي كمدينة عربية إسلامية واحدة، عاصمة لدولة فلسطين التاريخية الممتدة من النهر إلى البحر ومن رأس الناقورة وحتى رفح.
2- التأكيد على أن فلسطين والقدس درتها هي القضية المركزية للأمتين العربية والإسلامية بما يرتب عليهما المشاركة بكل الوسائل لدعم الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني.
3- أنه رد من قبل أكثر من مليار عربي ومسلم على ما جاء في صفقة ترامب بأن القدس عاصمة موحدة وأبدية باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، والذي تم تبنيه من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهذا الرد يقول: إن القدس كانت ولا تزال وستظل ليس عاصمة لفلسطين فحسب، بل عاصمة للأمة بكاملها.
4- أن هذا اليوم مناسبة للتعبئة القومية والأممية والإسلامية ضد الاحتلال، ومن أجل تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني من دنس الاحتلال الصهيوني.
5- قيمة هذا اليوم لا تكمن في السياق المناسبي، بل أنه حافز لمقارعة الكيان الصهيوني الغاصب للقدس ولعموم فلسطين، ولدعم المقاومة الفلسطينية بوصفها رأس الحربة المتقدم في مواجهة هذا الكيان الغاصب.
6- قيمة هذا اليوم أنه يركز على البعد الاستراتيجي في الصراع مع العدو الصهيوني باعتباره صراع وجود وليس صراع حدود، وأن لا حل للقضية الفلسطينية إلا بزوال هذا الكيان.
7- قيمة هذا اليوم في السياق التاريخي بعد رحيل آية الله الخميني أنه بمنطلقاته وشعاراته؛ يرفض نهج التسوية مع العدو الصهيوني ( كامب ديفيد – اوسلو – وادي عربة ) ويرفض المساومة على أي من الحقوق التاريخية الوطنية للشعب الفلسطيني.
تطورات حاسمة لمصلحة مشروع المقاومة
يمر يوم القدس هذا العام في ظل تطورات غاية في الأهمية، تبشر بعناوين انتصارات جديدة على طريق دحر الاحتلال والحفاظ على عروبة القدس وهويتها، وبهذا الصدد أشير إلى ما يلي:
- أن معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 وفي مواجهة العدوان الصهيو أمريكي والأطلسي ، طرحت سؤال لوجود لأول مرة في الكيان الصهيوني ، وبرهنت أن تحرير فلسطين أمر ممكن ، بعكس ما روج دعاة الاستسلام ، ودمرت السردية الصهيونية في العالم ، وباتت شعوب العالم وخاصة في الدول الغربية ، مؤمنة بالرواية العربية وبضرورة تحرير فلسطين.
- أن الانتكاسة المؤقتة للمقاومة في قطاع غزة ، جراء خذلان بعض الأنظمة للمقاومة وتواطؤ البعض الآخر ، سهلت مهمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في طرح خطته التصفوية للقضية الفلسطينية ، التي تعمل على تمكين العدو الصهيوني من تحقيق الأهداف التي عجز عن تحقيقها بالقوة على مدى عامين.
وهذه الانتكاسة المؤقتة للمقاومة في قطاع غزة، لن تستمر في ضوء متغير هزيمة العدوان الصهيوأمريكي على جمهورية إيران الإسلامية ، وإعادة الاعتبار للدور المركزي الفاعل لمحور المقاومة ،الذي أشار إليه مرشد الثورة مجتبى خامنئي في بيانه الأول بعد انتخابه من قبل مجلس الخبراء.
3- البداية الواعدة لإعادة الاعتبار لمحور المقاومة ، بعد أن فاجأ حزب الله العدو الصهيو أمريكي والعالم أجمع ، بدخوله المعركة إلى جانب إيران بقدراته الصاروخية الهائلة التي طالت كافة مواقع العدو الاستراتيجية ، وبمواجهاته البرية الظافرة مع قوات الاحتلال ، بشكل أذهل الاحتلال ، وكشف عن عجز استخبارات العدو في تقدير إمكانات حزب الله ، وبات مجرم الحرب نتنياهو يتخبط في تصريحاته بعد أن أعلن أن طيرانه الحربي دمر قدرات حزب الله الصاروخية بالكامل .
ولم تقتصر البداية الفاعلة لمحور المقاومة على حزب الله ، بل انضمت فصائل المقاومة العراقية للمعركة، وباشرت قصفها للقواعد الأمريكية والصهيونية في شمال فلسطين وفي أربيل وفي محيط مطار بغداد ، أما يمن العزة والكرامة بقيادة عبد الملك الحوثي، فينتظر منه الكثير الكثير ليقدمه على الصعيد الاستراتيجي ، والمقاومة الفلسطينية وإن كانت في حال كمون مؤقت فإن عودتها للقتال الأسطوري باتت مجرد مسألة وقت .
4- أن معطيات المواجهة المحتدمة بين إيران وأطراف محور المقاومة ، وبين العدو الصهيو أمريكي باتت تميل بقوة لمصلحة إيران ومحور المقاومة ، رغم الخلل في ميزان القوى بفضل جهوزية إيران الكاملة، لمواجهة العدوان ، وقوتها الصاروخية الهائلة ، وقيادتها المتماسكة وعقيدتها الصلبة ، والبعد الوجودي في المواجهة ، وبفضل استثمار إيران لموقعها الجغرافي باقتدار وتوظيفها ورقة مضيق هرمز في السياق الاقتصادي العالمي .
ولا نبالغ إذ نقول بأن أن الكيان الصهيوني يعيش في أصعب الظروف التي يمر بها منذ نكبة 1948،بعد أن بنت إيران في انتصاراتها على مخرجات طوفان الأقصى ، ولا نبالغ إذ نقول بأن هيمنة أمريكا على الشرق الأوسط في طريقها للنهاية ، وأن خروجها من منطقة غرب آسيا باتت مسألة وقت ليس أكثر.
5- أن ميزان القوى العالمي لم يعد لمصلحة إمبريالية الولايات المتحدة وحلفائها وأدواتها الرجعية، وبات من شبه المؤكد أن هزيمة العدوان الصهيوأمريكي في مواجهة إيران وفشل إدارة ترامب وحكومة مجرم الحرب نتنياهو في تحقيق أهدافها ، يفتح الباب أمام انهاء الهيمنة الأمريكية على العالم ، ويضع حداً لأحادية القطب الأمريكي التي برزت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
مهمات تنتظر قوى المقاومة
أمام التطورات سالفة الذكر، يترتب على قوى المقاومة العربية أن تنجز مهاماً محددة في مناخ يوم القدس على نحو:
- إنجاز تكامل ميداني وسياسي بين قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن في إطار غرفة عمليات مشتركة.
2- تحقيق نقلة نوعية في التحالف الاستراتيجي مع إيران.
3- رفع وتيرة الدعم للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
4- مواجهة إجراءات الضم والتهويد للضفة بانتفاضة جماهيرية تفشل هذه الإجراءات، وتضع حداً لتغول السلطة على أبناء الشعب الفلسطيني ،وللتنسيق الأمني ، ولاتفاقيات أوسلو المذلة التي أخذ العدو ما يريده منها وتركها ، ولا تزال السلطة متمسكة بها .
5- توفير الدعم المادي لصمود أهل القدس في مواجهة سياسة التضييق الاقتصادي والتهجير.
وأخيراً : لا بد من اشتقاق أساليب جديدة في مواجهة أنظمة التطبيع، التي دخلت المعركة إلى جانب أمريكا وإلى جانب الاحتلال لفرض الوقائع التهويدية والاستيطانية في القدس وعموم الأراضي المحتلة.

