Menu

إعادة التفكير في أعظم تهديد يواجه أمريكا: إيران أم ارتهان القرار الأمريكي لأجندة “إسرائيل أولاً”؟

جمال كنج

بوابة الهدف

ملأتُ خزان سيارتي بالوقود هذا الأسبوع، فدفعتُ ما يزيد بنسبة 40% عمّا كنت أدفعه قبل شهر واحد فقط. لم يكن ذلك مجرد ارتفاع عابر في التكلفة، بل ضريبة غير مباشرة تفرضها حروب الكيان الصهيوني على المستهلك الأمريكي. وفي المقابل، يقضي دونالد ترامب عطلة نهاية أسبوع جديدة في منتجع مار-أ-لاغو، في رحلة ممولة من أموال دافعي الضرائب أنفسهم، الذين يُجبرون على الاختيار بين إطعام أسرهم أو تعبئة سياراتهم بالوقود.

 

لامس خطاب ترامب الانتخابي الرافض للحروب الخارجية تطلعات الناخب الأمريكي، الذي أراد أن تُعطي حكومته الأولوية للاقتصاد الداخلي بدلاً من المغامرات العسكرية. وقد بنى شعبيته على انتقاد الإدارات السابقة—جمهورية وديمقراطية—بسبب إهدار الدم والمال الأمريكي في الخارج. ومع ذلك، ها نحن نعود إلى الدائرة ذاتها: أسعار وقود قياسية في الداخل، وجنود أمريكيون على بُعد آلاف الأميال يُزجّ بهم مجدداً في أتون حرب صيغت لخدمة دولة الكيان.

 

احفروا، يا أعزائي، احفروا”—هكذا وعد ترامب بخفض أسعار الطاقة. لكن الواقع يكشف عكس ذلك تماماً. فالولايات المتحدة تنتج من النفط أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك يدفع المواطن الأمريكي أعلى الأسعار. لماذا؟ لأن هذا الشعار لم يكن يوماً لخفض الأسعار على المستهلكين، بل لتعظيم أرباح شركات النفط.

 

في أزمة النفط عام 1973، ألقت وسائل الإعلام الأمريكية، المدارة من اللوبي الصهيوني، اللوم على “جشع” العرب، مستخدمة خطاباً عنصرياً ومهيناً. أما اليوم، فرغم أن الإنتاج المحلي يغطي الاستهلاك—بل يتجاوزه—تُبقي شركات النفط، المدعومة بشكل غير مباشر من أموال الضرائب، الأسعار عند مستويات قياسية. و فجأة لم يعد الأمر “جشعاً”، بل أصبح ببساطة “سعر السوق”، ورغم ذلك يواصل ترامب الادعاء بأن الولايات المتحدة غير متأثرة بالنفط المار عبر مضيق هرمز.

 

ما الذي يرفع الأسعار إذا؟ إن لم تكن كلفة الإنتاج ولا اختلال العرض والطلب في السوق الأمريكي، فما السبب؟ إنه استغلال الأزمات الدولية، حتى تلك التي تبعد آلاف الأميال، لجني المزيد من الأرباح. ما جدوى التفاخر بـ“الاستقلال النفطي” إذا كان المواطن الأمريكي يدفع أسعار الأزمات العالمية مقابل نفط يُستخرج من أرضه؟ إنها مفارقة قاسية: يدعم المواطن الإنتاج من خلال ضرائبه، ثم يدفع فوق ذلك “علاوة حرب اسرائيليه" تحت مسمى “سعر السوق”.

 

هذا الواقع ليس مفاجئاً، بل هو نتيجة طبيعية للانجرار إلى حرب خُطط لها في تل أبيب، وروّج لها أنصار “إسرائيل أولاً” في واشنطن، بمعزل تام عن المصلحة الوطنية الأمريكية. إنها معادلة مختلة: طرف أجنبي يضع الاستراتيجية، والمواطن الأمريكي يدفع الثمن.

 

في واشنطن، لا يُقاس النفوذ بالتمثيل الشعبي، بل بحجم التمويل. سياسات “إسرائيل أولاً” لا تُناقش في قاعات الانتخابات، بل تُصاغ خلف الأبواب المغلقة وداخل دوائر المال والنفوذ. والمثال الأبرز هو شيلدون أديلسون، الذي موّل سياسات مفصلية لترامب، من نقل السفارة إلى القدس المحتلة إلى الاعتراف بضم الجولان السوري. واليوم، تواصل أرملته مريام أديلسون، التي تعلن علناً تفضيلها لدولة الكيان على أمريكا، الدفع نحو مزيد من الحروب من أجل دولة الكيان.

 

وعد ترامب بـ“أمريكا أولاً”، لكن الواقع هو أجندة ممولي “إسرائيل أولاً”: مليارديرات مثل لاري إليسون، بيل أكمان، أليكس كارب، مريام أديلسون، حاييم سابان، ومايكل ديل وغيرهم. أولوياتهم في خدمة دولة الكيان تتقدم على أي اعتبار وطني أمريكي.

 

ويبلغ التناقض ذروته عند مقارنة الأقوال بالأفعال. كمرشح، هاجم ترامب جو بايدن بسبب تمويل الحرب في أوكرانيا، أما اليوم فيطلب من الكونغرس إضافة 200 مليار دولار، مع الزج بالقوات الأمريكية في لحرب فصلت لخدمة الكيان الصهيونى. ولتمويل ذلك، يُطرح تقليص الإنفاق على الرعاية الصحية للمواطن الأمريكي.

 

ولا يقتصر الأمر على التناقض، بل يتعداه إلى العبث وعدم المسؤولية. إذ يطالب الجمهوريون فجأة بـ“الانضباط المالي” عندما يتعلق الأمر بحرمان مواطنيهم من الخدمات الصحية، بينما يتجاهلون إمكانية تقليص المساعدات الضخمة للدولة الصهيونية ومجمع الصناعات العسكرية.

 

لم تعد ازدواجية ترامب مجرد سلوك شخصي، بل تحولت إلى نهج سياسي سائد. فهو يعتمد على اتهام الآخرين بما لديه: سخر من أوباما بسبب لعب الغولف، بينما يقضي هو عطلاته—حتى في زمن الحرب—في ملاعبه. وصف بايدن بـ“النعسان”، بينما يغفو هو خلال اجتماعات حساسة. إنها محاولة مستمرة للهروب من المساءلة عبر اتهام الآخرين بنقائصه.

 

تصريحاته الأخيرة بشأن مضيق هرمز تكشف حجم الارتباك: خمسة مواقف متناقضة في اقل من خمسة أيام. هذا ليس مجرد تخبط، بل دليل على غياب استراتيجية واضحة—سياسة تتغير مع كل ساعة، وقيادة تلاحق الأحداث بدلاً من توجيهها.

 

في ظل هذا الغموض، يحق للأمريكيين طرح أسئلة جوهرية: لماذا الإصرار على شن حرب على إيران، رغم خضوعها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتأكيد الطابع السلمي لبرنامجها، بينما تُترك الدولة الصهيونية خارج أي رقابة، رغم امتلاكها ترسانة نووية سرية؟ لماذا تُفرض الشفافية على طهران، ويُسمح بالغموض المطلق في تل أبيب؟

 

والسؤال الأهم: بأي منطق تُعد إيران تهديداً وجودياً للولايات المتحدة يفوق كوريا الشمالية أو الصين أو روسيا؟ الواقع يشير إلى أنها ليست كذلك، لأن المسألة لا تتعلق بأمريكا بقدر ما تتعلق بالدولة الصهيونية.

 

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الولايات المتحدة لا يكمن في البرنامج النووي الإيراني، بل في النفوذ غير المتناسب لولاء الصهاينة الأمريكيين لنهج “إسرائيل أولاً” داخل مراكز القرار—في الإعلام، والكونغرس، والبيت الأبيض—حيث تُوجَّه السياسات بما يخدم حروب دولة الكيان التي لا تنتهي، على حساب المصالح الأمريكية و مصالح الشعوب الأخرى.