منذ اندلاع الثورة الفلسطينية في العام 1965، ارتبط المفكّر العربي الكبير الدكتور عبد الحسين شعبان وجدانيًا بها، وقد شكّلت إحدى مسارات حياته، وخصوصًا بعد نكسة حزيران / يونيو العام 1967، حيث أصبح على علاقة وثيقة بحركة المقاومة الفلسطينية ومنظماتها وفصائلها المختلفة.
وللجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حصّة كبيرة من هذه العلاقة الروحية، فكان صديقًا حميمًا لقياداتها ومثقفيها، قدّم لهم المشورة النزيهة والمخلصة، بما فيها النقد أحيانًا في إطار رفاقي وأخوي.
خلال العقود الأربعة ونيّف المنصرمة ظلّ يرفد مجلتنا الهدف بالدراسات والمقالات المتميّزة، إضافةً إلى محاضراته لرفع وعي كوادرها. كما ساهم على النطاق العربي والدولي في الدفاع عن القضية الفلسطينية التي يعتبرها أنبل قضية في الكون وأكثرها عدلًا، ولا توجد مأساة حسب رأيه في العالم المعاصر أكبر من مأساة الشعب العربي الفلسطيني، المحروم من وطنه والمستلب من أبسط حقوقه، وإسرائيل بالنسبة له بؤرة عدوان مستمرة ومشروع حرب دائمة.
وقد أسّس في أواسط الثمانينيات مع نخبة من رفاقه اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية واعتبرها شكلًا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري (اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية وكان أمينها العام).
لا يعتبر عبد الحسين شعبان نفسه إلّا مواطنًا فلسطينيًا، وإن لم يكن بالولادة فبالانتماء، ولا يعتبره الفلسطينيون سوى فلسطينيًا قلبًا وقالبًا، وهو الحامل عضوية شرف لاتحاد الكتّاب والصحافيين الفلسطينيين منذ مطلع الثمانينيات. وعلى هامش التغييرات الأخيرة وحرب الإبادة على غزّة والعدوان المستمر أجرينا معه هذا الحوار.
أودّ أن أقول إن أسئلتكم بمجملها تتعلّق بالدراسات المستقبلية، وإن كانت لها علاقة وثيقة بالتاريخ، لأنه لا يمكن فصل الحاضر عن الماضي، مثلما هو مرتبط بالمستقبل أيضًا، ولذلك لو قاربْت أسئلتكم من زاوية المؤرّخ، أي ربط الأحداث مع بعضها لاستخلاص الدروس والعِبر الضرورية لرؤية الحاضر واستشراف المستقبل، فالأمر غير كاف لأن التاريخ حسب شيخنا الكبير فريدريش هيغل ماكر ومراوغ وخادع، فليس كلّ ما قيل ويُقال في الماضي يمكن أن يوصل إلى النتائج المرجوّة في الحاضر أو في المستقبل.
وإذا تناولت المسألة من زاوية إعلامية باعتبار الصحافي، حسب ألبير كامو، مؤرّخ اللحظة، لكن هذه اللحظة لا تعكس حقيقة ما جرى وما يجري.
أما إذا نظرت إليها من زاوية علم الاجتماع وفقًا لعبد الرحمن ابن خلدون أو أوغست كونت أو كارل ماركس أو ماكس فيبر أو علي الوردي، فالسيسيولوجي لا يتنبأ بالأحداث، وإنما يحلّلها بعد وقوعها، وهذا يحتاج إلى فترة زمنية كافية ليتوصّل إلى قراءة مستقبلية رؤيوية.
يمكنني التوقّف في أسئلتكم عند الرؤية الحقوقية والقانونية ببعديها الفلسفي والفكري مع الاستعانة بالمقاربات التاريخية والإعلامية والسيسيولوجية، ومن زواياها المتعدّدة، فعندئذِ يمكن إخضاع المتغيّرات إلى معايير الشرعية السياسية والمشروعية القانونية على الصعيدين الدولي والداخلي.
لنبدأ بعد هذه المقدّمة بالإجابة على السؤال الأول:
س1- قد تؤثر التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة إلى حدٍ كبيرٍ في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وإنتاج هويات جديدة، وإحداث تغيرات في شكل الدولة، بحكم التغيير السياسي، وتغير شكل وسائل الإنتاج. السؤال هنا: إلى أي مدى تبقى أسئلة الدولة ال قطر ية، التي تنتمي إلى العصر الحداثي، أسئلة راهنة، في وقت يتجه فيه الصراع نحو أسئلة ما بعد الدولة القطرية، فهل تستطيع المجتمعات العربية ضمن هذه الأجواء إنجاز تحولات باتجاه تحقيق أهداف الاستقلال والحرية؟
ج1- لم تعد خريطة الشرق الأوسط، بل العالم كلّه، كما كانت عليه خلال فترة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، فقد طرأت عليها تغييرات جوهريّة، أولها- انفراد قطب واحد بالهيمنة على العلاقات الدولية، وأعني به الولايات المتحدة؛ وثانيها – صعود الهويّات الفرعية القوميّة والإثنية من جهة، والدينية والطائفية من جهة أخرى، وثالثها – بروز ظاهرة العولمة التي صاحبها التطوّر الهائل في الثورة العلمية التكنولوجية والطفرة الرقمية الديجتال التي مهّدت في ظل الطور الرابع للثورة الصناعية إلى اقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، وكل ذلك قاد إلى اختلال توازن القوى على نحو شديد، وخصوصًا في منطقتنا، وكان من تداعياتها انهيار الأنظمة الشمولية التي تحكّمت في العديد من دول العالم.
وفي منطقتنا أخذت إسرائيل تتغوّل على نحو غير مسبوق، بل وتتمادى في عدوانها لدرجة باتت تتصرّف "كدولة عظمى" وليس "دولة كبرى"، بفضل الدعم اللّامحدود الذي تلقاه من الولايات المتحدة.
أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر عدوانها على لبنان العام 2006 والذي دام 33 يومًا وفرضها الحصار على غزّة منذ العام 2007، وعدواناتها المتكررة؛ الأول الذي عُرف باسم الرصاص المصبوب (2008)، والثاني عامود السحاب (2012)، والثالث الجرف الصامد (2014)، وأحداث حي الجرّاح (2021)، التي شملت غزّة وما خلف الخط الأخضر، وأخيرًا حرب الإبادة الشاملة التي زادت عن عامين (2023 – 2025)، والتي ما زالت مستمرّة على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار.
وتُعتبر حرب الإبادة على غزّة جريمة مكتملة الأركان المادية والمعنوية، وتستحقّ العقاب الدولي، وهو ما حاولت المحكمة الجنائية الدولية تتّبع أثره، وفعلت كذلك محكمة العدل الدولية، على الرغم من تهديدات الولايات المتحدة وازدرائها للقضاء الدولي واتخاذها سلسلة قرارات لمعاقبة القضاة والعاملين في المحكمة الجنائية الدولية، فضلًا عن تهميشها للأمم المتحدة التي جمّدت دورها من الناحية الفعلية، وذهبت أكثر من ذلك حين استعاضت عنها بمجلس السلام الذي أسّسه وترأسه دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة، وطلب من عدد من الدول الانضمام إليه وتمويله بزعم إعادة إعمار غزّة ومعالجة الجوانب الإنسانية، الصحية والتعليمية والبنية التحتية التي تعرّضت إلى الدمار الشامل.
هذه بعض مظاهر التغييرات التي حصلت في منطقتنا، وقد سبقها إعلان الرئيس الأمريكي ترامب أن القدس عاصمة لدولة إسرائيل (في فترة ولايته الأولى) وتشجيعه على ما سميّ تطبيع إسرائيل علاقاتها مع دول المنطقة، بالرغم من استمرار تنكّرها الكامل لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وخصوصًا حقّه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرض وطنه وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما يحظى بتأييد أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة (159 دولة من أصل 193 دولة).
لعلّ إسرائيل تسعى من وراء التغييرات الدراماتيكية التي حصلت على صعيد الإقليم إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى ما بعد العام 1952، أي تحويلها إلى قضية لاجئين إنسانية، في حين أنها كانت وما تزال قضية حقوق سياسية وقانونية كما نصّت عليه قرارات الأمم المتحدة، وذلك بفضل انطلاق الثورة الفلسطينية وتمكّنها من الحصول على اعتراف دولي في العام 1974 بتأكيد كون منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد عن الشعب العربي الفلسطيني.
وبخصوص ما ورد في سؤالكم حول الدولة القُطرية، فثمة إشكالات واجهتها وتواجهها اليوم على نحو أشد، فقد أخفقت مشاريع الوحدة العربية أو الاتحاد العربي، مثلما لم تتمكّن جامعة الدول العربية من إحراز أي تقدّم على هذا الصعيد، وإن بقيَ حلم الخمسينيات قائمًا، إلّا أن صدمة الواقع كانت كبيرة، فالآمال الكبرى التي داعبت مخيلة الجمهور العربي من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق بتحقيق أهدافه الاجتماعية واحترام حقّه باختيار حكّامه واستبدالهم حين يخطئون أو يقصّرون تبدّدت، الأمر الذي أصاب شرائح واسعة من المجتمعات العربية بالقنوط والتشاؤم، خصوصًا بمدى صدقية الشعارات وجديّة القوى التي حملتها، لكنها في التطبيق العملي سارت عكسها، وأقرب مثال على ذلك النظامين في العراق وسوريا، حيث كان يحكمهما حزب واحد وبمسمّى واحد وبأهداف واحدة، إلّا أنهما كانا الأبعد عن قضية الوحدة العربية.
أعتقد أن حماية الدولة الوطنية اليوم هي إحدى المهمات الكبرى التي تواجه الحركة التحرريّة، خصوصًا في التصدّي لمشروع صفقة القرن، ويتطلّب ذلك ترسيخ الوحدة الوطنية وتحقيق منجز اقتصادي واجتماعي وفسحة من الحريّات، ولاسيّما حريّة التعبير لكي تنال السلطات رضا الناس، الأمر الذي يعطي هذه الدولة شرعية سياسية، والتي يُمكن أن تتعمّق بالمشروعية القانونية، أي "حكم القانون"، ولعلّ ذلك ما يحميها من محاولات التفتيت والتمزّق والانقسام الذي يُراد لها، بل أنها ستعود القهقريّ مقارنةً بما وصل إليه مشروع الدولة العصرية، التي تعتمد على مبادئ المواطنة وأساسها الحريّة والمساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية وإن بحدّها الأدنى، والشراكة والمشاركة.
إن نكوص الدولة الوطنية (القُطرية) سينعكس أكثر فأكثر على ابتعاد فكرة الوحدة العربية، ولذلك فإن الحفاظ على الدول العربية (القُطرية) المتحرّرة المستقلّة، وإقامة أشكال التعاون والتنسيق بينها، سيُنعش الآمال بإمكان قيام تقارب جديد باتجاه حلم الوحدة العربية المنشودة، ذلك إن قيام دولة عربية تحترم إرادة المواطن وتستمع إلى رأيه سيكون ركيزة مهمة للمستقبل وفي التصدّي للمحاولات التي تريد طمس العروبة كرابط وجداني يربط العرب مع بعضهم، خصوصًا وأنهم يمتلكون لغةً واحدة وثقافة وتاريخ مشتركين.
س2- كيف تقرأ نتائج الثورات التي حصلت على امتداد المنطقة العربية؟ هل استطاعت أن تنتج وضعا طبيعيا من حيث العلاقة بين النظام والشعوب؟ ومن أي منظور تاريخي يعيد د. عبد الحسين شعبان قراءة "الربيع العربي" خلال العقد الماضي؟
ج2- أمر طبيعي كان أن تندلع حركات احتجاج وانتفاضات شعبية تطالب بالحريّات والكرامة والخبز في العديد من البلدان العربية، وقد بدأت من تونس ثم مصر، وشملت لاحقًا اليمن و ليبيا وسوريا وغيرها، وذلك بسبب شحّ الحريّات وتعتّق إدارات هذه البلدان بالسلطة وغياب الحد الأدنى من مفهوم المواطنة العصري، فضلًا عن تردّي الحالة الاقتصادية وشظف العيش التي يعاني منها الناس؛
وبغضّ النظر عن مآلات الحركات الاحتجاجية، فإن التغيير مسار طويل الأمد، حتى وإن أُجهضت هذه الحركات ولم تتمكّن من تحقيق أهدافها، بل استطاعت قوى الثورة المضادة والدولة العميقة وقوى خارجية من تدوير مسار الأحداث، بحيث تكون لصالحها، لكن اندلاع هذه الحركات وعلى هذا النحو الشعبي الواسع، كان البروفة الأولى.
وفي المستقبل على هذه الحركات أن تتعلّم الدرس جيدًا، وتسد الثغرات والنواقص في إدائها، ولاسيما فقدانها لقيادة موحدة وغياب مشروع نهضوي على صعيد كل بلد عربي أو على الصعيد القومي، فضلًا عن المنافسات غير المشروعة بين أطرافها، وهو ما استغلّته القوى المعادية للتغيير، التي كانت أكثر وضوحًا منها.
لقد توقّفت عند العديد من الظواهر الجديدة وناقشتها في كتاب أصدرته بعنوان "الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي" (دار أطلس، بيروت، 2012)، وكانت الأحداث ما تزال طازجة، علمًا بأن ثمة محاذير وتحديات كبرى كانت تواجهها، وللأسف الشديد فإنها لم تستطع تجاوزها، خصوصًا وأن القوى المعادية للتغيير أظهرت قدرات كبيرة وإمكانات هائلة حالت دون تحقيق التغيير المنشود، بل ثمة تراجعات وانكسارات حصلت على هذا الصعيد لدرجة هناك من كفر بالتغيير طالما تمكّنت قوى متطرّفة من استثماره، الأمر الذي عاد بالمجتمعات العربية خطوات إلى الوراء، ربما بعضها أقسى مما قبل الحركات الشعبية.
س3- هل تعود الأزمات في منطقتنا إلى أسباب مجتمعية تتعلق ببنية المجتمع العربي، المنقسم قوميا وطائفيا ومذهبيا، أم تعود إلى العقلية الأمنية العسكرية للنظام الاستبدادي؟
ج3- تعود الأزمات في منطقتنا إلى الأسباب المجتمعية القومية والدينية والطائفية زائدًا العقلية الأمنية العسكرية لأنظمة الاستبداد، وأُضيف سببًا ثالثًا مهّمًا لا يقل عن السببين الآخرين اللذان وردا في سؤالكم، بل إن هذا السبب يوازيهما، وهو التدخلات الخارجية الإمبريالية والصهيونية المباشرة وغير المباشرة.
فالدولة العربية التي نشأت في مطلع عشرينيات القرن العشرين وما بعد مرحلة الاستقلالات كانت دولة مركزية بسيطة حكمتها أقلّويات سلطوية باسم أغلبيات بعيدة عنها، ولذلك لم يكن في برامجها أية حلول لمسألتين أساسيتين؛ أولهما – المواطنة؛ وثانيهما – الاعتراف بحقوق القوميات والأديان الأخرى على قدم المساواة بين الجميع. وبالنسبة للمسألة الأولى فقد تصرّفت عمليًا مع المواطنين باعتبارهم رعايا ورعويتهم مشروطة بخضوعهم، وليس بعقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، أما بالنسبة للثانية فقد كانت تتصرّف باعتبار الجميع ينخرطون في إطار الأغلبيات التي تزعم تمثيلها، حتى وإن كانت هي تمثّل أقلوية لهذه الأغلبيات، ولذلك تجاهلت الدولة المركزية الشديدة الصرامة، الهويّات الخاصة، الفرعية، الدينية والقومية، الأمر الذي راكم الكثير من الحساسيات والكبت والاضطهاد الذي وصل بعضه إلى محاولات تذويب أو طمس الهويّات والخصوصيّات، وهو ما دفع هذه الهويّات ومن يعبّر عنها إلى البحث عن الفرص المناسبة للتعبير عن نفسها، سواء المطالبات بالمواطنة المتساوية أو اللّامركزية الإدارية أو الحكم الذاتي أو الفيدراليات، بل اندفع البعض منها إلى الدعوة إلى الانفصال.
وهكذا قاد ردّ الفعل إزاء الاضطهاد القومي أو الديني في وجهه السلبي، إلى الانغلاق وضيق الأفق، وهو ما جرى ويجري استثماره من جانب القوى الخارجية على نحو مدروس ومخطّط، في حين لم تدرك النُخب الحاكمة وغير الحاكمة خطورة التصرّف بازدراء وردود الأفعال إزاء المطالب المشروعة والعادلة للهويّات الفرعية وخصائصها المشتركة.
لاحظ كيف بادرت إسرائيل إلى احتواء الاضطهاد والعنف غير المبرّر واللّاإنساني الذي شمل الدروز في السويداء والعلويين في الساحل والجبل، والاهتمام المنقطع النظير بالكرد، وهو اهتمام غربي وإسرائيلي قديم، حاول أن يضرب على الوتر الحساس لإثارة المزيد من الفرقة والكراهية بين المجاميع الثقافية المختلفة، إضافة إلى الاهتمام الذي يبديه الغرب بالمسيحيين في لبنان وسوريا والعراق والأقباط في مصر وغيرها، في حين أن مسيحيي فلسطين لا يجري أي حديث عنهم، وهم الأكثر اضطهادًا، والأمر يتعلّق بوطنهم المستلب، فضلًا عن هويتّهم، فقد كانت أعداد المسيحيين في فلسطين تقارب اﻟ 20% قبل الاحتلال، إلّا أن عددهم اليوم لا يزيد عن 1.5%، وفي القدس وحدها كان عدد المسيحيين قبل الاحتلال نحو 50 ألفًا، في حين أن عددهم اليوم أقل من 5 آلاف بسبب الإجلاء والطرد والاضطهاد الإسرائيلي المنظّم والمبرمج.
وتسعى إسرائيل إلى تصوير الصراع باعتباره صراعًا بين المسلمين والعرب من جهة وبين اليهود والإسرائيليين من جهة أخرى، وبالتالي فهو صراع ديني وليس صراعًا حول الأرض والحقوق والتاريخ والوجود، وبما أنه صراع ديني، فهو صراع إلغائي وإقصائي، ولا حلّ له إلّا بفرض إرادة أحد الأطراف على الآخر، وبما أن اليهود في العالم أقلية (15 مليون)، ولا يزيد عددهم في فلسطين عن 6 ملايين، فإن إسرائيل تظهر نفسها كحمل وديع أمام العالم الذي ينبغي أن يستجيب لحمايتها من المسلمين المتوحشين، حيث يبلغ عددهم اليوم نحو ملياري إنسان، وهؤلاء يريدون رمي اليهود بالبحر، وما عدوان إسرائيل المتكرّر على العرب إنما هو للدفاع عن النفس كما تدّعي، وما فعلته في غزّة من تدمير وإبادة، له ما يبرره حسب وجهة نظرها، ويقف الغرب إلى جانبها.
نحتاج إلى إعادة نظر بتجربتنا الفكرية والثقافية والسياسية، وأن نقدّم نقدًا ذاتيًا جريئًا وصريحًا لأخطائنا وسياساتنا وممارساتنا السلبية، إزاء الهوّيات الفرعية والخصوصيات القومية والدينية، وأن نعترف بحقوق هذه المكوّنات على أساس المساواة وعدم التمييز، وأن تكون الدولة حامية للجميع، وليس لطرف على حساب طرف آخر، بغضّ النظر عن عدده وحجمه.
ولعلّ مفهوم الأقلية والأكثرية لا يصلح للقياس بالنسبة للقوميات والأديان، وإنما يمكن التعامل به في البرلمانات والأحزاب وصناديق الاقتراع؛ وبالنسبة للأديان والقوميات، فمسيحي واحد يُعادل كل المسلمين وكردي أو أمازيغي واحد يُعادل كل العرب، طالما يمثّل دينًا أو قومية أخرى، وعربي واحد ومسلم واحد يُعادل ممثلي جميع قوميات وأديان الأرض، وعلى الدولة أن تضع مسافةً واحدة من جميع الأديان والقوميات والمجموعات الثقافية، باحترام حقوقها وفقًا للشرائع الدولية لحقوق الإنسان في الدولة العصرية.
س4- كمثقف ومفكر عربي، كيف ترى انعكاس ما اصطلح عليه بالأثر المركب للمتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية على المشروع النهضوي العربي وفي المقدمة منه القضية الفلسطينية ومستويات الصراع ومآلاته؟ وهل يمكن تحديد سمات وخصائص لهذه النهضة العربية في مواجهة المتغيرات الفارقة؟
ج4- كمثقّف أشعر بحزن كبير ومرارة شديدة، بل ثمة غصّة في حلقي أن أرى ما آلت إليه حالة الأمة العربية اليوم، التي تهرول بعض أنظمتها متسابقةً لتقديم الولاء والطاعة للقوى المتسيّدة والمتنفّذة في العلاقات الدولية، يضاف إلى ذلك ارتكاس العديد من النخب العربية القومية واليسارية والإسلامية وعدم قدرتها على استعادة زمام المبادرة بعمل مشترك، ذلك أن غياب مشروع نهضوي عربي جامع كان وما يزال أحد نواقص العمل العربي المشترك، سواء على المستوى الرسمي (وإن بحدّه الأدنى) أم على المستوى الشعبي، وهو ما أثّر بشكل كبير على القضية الفلسطينية، حتى وإن زعم الجميع أنها "قضية العرب المركزية" لكن الأغلبية الساحقة منها تتعامل معها كجزء من بروتوكول عربي ظلّ يتكرّر يصعد وينزل، يظهر ويخبو منذ قيام دولة إسرائيل في العام 1948 وإلى اليوم، وللأسف ما كان يجري في السر من محاولات لتمييع القضية الفلسطينية، أصبح يجري اليوم في العلن ودون حياء، وسبق لي أن قلت إن القضية الفلسطينية هي أعدل قضية حقوقية في هذا الكون وأكثرها نبلًا وإنسانية، والانتماء إليها شرف ما بعده شرف، تعبيرًا عن إنسانية الإنسان ومقاصده العادلة.
المشروع النهضوي العربي، حتى وإن تمّ بلورته عبر نقاشات وحوارات زادت عن عقدين من الزمن (بريادة من مركز دراسات الوحدة العربية والمفكر خير الدين حسيب)، منذ أن أقرّ في مدينة فاس في مطلع الألفية الثالثة، ظلّ محصورًا لدى النخب، بل إن بعضها بمن فيها من ساهم أو شارك في بلورته، لم يكن مؤمنًا به حقيقة أو أنه أقرّه شكليًا ولم يعمل من أجل تطبيقه من الأدنى إلى الأعلى، أي لم يحاول أن يرفع من درجة وعي جمهوره للتعاون مع جمهور الأطراف الحليفة في إطار هذا المشروع الجامع الذي استلهم مكوّناته من قراءة عميقة للواقع العربي، بعد الخذلان والفشل والخيبات التي مرّ بها خلال ثلاثة أرباع القرن ونيّف المنصرم.
إن مسألة التحرّر السياسي والاستقلال الاقتصادي والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية والانبعاث الحضاري والوحدة العربية، هي أركان أساسية في المشروع الرؤيوي المتقدّم، ولكن هذا المشروع دون حامل اجتماعي وتعاون بين التيارات المختلفة، اليسارية الاشتراكية والقومية العربية والإسلامية التنويرية، لا يمكنه أن يصل إلى الهدف المنشود، خصوصًا ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية التي تشكّل لبّ الصراع في المنطقة، فإسرائيل والنفط يمثّلان جوهر الاستراتيجية الإمبريالية وأحلافها ليس في المنطقة فحسب، بل على الصعيد العالمي.
ولعلّ الموقف الأمريكي من اعتقال رئيس دولة فنزويلا المستقلة نيكولاس مادورو، لم يكن بسبب عدائه للإمبريالية، بل بسبب النفط، والعدوان على إيران اليوم ليس هدفه إزاحة العمائم المعادية للديمقراطية، بل بسبب النفط وأمن إسرائيل المزعوم، تلك هي القضية والدلالة، وذلك هو المعيار والمؤشّر.
إن تحديّات النهضة العربية وخصائصها في مواجهة المتغيّرات الفارقة تحتاج إلى إعادة رسم السياسة والاستراتيجية العربية الشعبية والرسمية لاحقًا، وتكوين كتلة تاريخية بمعناها السياسي، أي تحالف عريض يجمع التيارات الأساسية في الوطن العربي لمنع الانزلاق نحو مساومات غير مشرّفة مع العدو، خصوصًا وأن المشروع الصهيوني يُعلن ليل نهار عن أهدافه الشريرة لاستعمار الأرض العربية من النيل إلى الفرات، وهو ما روّج له مؤخرًا سفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي، ولم يكن ذلك زلّة لسان، بل تصريح بلا حياء ولا خشية، في ظلّ واقع راهن شديد التدهور والانحسار عربيًا، والاستقواء عليه إسرائيليًا وأمريكيًا.
دكتور عبد الحسين شعبان
سيرة مختصرة
- أكاديمي ومفكر وكاتب عربي (من العراق)، له أكثر من 80 كتاباً ومؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، فإضافةً إلى انصرافه للعمل الفكري والحقوقي والتدريس الجامعي، فإنه اشتغل على نصوص سرديّة ثقافيّة وأدبيّة، تأليفاً ونقداً ومراجعةً، في نوع من الكتابة بأجناس متنوّعة وحقول مختلفة. حاز على جوائز وأوسمة عربية عديدة وتكريمات من مؤسسات ثقافية عديدة
• من مواليد النجف - العراق 21 آذار / مارس 1945.
• درس وتعلّم في مسقط رأسه.
• تخرّج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية (بغداد) 1967 -1968.
• نال درجتي الماجستير من جامعة (17 نوفمبر) وجامعة (جارلس – كلية الحقوق) عامي 1973 و 1976.
• حاز على درجة الدكتوراه PhD(مرشح علوم CSc ) في فلسفة القانون من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية (1977).
• درّس في جامعة بغداد (مركز الدراسات الفلسطينية) وجامعة صلاح الدين (إربيل) وجامعة اللّاعنف (بيروت)، وألقى محاضرات في عدد من الجامعات العربية والأجنبية بصفته أستاذًا زائرًا غير متفرّغ.
من مكتبته الفلسطينية
- إرتبط بصداقةٍ حميمةٍ مع المقاومة الفلسطينية منذ العام 1967 ، وشارك في فعاليات وأنشطة جميع فصائلها ومنظماتها، وكتب وألّف ودرّس وحاضر في العديد من مؤسساتها الثقافية والإعلامية.
- كتب في مجلّة الهدف بصورة منتظمة، منذ مطلع الثمانينيات، بالإضافة إلى نشر عشرات الدراسات والأبحاث.
- عمل باحثًا في مركز الدراسات الفلسطينية، واستشاريًا لمنظمة التحرير الفلسطينية.
- الأمين العام السابق للجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 (اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية)، دمشق، 1986.
- عضو شرف في الإتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين منذ 1981 .
الكتب:
الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي، مركز الدراسات الفلسطينية، دمشق، 1985.
مذكرات صهيوني (طبعتان)، دار الصمود العربي، بيروت، 1986، وطبعة ثالثة، دار الرافدين، بيروت - بغداد، (مزيّدة ومنقّحة)، 2023، وطبعة باللغة الإنكليزية "Memoir's of a Zionist"، دار نيلسون، بيروت، 2024.
سيناريو أوّلي لمحكمة القدس الدولية العليا، شرق برس، نيقوسيا، 1987 .
القضايا الجديدة في الصراع العربي-" الإسرائيلي"، دار الكتبي، بيروت، 1987.
الإنتفاضة الفلسطينية وحقوق الإنسان، دار حطين، دمشق، 1991 .
المدينة المفتوحة - مقاربات حقوقية حول القدس والعنصرية، دار الأهالي، دمشق،2001 .
حلم العدالة الدولية في مقاضاة "إسرائيل"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.
عصبة مكافحة الصهيونية ونقض الرواية "الإسرائيلية، دار البيان العربي، بيروت، 2023.
الغرفة 46 - الإرهاب الدولي: خفايا وخبايا، دار الرافدين، بيروت - بغداد، 2023.
أبحاث:
فصول في كتب ومؤلفات خاصّة وجماعية وأوراق عمل في مؤتمرات وهيئات وجامعات ودراسات زادت عن 50 دراسةً وبحثاً ومشاركةً.
مقالات في مجلّات وصحف فلسطينية وعربية وأجنبية عن القضية الفلسطينية والصراع العربي - "الإسرائيلي" والصهيونية المعاصرة.

