Menu

تآكل الردع وانكسار الاستراتيجية: المعارضة الإسرائيلية في مواجهة نتنياهو عقب اتفاق وقف إطلاق النار

د. سعيد سلام

بوابة الهدف

 

لم يكد حبر اتفاق وقف إطلاق النار يجف ويبدأ سريانه الفعلي في ٨ أبريل 2026، حتى انطلقت شرارة هجوم سياسي عاصف استهدف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من داخل الأروقة القيادية الإسرائيلية؛ حيث تبنى يائير غولان، رئيس حزب "الديمقراطيين" ونائب رئيس هيئة الأركان السابق، خطاباً هجومياً حاداً اتهم فيه نتنياهو صراحة بممارسة تضليل استراتيجي ممنهج وتكريس "أكبر فشل استراتيجي" في تاريخ الدولة، مشيراً إلى أن الوعود البراقة بـ "نصر تاريخي" وتوفير أمن مستدام للأجيال القادمة قد تلاشت أمام واقع مرير. وفي سياق متصل، وصف زعيم المعارضة يائير لابيد الاتفاق بأنه "كارثة دبلوماسية غير مسبوقة"، معتبراً أن وقف إطلاق النار مع إيران يمثل فرصة ذهبية ومنحة استراتيجية "لنظام آيات الله" لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم الصفوف وتدعيم الموقف الميداني، خاصة مع بقاء طهران ممسكة بزمام الأمور في مضيق هرمز واستمرار تهديدها الباليستي والنووي.

 

وفي قراءة تحليلية للمشهد السياسي، يرى غولان أن إسرائيل قدمت أثماناً باهظة في الأرواح والعتاد، وتكبدت فيها المؤسسة العسكرية كلفة بشرية كبيرة في صفوف الجنود، بينما اضطر مجتمع بأكمله للارتهان داخل الملاجئ تحت وابل الصواريخ، وهو ما يبرز بشكل جلي ذلك التباين العميق بين كفاءة المؤسسة العسكرية وبين العجز السياسي الذي قيد فاعليتها؛ إذ يجمع أقطاب المعارضة على أن الجيش الإسرائيلي قد أتم "مهامه العملياتية بقوة وعلى أعلى قدر من الكفاءة"، إلا أن حكومة "نتنياهو، سموتريتش، وبن غفير" أخفقت في استثمار "تضحيات الجيش والمجتمع" وترجمة المكتسبات العسكرية إلى واقع سياسي ناجز.

وفي هذا الإطار، انضم أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، إلى جبهة النقد محذراً من أن هذا الاتفاق يمنح "نظام آيات الله" متنفساً ضرورياً سيؤدي حتماً إلى جولة قتال مستقبلية بشروط أصعب وكلفة باهظة، طالما لم يتضمن الاتفاق تفكيكاً كاملاً للبرنامج النووي والصاروخي الإيراني.

كما أبدى غدعون ساعر، الوزير في الحكومة، تشككاً عميقاً في ديمومة الاتفاق، مؤكداً أن "شيئاً لم ينتهِ بعد" نظراً للفجوات الهيكلية القائمة بين مواقف الأطراف.

 

ومن منظور أمني محلي، برزت مخاوف قيادات السلطات المحلية في شمال إسرائيل، وعلى رأسهم موشيه دافيدوفيتش، رئيس "منتدى خط المواجهة"، الذي اعتبر توقيت وقف إطلاق النار قبل تحقيق "حسم استراتيجي" ضد حزب الله في لبنان بمثابة "فشل أخلاقي وأمني من الدرجة الأولى"، يترك سكان الشمال كدروع بشرية أمام تهديد مستمر. وبينما حاول بيني غانتس الحفاظ على موقف متوازن من خلال دعمه المبدئي للعمليات العسكرية، إلا أن الإجماع العام في الإعلام العبري يشير إلى أن إسرائيل وجدت نفسها "خارج الغرفة" تماماً أثناء صياغة الترتيبات الدولية، مما كرس حالة من التغييب السياسي وضعف التأثير في صياغة مستقبل المنطقة.

إن بقاء الأهداف الاستراتيجية الكبرى معلقة يرسخ مفارقة داخل الدولة الإسرائيلية قوامها أن الجيش ينتصر في الميدان بينما تخسر الدولة في الاستراتيجية، وهو إخفاق لا يُعزى لقصور في العقيدة القتالية، بل لوجود قيادة سياسية مأزومة تفتقر للحنكة؛ حيث أكد لابيد أن الأضرار الناجمة عن غرور نتنياهو وإهماله ستتطلب سنوات طويلة لإصلاحها، وربما جيلاً كاملاً لاستعادة قوة الردع المفقودة، مما يجعل توصيف ما جرى بـ "النصر التاريخي" مجرد ادعاء أجوف يفتقر للمصداقية، في حين يشير الواقع الجيوسياسي إلى فشل مطلق يضع الأمن القومي الإسرائيلي في مهب المخاطر الوجودية الممتدة.