Menu

وقف إطلاق نار أم هدنة؟ كيف تحول الخليج إلى رهينةٌ لحرب نتنياهو

جمال كنج

بوابة الهدف

 

وفّر وقف إطلاق النار فسحة تنفّس كانت دول الخليج بأمسّ الحاجة إليها. فتهديد دونالد ترامب باستهداف البنية التحتية المدنية ل إيران لم يكن مجرّد تصعيد لفظي، بل كان ينذر بكارثة إنسانية شاملة قد تدفع المنطقة نحو انفجار لا يمكن احتواؤه.

غير أن تحوّل ترامب من التهديد إلى القبول بوقف إطلاق النار لم يكن عفويًا، بل بدا خطوة محسوبة. وبرأيي، جاء هذا التحوّل في سياق مكالمته مع بنيامين نتنياهو يوم الأحد 5 أبريل. يُرجّح أن نتنياهو سعى إلى إطالة أمد التصعيد، أملاً في توسيع بنك الأهداف الإقتصادية داخل إيران. لكن ترامب، وقد وجد نفسه مقيدا بمهلة تهديده، بدا وكأنه بحاجه للخروج من هذا المأزق، دون أن يفوّت فرصة التباهي بدعمه لدولة الكيان، مذكّرًا - كما في تصريحاته في 6 أبريل - بأن “لولا تدخلنا… لكانت دولة الكيان قد زالت”.

تشير المعطيات إلى أن نتنياهو لم يكن يملك ترف المناورة، فامتثل ووافق على وقف الهجمات في 7 أبريل قبل دقائق فقط من انقضاء مهلة ترامب.

لكن السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كان وقف إطلاق النار سيصمد، بل متى، وأين وكيف سيُخرق؟ فالتجربة تؤكد أن هذه الاتفاقات غالبًا ما تتحوّل إلى ترتيبات أحادية تتيح لدولة الكيان نقضها متى شاءت. وقبل أن يجفّ حبر هذا المقال، حتى شنت دولة الكيان غارات غير مسبوقة و استهداف أبراج سكنية وسقوط مئات الضحايا المدنيين. كما في غزة، تتكرّس حقيقة صارخة: وقف إطلاق النار لا يقيّد دولة الكيان بقدر ما يمنحها غطاءً مؤقتًا لمواصلة حربها دون مساءلة.

إن انصياع نتنياهو لقرار ترامب لا يوحي بتراجع هيمنة نهج “إسرائيل أولًا” على السياسة الخارجية الأمريكية. هذا النهج لم يولد مع ترامب، بل تعود جذوره إلى عهد ليندون جونسون، وترسّخ في زمن نيكسون، حين صاغ هنري كيسنجر معادلة تربط القوة الأمريكية بضمان التفوّق الإقليمي لدولة الكيان. وعلى امتداد العقود، عمّق المحافظون الجدد وأنصار هذا التوجّه هذه العقيدة، فدفعوا الولايات المتحدة إلى حروب لم تخدم سوى مصالح دولة الكيان وكان غزو العراق، المبني على ذرائع ملفّقة، أبرز تجلّياتها. واليوم، تتكرّر الأنماط ذاتها في التصعيد مع إيران.

ما يميّز هذه الحرب أنها لم تعد محصورة جغرافيًا أو سياسيًا. فالمخاطر هذه المرة عابرة للحدود، والخليج ليس هامشًا بل قلب المعادلة. إنه شريان الطاقة العالمي وركيزة الاستقرار الاقتصادي الدولي. وأي زعزعة فيه تعني عمليًا تعريض الاقتصاد العالمي بأسره للاهتزاز. إن تحويل الخليج إلى رهينة في حرب نتنياهو ضد إيران هو في جوهره تهديد مباشر للنظام الاقتصادي العالمي.

هوس نتنياهو بإيران ليس وليد اللحظة؛ فمنذ ثلاثة عقود وهو يروّج لفكرة اقترابها من امتلاك سلاح نووي. والمفارقة أن دولة الكيان نفسها ترفض الخضوع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما تصوّر إيران - التي خضعت لعقود من أنظمة التفتيش - كخطر وجودي داهم.

في المقابل، تكشف تهديدات ترامب باستهداف البنية التحتية المدنية عن هشاشة موقع دول الخليج. فهي، رغم اعتمادها على المظلّة الأمنية الأمريكية، تبقى الأكثر عرضة جغرافيًا واقتصاديًا لارتدادات حرب لم تخترها، ولم تكن شريكًا في قرارها.

والأخطر أن خطاب ترامب - حين لوّح بمحو حضارة إيران - عكس جهلًا بمفهوم الحضارة واستخفافًا بعواقب التصعيد، لا سيما على حلفائه الخليجيين. فالاعتقاد بإمكانية عزل تداعيات الحرب عن الدول التي تستضيف قواعد عسكرية للطرف المعتدي ليس سوى وهم خطير.

إن التهديد بإعادة إيران إلى “العصر الحجري” ليس جديدًا، بل هو امتداد لعقيدة عسكرية صهيونيه ترى في البنية التحتية المدنية هدفًا مشروعًا. فمحطات الكهرباء، وشبكات المياه، والموانئ، والاتصالات كلها تُستهدف عمدًا كوسيلة للضغط الشامل على المجتمعات. وقد رأينا ذلك في غزة ولبنان، حيث لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل عملية تفكيك ممنهجة لمقومات الحياة. وفي هذا السياق، سعت دولة الكيان إلى دفع الولايات المتحدة نحو تبنّي هذا النهج ضد إيران.

أمام هذا الواقع، تجد دول الخليج نفسها مهددة بتحمّل كلفة حرب قد لا تنتهي عند حدودها الاقتصادية، بل تمتد إلى علاقتها المستقبلية مع جار دائم كإيران. سواء بقي الحكم الحالي أو تغيّر، فإن الجغرافيا لا تتبدّل ودول الخليج لا واشنطن ولا تل أبيب هي من ستعيش تبعات هذا الجوار.

كما أن الخطاب المتعالي لترامب تجاه حلفائه، والذي تجلّى برسالته يوم عيد الفصح و توظيفه الساخر لتعبيرات دينية مثل (الحمد لله)، يعكس استخفافًا أعمق بحساسياتهم الثقافية والدينية. وهذا ليس تفصيلًا هامشيًا، بل مؤشر على طبيعة العلاقة غير المتكافئة في هذا التحالف.

في المحصلة، لم يعد الخليج مجرّد متلقٍ لتداعيات الصراع، بل تحوّل إلى ساحته المركزية: منطقة عازلة لدولة الكيان، وقاعدة انطلاق للقوة الأمريكية، وخزّان يتحمّل كلفة حرب لا يملك قرارها. وعندما تندلع الجولة التالية - وهي مسألة وقت - لن تُدفع كلفتها في واشنطن أو تل أبيب، بل في عواصم الخليج.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لدول الخليج لإعادة تقييم استراتيجية شاملة تقوم على قدر أكبر من الاستقلالية في القرار، ومراجعة جدّية للتحالفات القائمة. فاستمرار الاعتماد على شريك أظهر مرارًا استعداده لتوظيف المنطقة في صراعات لا تخدم مصالحها، يعني بقاء الخليج رهينة لحروب الآخرين.

لقد آن الأوان لقراءة هذا التصعيد كجرس إنذار: فالحروب التي تُصمَّم لخدمة دولة الكيان وتُدار عبر أطراف أخرى، تنتهي دائمًا بتحميل كلفتها لمن لم يشارك في صنعها. والخليج، إن لم يُعد تموضعه سيبقى يدفع ثمن صراعات تُفرض عليه حاضرًا ومستقبلًا.