Menu

المتغير السياسي والاقتصادي في سياق الحرب الأميركية- الصهيونية على إيران

بسام عليان

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

تشهد الساحة العالمية خلال الحرب المشتعلة الآن بين إيران والتحالف الأميركي- الإسرائيلي الصهيوني واقعا استراتيجيا جديدا على صعيد التوازنات الدولية والإقليمية؛ والتي ستؤسس إلى تشكل فيما بات يعرف في الأدبيات السياسية ب "النظام العالمي الجديد"؛ وذلك في ظل محاولة الولايات المتحدة الأميركية وريبيتها وقاعدتها العسكرية الإسرائيلية المتقدمة كيان الاحتلال الصهيوني الذي يحتل أرض وشعب فلسطين؛ من الهيمنة الأحادية كقوة عظمى مهيمنة تحاول أن تنفرد بهذا النظام، ويعملان معا وبشكل مستمر للاستئثار بمضامين اللعبة السياسية الدولية؛ إلى الوقت الذي بدأت فيه الأوضاع العالمية تتغير لصالح إعادة التشكل في توازنات القوى العالمية على حساب الاحتكار الأميركي، وذلك بالتزامن مع ظهور قوى دولية مؤثرة مثل الصين، وأخرى آخذة في التعافي والعودة إلى المسرح العالمي مثل روسيا؛ واللتان أي الصين وروسيا ينسجان لهما أدوارا في مجمل القضايا السياسية على المستوى الدولي والإقليمي، ولا سيما منذ عقدين من الزمان.

ويبدو أن هذه القوى العالمية في عالم ما بعد الهيمنة الأميركية الأحادية تتوجه إلى المنافسة على الهيمنة وكسب حلفاء إقليميين على مستوى العالم، وبخاصة فيما أصبح يعرف بمنطقة الشرق الأوسط؛ بوصفها إحدى أهم المناطق الغنية بالموارد على مستوى العالم، فضلا عن موقعها الجيوسياسي في الصراع العالمي.

ولو عدنا قليلا إلى ما سمي بثورات الربيع العربي التي اجتاحت في بداية العقد الماضي بعض البلدان العربية؛ فإن التطورات السياسية والعسكرية التي صاحبت تلك الثورات قد غيرت ميزان النفوذ ليس في المنطقة العربية فحسب؛ بل في منطقة الشرق الأوسط برمتها، إذ آذنت بظهور معادلة جديدة على صعيد الأوضاع الإستراتيجية، والتي أثرت بصورة حاسمة في نشوء حالة من الاستقطاب لدى القوى الدولية والإقليمية، وبخاصة في ظل ظهور قواعد جديدة ولاعبين جدد دخلوا في إطار الحسابات الإستراتيجية، والتي وصلت إلى حد ضياع الحدود الفاصلة بين الفعل الداخلي والتأثير الخارجي؛ على النحو الذي تبلور في قيام تحالفات بين القوى الدولية والإقليمية، والتي باتت تنشد مصالح متعارضة وتتبنى أهدافا مزدوجة، فالصين وروسيا مثلهما مثل أميركا هي دول رأسمالية؛ لهما أهداف اقتصادية، مما أوجد واقعا أشبه بالاصطفاف السياسي بين اللاعبين الرئيسيين؛ مما كان له بالغ الأثر في تأجيج الأوضاع الإقليمية وتأزم القضايا الصراعية، كما يتضح من مسارات عدم الاستقرار الإقليمي التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن؛ وأخص بالذكر الحرب المشتعلة الآن على إيران بالإضافة إلى غزة والضفة الغربية (فلسطين)؛ ولبنان واليمن و السودان .

ووفق ذلك، فإن روسيا الاتحادية، وفي خضم هذه التفاعلات؛ وحربها الطويلة مع اوكرانيا، بدأت تعيد النظر في تحالفاتها، وأخذت تتطلع إلى تأسيس علاقات جديدة لم تكن قادرة على أن تحظى بمثلها أو الحفاظ عليها في مراحل زمنية سابقة.

وتسعى أيضا الصين كما روسيا؛ إلى تكثيف وجودهما في العديد من الدول الشرق أوسطية أكثر من أي وقت مضى، لتحقيق العديد من المصالح وكسب حلفاء جدد لهم من موقع مؤثر في المنطقة؛ مثل إيران.

وتحاول كل من الصين وروسيا؛ العمل على الحؤول دون أن تقع دول المنطقة في دائرة النفوذ الأميركي، لجهة تأمين موضع قدم لهما ومنفذ للتأثير في المناطق ذات الأهمية الحيوية والإستراتيجية، وبخاصة تلك المناطق المتاخمة للمجالين الحيويين لروسيا والصين؛ وهنا تأتي مكانة إيران عند الروس وعند الصين.

وتبقى الأولوية الأساسية عند الصين وعند روسيا؛ هي حماية تلك العلاقات وإيجاد شركاء جدد، وبخاصة أن روسيا والصين تسعى كل منهما إلى إيجاد موطئ قدم لهما للمشاركة في العمليات السياسية في منطقة الشرق الأوسط. وبوصفهما قوة عالمية، وبهدف التأثير في صورة الأحداث الجارية في المنطقة، وهما (أي الصين وروسيا)، يستخدمان في ذلك توجهات براغماتية في سياستهما الخارجية، والتي أولت متغير المصالح على حساب الاعتبارات الأيديولوجية، في استجابة مباشرة لمسارات التحول في النظام العالمي؛ كضرورة استراتيجية لجعل السياسة الخارجية أكثر فعالية.

هذا، وقد كانت العلاقة بين موسكو وطهران من أهم المكتسبات التاريخية التي حققتها روسيا، بحكم أن إيران تشكل عمودا مهما في سياسة الارتكاز للاستراتيجية الروسية في منطقة الشرق الأوسط؛ إذا أخذنا بعين الاعتبار الحسابات الجيوبوليتيكية لموقع إيران في المنطقة، ولا سيما في ضوء تأثير إيران في منطقة آسيا الوسطى، بالنظر إلى التهديدات المحتملة التي يمكن أن تشكلها إيران على النفوذ الروسي في تلك المنطقة المهمة استراتيجيا.

كما أن أهمية إيران؛ تزداد أكثر بشأن أمن الطاقة العالمي. فإيران تتحكم بمضيق هرمز كما أن إيران تتمتع بموفور كبير من الطاقة (بترول وغاز)؛ ومن هنا يأتي مسعى الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص في سياق استهدافها إيران؛ لإيجاد مزود نفطي لها؛ فمعروف عالميا أن منطقة بحر قزوين تزخر بثروات نفطية مهولة. فمن هنا قامت روسيا بالتطوير النووي الإيراني، وروسيا تعارض استخدام القوة العسكرية إزاء الملف النووي الإيراني.

يتضح مما سبق؛ أن الصين وروسيا لن يتخليا عن إيران في الحرب المشتعلة الآن عليها وضدها؛ وواضح حتى كتابة هذه السطور، أن نتائج هذه الحرب ستغير كثير من موازين القوى العالمية وستنهي هذه الحرب التفرد الأميركي في هيمنتها على السياسة العالمية، ورغم الدمار الكبير الذي حل في المدن والبلدات والمنشآت الإيرانية؛ وقتل عدد كبير من القيادات والمسؤولين الإيرانيين؛ إلا أن إيران ستخرج من المعركة دولة إقليمية لها شأنها ولها حضور استراتيجي في سياسة المنطقة؛ وستتقلص التحركات والهيمنة الأميركية كما ستتقلص قوة الثكنة العسكرية الأميركية التي تحتل أرض فلسطين منذ ثمانية عقود؛ وستشكل إيران العمود الفقري للتعاون الاقتصادي والتجاري لروسيا والصين في المنطقة؛ وسيتنفس العالم هواء جديدا غير ملوث بتحركات عالم الصهيونية المبتذلة.