ترتبط الدراما عادة بالتلفزيون، ولأن الدراما هي صورة المجتمع على شاشة التلفزة، فهي تعكس إلى حد ما هموم المجتمع المحلي وقضاياه بطريقة أقرب إلى معايشة الحدث وتقمص دور الشخصيات، ومع حلول شهر رمضان المبارك تعود في كل سنة موجة التزاحم الدراماتي على محطات التلفزة العربية …
بين هذا الإنتاج المرتبط بتاريخ التلفزيون وحلول موسم الدراما في الشهر الفضيل، ينبغي أن نشير إلى جانب من هذه الدراما ونسلط الضوء على خصوصيتها رغم بساطة الإنتاج والإخراج والتقنيات.
الدراما الفلسطينية: كيف بدأت؟
وما هي القضايا التي عالجتها؟
وما ارتباطها بمفهوم الصراع مع المحتل؟
وما هي أهم الأعمال الفلسطينية الدرامية؟
تعتبر الدراما الفلسطينية من حيث العمر حديثة العهد، فهي ارتبطت فعلياً مع بداية انطلاق التلفزيون الفلسطيني بعد اتفاقية أوسلو في منتصف التسعينات، لذلك هي تعتبر مستجدة مقارنة بباقي الدراما العربية التي سبقتها بعقود مع استقلال الدول العربية عن الاستعمار الغربي، ولأن فلسطين لا زالت تحت الاحتلال، ولأن قيود المحتل صارمة على كل ما هو فلسطيني بدءاً من الحجر والشجر وصولاً إلى الإنسان واهتماماته بما فيه المنظومة الفكرية والفنية التي تحاول تسليط الضوء على هموم الفلسطيني وقضاياه وصراعاته اليومية القصيرة والطويلة مع المحتل، ومن ضمن ذلك كان للدراما الفلسطينية نصيب من هذه المعاناة اليومية، إلا أنها ورغم حداثة عهدها وبساطة معداتها وفقر مستلزماتها الفنية والتقنية، فقد حاولت منذ نشأتها أن تكون دراما فلسطينية بكل ما تعنيه الكلمة، ولأن فلسطين غابت نسبياً منذ عقود عن الدراما العربية، حيث كانت آخر الأعمال الدرامية العربية التي ناقشت القضية الفلسطينية وحيثيات الصراع مع المحتل هي مسلسل "التغريبة الفلسطينية" للمخرج السوري الراحل حاتم علي ومسلسل "الاجتياح" للمخرج شوقي الماجري.
ومع انطلاق موسم الدراما في شهر رمضان المبارك، تشهد القنوات العربية زخماً بالأعمال الدرامية التسويقية أو التي تكاد تكون صورة وصوت بدون مغزى أو رسالة واضحة إلا ما ندر منها... مما جعل أغلبها أعمالاً عالية الإنتاج ولكنها مفرغة من حيث قضايا الأمة، أو تحاول أن تكون دراما غير مناسبة اجتماعياً داخل الصالونات الأسرية لفرط المشاهد الخادشة للحياء أو التي تروّج لقضايا خطيرة للأسف...
ولكن منذ سنوات بدأت الدراما الفلسطينية تتطور ببطء، ولكنه يسير بخطى واثقة نحو الهدف الأسمى والقضية العربية والإسلامية الأهم: فلسطين.
بدايات صعبة
إذا ما صنفنا الأعمال الفلسطينية التلفزيونية ذات السيناريو والإنتاج والإخراج الفلسطيني، فنستطيع القول إن مسلسل "حكايات من التراث الفلسطيني" (في منتصف التسعينيات) هو من أول الأعمال الفلسطينية، وهي عبارة عن سلسلة درامية قصيرة تناولت قصصًا شعبية فلسطينية، وتُعد من أوائل الإنتاجات الدرامية المحلية التي صُنعت بتمويل وإدارة فلسطينية كاملة.
ثم انتقلت الدراما الفلسطينية إلى الكوميديا السوداء أو الناقدة للوضع داخل أراضي السلطة الفلسطينية من خلال سلسلة "وطن على وتر" والتي انتقدت بصورة تهكمية حال الفلسطيني تحت الاحتلال وفي ظل الانقسام الحاصل والذي لا زال للأسف.
إسقاط الضوء على تاريخ القضية الفلسطينية
بعد ذلك قفزت الدراما الفلسطينية قفزة نوعية مع المخرج الفلسطيني الشاب بشار النجار الذي أشرف على إنتاج وإخراج أول المسلسلات التي تسلط الضوء على حقبة الاستعمار البريطاني لفلسطين وبدايات المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية إلى فلسطين عبر عملين غاية في الروعة والأهمية وهما مسلسل "أولاد المختار".
والعمل الثاني هو "أم الياسمين" يسلط الضوء على حارة الياسمينة وهي أحد الأحياء القديمة في مدينة نابلس من خلال تصوير واقع المدينة وفلسطين في ظل الاستعمار البريطاني، وهو من بطولة نخبة من الممثلين والممثلات الفلسطينيين.
مواكبة الثورة الفلسطينية... والطوفان
في العام ٢٠٢٤، قام المخرج الفلسطيني بشار النجار بإخراج الجزء الأول من مسلسل "نزيف التراب" وهو عمل فلسطيني درامي يحاكي هروب الأسرى عبر نفق من أحد السجون الإسرائيلية، ويسلط الضوء على عمليات المقاومة وكتائبها في مدن ومخيمات الضفة، وعمليات الاجتياح البربرية للقرى والبلدات التي ينفذها الاحتلال... وقيام مستوطنيه بعمليات الاعتداء على المزارعين وإحراق البساتين والاعتداء على المدارس والطلبة.. وعمليات الاعتقال الإداري التي ينتهجها...
المقاومة في الدراما الفلسطينية
في الجزء الثاني من مسلسل "نزيف التراب" برزت فكرة المقاومة واضحة ومتسعة ومنظمة بطريقة سرية تحاكي الواقع في الضفة.. كما تسلط الضوء على دور كل القطاعات في المواجهة من خلال النسوة الفلسطينيات ودورهن البارز جنباً إلى جنب مع الرجال.. إضافة إلى دور المعلمين والأطباء والطلاب كوحدات بشرية رديفة في معركتها اليومية مع الاحتلال.. ناهيك عن دور النخبة المثقفة.
في كلا الجزءين لم يغيب المخرج والكاتب أسامة ملحس فكرة العمالة وبشاعة دور العميل في إجهاض العمل الثوري والمقاوم من خلال شخصية خليل العميل الذي يكون مرتبطاً بأحد ضباط العدو وينقل له أخبار الحراكات في القرى والبلدات المجاورة لقرية تل الصبر.
الحياة الاجتماعية الفلسطينية في الدراما
في خضم تلك الأعمال لم يغب تصوير الحياة الفلسطينية كما هي من خلال التركيز على القيم والعادات الاجتماعية الفلسطينية.. في الفرح والحزن والحياة اليومية مروراً بالأمثال الشعبية.
كما أن الأعمال التلفزيونية السابقة كلها ساهمت في تصوير المطبخ الفلسطيني والأكلات الشعبية في بعض القرى والبلدات في الضفة بطريقة اجتماعية بسيطة وتحترم أخلاق المجتمع وحياءه الاجتماعي..
لقد ساهمت تلك الأعمال رغم بساطتها ونقص مواردها المالية والبشرية والتقنية في إعادة إنتاج فلسطين كما هي بصورة وصوت فلسطينيين... كما أسهمت في تكريس دور الدراما في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي من خلال إعادة المشاهد إلى لب الصراع ومحور الأمة في صراعها مع المحتل.. مبرزة دور المقاومة الفنية والمرئية كفعل مقاوم إلى جانب البندقية والقلم... وتكريس كل الإمكانيات للتناقض والصراع الأساسي مع المحتل.
واليوم بعد مرور الشهر الفضيل، ننتظر ككل المتابعين للتلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي أخباراً جديدة تعيد إلى بدايات الفكرة وأصالتها.. تلك الفكرة التي جسدها آلاف الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عنها... وبعضهم ما زال ينتظر...
ننتظر أي قصيدة تحاكي أملنا المتشبع بالألم والانتظار... على عتبات عودتنا وحريتنا المنشودة..
ننتظر نشيداً أو موسيقى تحاكي روحنا المهاجرة بين خيمة وسجن ومجزرة....
في زمن غابت فيه أصالة الفن.. ننتظر بفارغ الصبر الجزء الثالث من مسلسل "نزيف التراب".. عله يداوي بعضاً من آمالنا الجريحة.. وظلالنا المكسورة... وخيالنا المسافر نحو درب القيامة... وتقرير المصير.
ومن غيرنا يجيد الانتظار منذ عقود... ولم نيأس.

