تشهد الساحة السياسية الأمريكية غلياناً غير مسبوقا يضع الدستور في مواجهة مباشرة مع الصلاحيات الرئاسية، حيث يقود الحزب الديمقراطي في مجلس النواب حراكاً استراتيجياً مكثفاً يهدف إلى عزل الرئيس دونالد ترامب عبر بوابة "التعديل الخامس والعشرين"، وهو مسار دستوري يمثل الملاذ الأخير للدولة العميقة والمؤسسات التشريعية حين تستشعر خطراً داهماً على الأمن القومي.
تأتي هذه التحركات مدفوعة بتصريحات الرئيس ترامب وصفت بالانفعالية، لوحت بإنهاء حضارات بأكملها في سياق المواجهة مع إيران، مما دفع المشرعين والخبراء القانونيين إلى توصيف هذه التهديدات كبوادر لارتكاب "جرائم حرب" تخالف ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف التي تلتزم بها الولايات المتحدة، لاسيما وأن القانون الدولي الإنساني يحظر بشكل قاطع استهداف المدنيين أو التراث الثقافي والحضاري تحت أي ذريعة عسكرية.
تتمحور المقاربة الديمقراطية، التي يقودها زعيم الأقلية في مجلس النواب الأمريكي حكيم جيفريز والخبير الدستوري جيمي راسكين، حول استغلال "الثغرة التنفيذية" في التعديل الخامس والعشرين، والذي لم يصمم تاريخياً للتعامل مع الخلافات السياسية، بل لحالات العجز الجسدي أو العقلي الواضح. إلا أن القراءة الديمقراطية الحالية تحاول توسيع مفهوم "عدم الأهلية" ليشمل اتخاذ قرارات تدميرية تفتقر للعقلانية الاستراتيجية وتعرض مصالح البلاد العليا للخطر.
وبالتوازي مع هذا المسار، يسعى الحزب الديمقراطي إلى تمرير قرار "صلاحيات الحرب" لتقييد يد البيت الأبيض، وهي خطوة تعكس أزمة ثقة عميقة بين القائد الأعلى للقوات المسلحة والمؤسسة التشريعية، في وقت تمر فيه منطقة الشرق الأوسط بمرحلة حرجة من التصعيد المتسارع.
هذا المسار يواجه معضلات قانونية وسياسية كبرى؛ إذ إن تفعيل المادة الرابعة من التعديل الخامس والعشرين يتطلب موافقة نائب الرئيس وأغلبية أعضاء الحكومة، وهو أمر مستبعد في ظل الإدارة الحالية التي تتسم بالولاء الحزبي الشديد.
ومع ذلك، يرى محللون استراتيجيون أن الهدف من هذا التحشيد هو "الردع السياسي" وليس العزل الفعلي فقط؛ فالديمقراطيون يسعون لتطويق تحركات الرئيس عبر خلق حالة من الرقابة المشددة، ووضع الجمهوريين أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية، مما قد يؤدي إلى انشقاقات داخل المعسكر المحافظ في حال استمرت التهديدات بتجاوز الخطوط الحمراء الدولية.
إن لجوء حكام ولايات وازنين، مثل حاكم إلينوي جي بي بريتزكر، للمطالبة بالعزل الفوري يرفع سقف المواجهة من أروقة الكونجرس إلى القيادات المحلية، مما يعزز زخم الضغط الشعبي.
على المستوى الدولي، تثير هذه الأزمة تساؤلات جوهرية حول ثبات العقيدة العسكرية الأمريكية، فالتلويح باستخدام القوة المفرطة ضد مراكز حضارية لا يزعزع الاستقرار الإقليمي فحسب، بل يهدد التحالفات التاريخية لواشنطن، ويمنح الخصوم الدوليين مثل الصين وروسيا مادة دسمة لتقويض النموذج الديمقراطي الأمريكي وتصويره كنظام غير مستقر.
إن المعركة القادمة في أروقة واشنطن لن تكون مجرد نزاع قانوني حول نصوص دستورية، بل هي صراع على هوية السياسة الخارجية الأمريكية ومكانة القيم القانونية والإنسانية في صناعة القرار الاستراتيجي، وهو ما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مصير التوازن بين السلطات في الدولة التيةتعتبر نفسها الأقوى والاكثر ديمقراطية في العالم.

