قبل ثلاث سنوات كتبت تحت هذا العنوان هذا المقال، ووجدت أنه ما زال معبرا عن واقع ما يجري في العراق، وإذ أعيده بتغيرات مناسبة تأكيدا وتوثيقا، بعد كل السنوات التي مرت على غزو الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الغربيين والمتخادمين العرب معها، للعراق، منذ ( آذار/ مارس- نيسان/ ابريل 2003 )، واحتلاله وتدمير دولته تحت حجج وذرائع ثبت خداعها وتضليلها للرأي العام العالمي والمحلي منذ بدايتها، وفضح جوهر السياسات الإمبريالية ومشاريع التخريب والهيمنة والاستغلال وكي الوعي، و"كسب القلوب والعقول" وخطط "الصدمة والرعب". وهذه متناقضات فضحتها الوقائع والكوارث التي مارستها إدارة الاحتلال في العراق.
كُتب الكثير وصدرت دراسات وأبحاث ومذكرات عن هذا العدوان، الغزو والاحتلال، وكُرس بعضها لفضح جريمة الاحتلال ذاتها، إضافة إلى إعلان الخسائر الجسيمة بشريا وماديا. وركزت كلها وقائع وأحداث ما حصل وجرى خلال كل تلك السنوات من الغزو والإحتلال والإختلال. من بين تلك الكتب كتاب "الحرب الخفية" الذي كتبته الأستاذة جوي غوردن، أستاذة الأخلاق الاجتماعية في قسم الفلسفة وكلية القانون في جامعة لويولا- شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية. والعنوان الفرعي له: أمريكا والعقوبات على العراق، وتضمنت محتوياته ما يكشف خطط تدمير العراق، من خلال العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والمتخادمون معها، غربيا وعربيا، وما تولد منها وعنها من تداعيات وآثار كارثية.
صدر الكتاب باثني عشر فصلا، وبثلاثمائة وواحد وخمسين صفحة من القطع الكبير وبحروف صغيرة. وكتب الناشر على غلافه الأخير: “هذا الكتاب، كانت العقوبات الإقتصادية المفروضة على العراق منذ عام 1990 إلى عام 2003 هي الأكثر شمولا وتدميرا من أية عقوبات أخرى، وضعت باسم الحوكمة الدولية، فقد أدت تلك العقوبات، التي ترافقت مع حملة عسكرية ضد العراق عام 1991 انتهت بغزوه عام 2003 إلى انهيار البنية التحتية للعراق ومختلف المقومات الأساسية اللازمة لاستدامة الحياة فيه.
بحث الكتاب في إدانة واضحة للسياسة الأمريكية في الدور الرئيسي الذي أدته الولايات المتحدة في صوغ تلك العقوبات على العراق، التي أسفرت عن وضع قيود صارمة على الواردات العراقية حتى لأبسط السلع الحيوية، من أنابيب المياه إلى منظفات الغسيل إلى لقاحات الأطفال، بذريعة” الاستخدام المزدوج” لهذه السلع وإمكان إفادة العراق منها لتصنيع ”أسلحة الدمار الشامل”. وقد شرح الكتاب بالتفصيل، استنادا إلى الآلاف من وثائق الأمم المتحدة الداخلية ومحاضر الاجتماعات المغلقة فيها (التي أتاحت المؤلفة النفاد إليها عبر الرابط https://www.invisiblewar.net) فضلا عن مقابلات مع دبلوماسيين أمريكيين وأجانب، كيف أن الولايات المتحدة لم تكتف بمنع وصول السلع الإنسانية الحيوية إلى العراق فحسب، بل قوضت من جانب واحد أي محاولات للإصلاح، عبر تجاوز مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة، والتلاعب بالأصوات في مجلس الأمن، بهدف الاستمرار في العدوان على العراق الذي انتهى بتدمير كل مقوماته المؤسسية والإقتصادية والإجتماعية، العسكرية والمدنية على السواء”. (من مقال للكاتب في قراءته للكتاب نشر في العديد من المواقع الالكترونية، يراجع عبر محرك بحث).
واجه الشعب العراقي، خلال تلك السنوات من الاحتلال، أنواع سياسات الاحتلال القمعية والاستغلالية والإرهابية والتعسفية، وعانى من صنوف انتهاكات الحقوق والالتزامات القانونية والأخلاقية، ولم تنته الأزمات التي ولّدها في العراق، كما يتبين من الوقائع اليومية الجارية على الأرض. فالعراق البلد الثري بكل الخيرات البشرية والمادية يعاني من شحة وانحسار بكل ما لديه، بل وازدادت مشاكله وإشكاليات الإصلاح والتغيير فيه إلى درجات وضعته التقارير الدولية في مستويات لا يحسد عليها على جميع الأصعدة، مما يعكس طبيعة سياسات الاحتلال وصعوبات سنواته العجاف. وحتى الآن وبعد التنفيذ الرسمي لاتفاقية انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي العسكرية، نهاية العام 2011، ومثلها القوات التي شاركتها الجريمة في انسحابها الكامل من أرض العراق والتقاسم مع الإدارة الأمريكية بالفتات التي تتكرم بها من خيرات العراق الطبيعية، تحول الهم الأمريكي، وخاصة من خلال زيارات مسؤولين أمريكان، علنية أو سرية، وإجراء لقاءات بالمسؤولين العراقيين، تتلخص بالعمل على البحث عن وسائل خداع أخرى، تستر الفضائح السابقة وتجدد مشاريع وخطط الإدارة الأولى التي على ضوئها أقدمت بحماقات وجرائم الاحتلال العسكري المباشر وتدمير الدولة العراقية، وإعادة انتشار لوحدات عسكرية وقواعد عسكرية وتدخلات مباشرة، من خلال أكبر سفارة في المنطقة، مساحة وبناء وعديدا من العاملين فيها، أجهزة و أدوارا، بكل الشؤون السياسية والأمنية والإقتصادية في العراق والمنطقة عموما.
والأبرز الذي أظهرته سياسات الاحتلال في العراق خلال سنواته هو تكريس نهج المحاصصة الطائفية الدينية والاثنية، وصناعة الأزمات المحلية بين القيادات السياسية وتجمعاتها الحزبية وإشاعة التقاسم الاثني والطائفي في المجتمع وتفشي الفساد والإفساد في الإدارة والحكم وزرع ألغام مؤقتة في العملية السياسية التي أدارتها وأشرفت عليها ومازالت تواصل سيرها في إطار بنائها السياسي وصناعة قاعدتها الاجتماعية التي تدير شؤون البلاد والعباد. (تراجع مثلا مقالات الكاتب عن المشهد السياسي في العراق في جريدة الأخبار اللبنانية والمدونة الشخصية ومواقع الكترونية).
بعد كل تلك السنوات من الاحتلال رفعت إدارتاه، الأمريكية والبريطانية، السرية عن وثائق لهما، أكدتا اعترافات للعديد من مسؤوليهما بجرائمهما التي ارتكبتاها في قراراتهما وخداعهما ومشاريعهما وأعمالهما المباشرة.
نشر الجيش الأمريكي دراسة من ألف صفحة تناقش تاريخه العسكري في العراق، متضمّنة مئات الوثائق التي رُفعت السرية عنها، محمّلة القوات التي غزت العراق ارتكاب "أخطاء فادحة"، كما اطلق عليها وليس جرائم حرب وضد الإنسانية، كما هي في الواقع والقانون والأعراف.
استخلصت الدراسة التي تم نشرها عام (2019) الدروس من العثرات العسكرية العديدة خلال غزو العراق، الذي استمر 8 سنوات؛ بين عامي 2003 و2011، كما بررت، ووسعت الاتهام إلى الحكومة العراقية والمتخادمين معها لارتكابها أخطاء (!) أدّت إلى تفاقم الانقسامات الطائفية، وتسبّبت بعودة العنف للبلاد، مؤكدة أن الحرب التي بدأت عام 2003 لم تنتهِ بعد، متهربة من دورها وخططها في تكريس او انتاج هذه الظواهر والحالات والازمات.
أشارت الدراسة إلى أن "الخطط العسكرية لم تكن تتوقع اتخاذ قرار سحب جميع القوات الأمريكية في خريف 2011، بل استندت إلى افتراضات خاطئة مفادها أن وزارة الخارجية ستدعم جهود التدريب، في حين أن الجهود المبذولة لتدريب الجيش العراقي لم تكن كافية". وجاء في الدراسة أنها لا تُلقي باللوم الكامل على الأخطاء العسكرية أو السياسية، بل كذلك على ما اعتبرته "قلّة وعي لدى قادة الجيش الأمريكي حول الديناميكيات الطائفية والاجتماعية والسياسية في البلاد، والتي غذّت الكثير من أعمال العنف". وحمّلت الدراسة واشنطن تبنّيها تفسيرات خاطئة عن مستويات العنف وعدم الوعي في تأمين الاستقرار مع تراجع أعداد قواتها، الأمر الذي أدّى إلى فشل قادة جيشها في تحقيق الأهداف الاستراتيجية مع مرور الوقت؛ بسبب القرارات التي اتُّخذت بالتوافق.
فضحت هذه الدراسة خطط إدارة الاحتلال واعترفت بالجرائم التي ارتكبت وستبقى وثيقة إدانة للاحتلال وبرهانا عليه، بالمعنى القانوني والأخلاقي، رغم محاولات التهرب من الإدانة المباشرة وإقرار الارتكاب. ومثل هذه الجرائم لا تنتهي بالتقادم ولابد من يوم للمحاكمة والعدالة الإنسانية.
أما الإدارة البريطانية، الحليف الشريك، فقد كشفت وثائق رفعت السرية عنها، (شباط/ فبراير 2023 ) تأكيد معرفتها بعدم صحة مزاعم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل أو صواريخ بعيدة المدى قبل الغزو بعامين على الأقل. إذ فضحت الوثائق كذبة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير و أشارت إلى علمه بخلو العراق من أي قدرات لامتلاك أسلحة محظورة وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، وبطلان ذريعته بالمشاركة في الغزو والاحتلال، وفضح ادعاءاته بالأسلحة والخداع بها.
ذكرت قناة "بي بي سي" البريطانية أنه "بعد انتهاء الحرب، التي أدت إلى تدمير العراق ونزوح ملايين العراقيين وإسقاط نظام صدام حسين، تبين أن ادعاءات وجود أسلحة دمار شامل لدى النظام بلا أساس".
من جهتها أدانت لجنة تشيلكوت، في تموز/ يوليو 2016، التي شكلتها الحكومة البريطانية، الدور الذي لعبته بريطانيا في الحرب (!)، و(العدوان السافر والارتكابات الاجرامية!)، وكتبت بالتفصيل، في تقرير مطول، عن المعلومات الاستخبارية الخاطئة والأسس القانونية المشكوك فيها التي استندت بريطانيا إليها في غزو العراق، ورفعت الى الرفوف او اخفيت رغم كل محاولات التستر أو الدوران على الوقائع الكارثية.
بينما استمر توني بلير رئيس الوزراء البريطاني -آنذاك- في الدفاع بقوة عن المشاركة في غزو العراق، ولكنه أمام اللجنة والإعلام عبر عن "شعوره بقدر من الأسى والندم والاعتذار أكثر مما يمكن تصوره عن الأخطاء التي ارتكبت في الإعداد لحرب تسببت في حدوث شرخ عميق في المجتمع البريطاني". محاولا التملص من مسؤولياته القانونية والاخلاقية ومهماته وتحمله نتائجها وتداعياتها، ليس عن المجتمع البريطاني وحده، وإنما عن الشعب العراقي، وما سببه له وما حصل جراء مشاركته واندفاعه في الغزو والاحتلال.
كما أظهرت الوثائق اعتراف الحكومة البريطانية عام 2001، بفعالية العقوبات العسكرية والتسليحية والتكنولوجية في سياق مراجعة أجرتها إدارة بلير للسياسة الأمريكية البريطانية بشأن العراق، و أرادت بريطانيا عرض سياسة جديدة أسمتها "عقد مع الشعب العراقي" على أركان إدارة بوش، تستهدف استعادة المساندة، خاصة من دول وشعوب المنطقة العربية، للسياسة الأمريكية البريطانية في التعامل مع العراق. وحتى هذا الذي ورد في الوثائق لم تنفذه إدارة الاحتلال البريطانية وظلت ذيلا تابعا لسياسات البنتاغون وداعميه من اللوبيات المعروفة.
وكنت قد تتبعت كل ذلك في اربعة كتب صدرت لي. وورد في الغلاف الأخير للكتاب الرابع الذي كان بعنوان: العراق.. صراع الإرادات، عن دار التكوين، دمشق عام 2009، (هذا هو الكتاب الرابع في تسلسله، فقد سبقته ثلاثة كتب، هي: لا للحرب، خطط الغزو من أجل النفط والإمبراطورية، صدر عن دار نينوى، دمشق 2004، لا للاحتلال، إسقاط التمثال وسقوط المثال، عن دار التكوين، دمشق 2005، واشنطن - لندن: احتلال بغداد، عن دار التكوين، دمشق 2007، ضم كل كتاب ما نشره الكاتب من مقالات في صحف ومواقع عربية، في فترة زمنية مؤرخة، وعبر في كل ما كتب كما سجل في مقدمة الكتاب الاول عن مواقف من خطط الغزو والاحتلال، وعن آراء فيما تعرض له الشعب العراقي الكريم والوطن الحبيب من عدوان سافر وجريمة حرب مستمرة وهذه المجموعة من المقالات استمرار لسابقاتها، زمنيا، مواصلا فيها ما اعتبره موقفا واضحا من العدوان والغزو والاحتلال ودعوة متواصلة لتأسيس مرصد مراقب ومحذر من الكوارث التي حلت في العراق و أفغانستان وفلسطين ولبنان و السودان والصومال وتتجه بأخطبوطها لغيرها على امتداد منابع النفط والثروات الاخرى، وقراءة لما جرى وما يمكن الاستفادة منه من عبر ودروس التجارب والأحداث ومطالبة دائما بحقوق الشعب ومثله وثرواته البشرية والمادية.
أعادة قراءة الأحداث وتسليط الأضواء عليها أو على مجرياتها أو ما يتعلق بها مباشرة أو بشؤون العدو المحتل مهمة كبيرة وضرورية لحركة التحرر وبرامجها، وبلا شك تفيد في الاعتبار من تداعياتها الخطيرة والانتباهة منها، وتدفع الى العمل على تحقيق مشروع تحرري وطني تقدمي ).
بعد كل تلك السنوات من الاحتلال وفي تذكره، نشطت الزيارات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية لبلدان المنطقة، و أبرزها العراق، تسللا وسرا وعلنا، والتأكيد فيها على مواصلة النفوذ الأمريكي وتغليب دور بارز للسفارة الأمريكية في التحكم في الشؤون العراقية، والتصريح بعكس واقعها الامبريالي والهيمنة الراسمالية. وقد تعوّد العراقيون على تناقضات التصريحات بين المسؤولين العراقيين والأمريكان، وبين داخل كل طرف ومقابله، تتوارد الأخبار عن كيفية تعاطي الإدارة الأمريكية مع قضية الانسحاب العسكري الرسمي، وتغيير الطبيعة العسكرية للاحتلال، بين بقاء أعداد معينة واستثمار بقاء قواعد عسكرية ثابتة وبين التحول إلى النوع الجديد الذي تفصّل الآن فصوله وصفحاته، وفي كل الأحوال لا يتغير من الواقع اليومي الكثير والمنتظر منه، فالاحتلال باق جوهرا ومختلف تسميات ومظاهرا، والأخطر طبعا ما يضمره من نوايا شريرة في رسم الخرائط الجديدة التي يشهرها بين وقت وآخر ويتغنى بها المعجبون بها أو الشامتون أحيانا. كما إن ما يخفى الآن قد يتسرب غدا، وهو في كل الأحوال أسوأ من حاله. فسواء تم الانسحاب كاملا أو تذرع ببقاء أعداد معينة منه، وسواء غيّر الأسماء في عملياته أو أبقاها رنانة فان أهدافه الحقيقية غير مخفية، منذ أول احتلال عسكري غاشم في التاريخ والى الآن، ومهما تلونت الأسماء وصفق لها من خدع بها أو تخادم معها فان الحقيقة كالشمس، لا يخفيها غربال. وهنا الخطورة الفعلية في الرسائل التي تقدمها الادارة الامريكية في الذكرى العشرين للغزو والاحتلال، وما تلاها..
مازالت انشغالات الوضع العراقي الداخلي ومظاهر الأزمات فيه وتمددها على مختلف الأصعدة، راهنة او متموجة، بعد كل تلك السنوات من الاحتلال، من جهة، وتعكس كل يوم أزمة الاحتلال وسياساته وتطبيقاتها على الأرض من جهة أخرى. وهو الأمر الذي يوضح الفوضى الخلاقة التي أرادها المحافظون الجدد في العراق والمنطقة وتبناها من خلفهم وأدار بعدهم ما يحصل في العراق اليوم. التحديات التي عبرت عنها إدارة الاحتلال ولم تضع لها حلولا تناسبها ويخفف عن الشعب العراقي ما وضعته سياساتها الدموية، تنشرها تقارير المنظمات الدولية وتكشف فيها صورا أخرى، أكثر واقعية وأوسع أثرا، وتفضح ما تحاول الادارة الامريكية والمتخادمون معها، التستر عليه والتخطيط لاستثماره للعناوين الجديدة التي تطرح للعراق الجديد!.
بعد كل تلك السنوات من الاحتلال الأمريكي للعراق، العنوان يتكرر، بصيغ أخرى أو أساليب تصب في خدمته، رغم كل التوترات والارتباطات الإقليمية والدولية، ورغم تصاعد الأزمات وتنوعها، مازالت المطامع الإمبريالية موجودة في موقع العراق الاستراتيجي وثرواته المنوعة وأمن المنطقة واستقرارها، والصراع عليها وحولها، وهو ما يتوجب ادراكه بوعي للسنوات القادمة..

