Menu

أما آن لنزيف تراب "صُحاب الأرض" أن يتوقف !..

الهام الحكيم

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

منذ بداية الثورة في سوريا عام 2011 لم أتابع الدراما التلفزيونية إلا ما ندر – انتقاء العناوين التي تشدّ الانتباه – وقد اعتدت على ذلك في ظل تلاحُق الأحداث فمنحتُ نشرات الأخبار عبر الشاشة الصغيرة والسوشيال ميديا الوقت الأكبر من المتابعة خاصة بما يتعلق بالقضية الفلسطينية والسورية التي كانت تشكّل عملاً تراجيدياً نازفاً بشكل يومي! ، وقد ترسّخ تجاهل المسلسلات خلال السنوات الثلاث الأخيرة مع تصاعد العدوان الصهيوني على غزة ! هذه العادة لم تتبدل عندي كذلك الكثير من الأهل والأصدقاء رغم التنافس الهائل بين الشركات الإعلانية والإعلامية والضخ المتصاعد بالترويج للمسلسلات الرمضانية – حسب توصيفهم - على أبواب الشهر المبارك البريء من غالبية عروضهم التجارية السخيفة والمبتذلة التي يحاول المنتجون تسويقها بحجة أن "الجمهور عاوز كدة " وأن هذا النمط يجذب المتابع خاصة في ظل اتساع الإعلانات المروّجة لها باعتبارها "مسلسلات الأسرة " ! لكن العديد من الأعمال المميزة أثبتت أن رقي الذوق الفني للمشاهد يدفعه لاختيار البرامج الترفيهية والمسابقات والأعمال الفنية المنوّعة الاجتماعية أو التاريخية أو الكوميدية الجيدة التي تحترم عقله بدليل الحضور الأكبر للدراما التي تلامس حياة المواطن وبيئته الاقتصادية والثقافية والدينية .. هذا العام لم أتردد باختيار عملين فقط / صُحاب الأرض " مصري " و نزيف التراب " فلسطيني " وقد تابعته للموسم الثالث / وأعتقد أنني أحسنت انتقاء الأفضل دون نفي وجود الكثير من الدراما الاجتماعية والإنسانية المشوقة التي تناقش قضايا واقعية تنتمي للبيئة العربية وتستحق المتابعة .

نزيف التراب : للموسم الثالث مازال هذا المسلسل من الأعمال المميزة التي تلامس همومنا , فهو عمل فلسطيني بامتياز من الألف إلى الياء .. يعكس واقع المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية , يتحدث عن المقاومة ضد جيش الاحتلال والمستوطنين في - نابلس وجنين – إلى جانب التركيز على العلاقات الاجتماعية بين الأهالي الذين يمثلون الحاضنة الشعبية للكتائب مع تمسكهم بهويتهم الوطنية وحق أبنائهم بالحياة والتعليم بكل المراحل الدراسية .. يعكس العمل دور المرأة والطلاب بما فيهم الأطفال بدعم المقاومة فنياً وثقافياً وإنسانياً.. ودور المؤسسات الصحية ووجهاء البلد بحماية الثوار .. إضافة لمحاربة الأهالي لظاهرة العملاء وبيع الأراضي والممتلكات الفلسطينية عبر الوسطاء الذين يتحايلون بكل الأساليب للاستيلاء عليها وتسريبها للمستوطنين ! كما يسلّط الضوء على المطاردين ومعاناة الحركة الأسيرة - رجال ونساء وأطفال – من توحّش السجانين !.وآثر المؤلف الإضاءة على أن المقاوم ينشد الشهادة ليس حباً بالموت بل ليخطّ الحياة لشعبه ..

حبكة درامية ناجحة زاوجت بين الفن والإنسانية والوطنية بأسلوب سلس أبدع طاقم العمل - مؤلفاً ومخرجاً وممثلين وعاملين - بتجسيده فكانوا أبطالاً بحق رغم ضعف الإمكانيات الإنتاجية في ظل الاحتلال الذي يلاحق الفلسطيني في كل مكان فوق الأرض الفلسطينية النازفة !.

يغوص المتابع في زوايا العمل ويعيش أدق تفاصيله دون الشعور بالمباشرة والإسقاط كونه يعكس الحياة المأساوية التي يعيشها الفلسطيني الرافض للاحتلال .. نشاهد عملاً فنياً واقعياً بلا تكلّف أو مبالغة فيه بدءاً بالملابس أو المكياج أو الديكور الذي يمثل كل واحد فينا على بساطته، وأنا على ثقة باستخدام الفنان لملابسه الشخصية التي يرتديها في حياته اليومية في البيت أو العمل أو الجامعة، كما يضفي الحوار العفوي باللهجة الفلسطينية لكل بلدة نكهة محببة تشدّك نحو التمسك بالانتماء لهذه التوليفة المجتمعية بين المقاوم و العائلة والفنانة التشكيلية ، الطبيب والممرض وأهل البلد، الجامعي والعامل والفلاح، التلاحم بين الغني والفقير، التواصل بين الضفتين وغزة والدول العربية .. كل هذا تحت الراية الفلسطينية الواحدة والهوية المشتركة .

صُحاب الأرض : مسلسل مصري أثار الضجة منذ اللحظة الأولى لإطلاق البرومو الخاص به وقد عاداه كيان الاحتلال المتخوّف من سطوع الحقيقة وحاول إيقاف عرضه فانقلب السحر على الساحر وتشوّق الناس لرؤيته وتصاعدت وتيرة المتابعة ليشكّل ترينداً عربياً واسعاً وصل للعالمية بنسخته المترجمة ..عمل فني مميز يمكن اعتباره وثيقة صادقة تنقل معاناة الغزيين من العدوان الصهيوني الوحشي والإبادة الجماعية والحصار الذي يحفّز طبيبة مصرية على التطوع بدافع إنساني والعمل بإحدى المشافي والمساهمة بإسعاف الجرحى والمصابين، تتعرف بالمشفى على رجل فلسطيني أسرته مشتتة بين غزة والضفة، يحاول إسعاف ابن شقيقه "يونس" وهو الناجي الوحيد من عائلته التي قُصف بيتها وبقيت تحت الأنقاض .. تتمسك الطبيبة بمتابعة حالة الطفل المصاب رغم كل الظروف والأحداث التي تمر بها وهي الأم التي تعاني من فقدان طفلها الوحيد .. يشكّل الثنائي حالة فريدة فيها من التلاحم والتعاضد الإنساني السامي الذي يؤشر على وحدة الشعب العربي، تنضم لهما أم شابة حامل بشهرها السابع يلاحقها قرار الإعدام فيتوليان أمر حمايتها حتى الولادة المبكرة ووفاتها ثم إيصال وليدها لزوجها المصري لاحقاً.. تتوالى الأحداث التي تكشف وحشية الاحتلال وتعدّيه على كل المقدرات الفلسطينية بما فيها المؤسسات الدينية والثقافية والصحية والتعليمية والإعلامية.. ولا تنجُو حضّانات الأطفال من الهمجية والاستهداف .. تجويع الأهالي ونزوحهم لأماكن مختلفة عدة مرات بهدف تهجيرهم ، وهذا يقابله الإصرار الفلسطيني على البقاء بدافع الانتماء للأرض كونهم أصحابها الشرعيين ويتوارثونها جيلاً إثر جيل فالجدة المريضة تحرص على تأمين مفتاح البيت مع الطبيبة لتسليمه لحفيدها قبل إخلاء المشفى بهدف نسفها، والجدّ يصرّ على التمسك بمنزله المدمّر وعدم الرحيل رغم إصابته بالزهايمر، الصحفي يوثق بالصوت والصورة كل ما يحصل حوله ثم يستشهد فيتسلم الكاميرا شاب آخر ..المدرّس ينقذ تلاميذه حتى استشهاده مع زوجته الممرضة بالمشفى والحامل ببكرهما !. الطفل يستخلص السولار من البلاستيك ليساعد أهله.. صراع البقاء والتفتيش عن الطحين المغمس بالدم.. السائق المصري المتطوع يجد نفسه جزءاً من الحالة الفلسطينية المستهدفة.. وسط كل ذلك تقام الأفراح والأعراس فوق الدمار - لإنو الحياة لازم تستمر.

ينتهي المطاف العسير للمصرية والفلسطيني - حيث تقاس الحياة بالثواني - بحماية الطفلين وخروجهما من غزة مع الطبيبة عبر الهلال الأحمر المصري لمتابعة العلاج في مصر ثم عودة الطفل يونس بعد الشفاء إلى غزة ومواصلة لعب كرة القدم ويبقى الرجل على أمل اللقاء ببناته بعد عودتهم من القدس !..

قصة رائعة وثقت الألم والأمل الفلسطيني في غزة المقاوِمة للإبادة المحتضنة لأبنائها رغم كل الظروف وثّقت التناقضات الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني وسط الإبادة والتهجير فنقلها الممثلون بكل عفوية وصدق ومهنية عالية فتقتنع للوهلة الأولى أن التصوير تم فيها فعلاً لكن المحاكاة الصادقة للواقع عبر بناء المدينة التي تنقلنا في عوالم الإبداع والتميز لكل الكادر الفني تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً أرعب الاحتلال لأن العمل مثّل أصحاب الأرض الشرعيين بصدق وإخلاص تناقلته وسائل الإعلام العربية والغربية المختلفة وسلطت الضوء عليه ليتحول إلى وثيقة حيّة يمكن الاعتماد عليها بالمحافل والهيئات الإنسانية الدولية ..

مع نشوة الفرح بنجاح المسلسل لا أُغفل تسجيل الأسف على تشويه النهاية بالحديث عن ترامب وإطلاقه مبادرة السلام وإنهائه العدوان على غزة باعتباره البطل المخلّص وسط الزعماء المرحّبين به في مشهد هزلي – المضحك المبكي – علماً بأن غزة بقيت تحت النار ومازالت تتلقى الضربات والقصف والقتل حتى اليوم بصمت مطبق مع انشغال العالم بالعدوان الصهيوأمريكي على إيران حبذا لو اقتصرت التحية للجهات المصرية ذات الصلة دون إقحام الشريك بالمجزرة والإبادة وكأنه - رجل سلام - والسلام بريء منه !.. يعني ألم يكن من الإنصاف توجيه الشكر للدواب الذين ساعدوا الأهالي بدل السيارات بالحل والترحال بعد نفاد الوقود وتخريب الشوارع وصعوبة استخدامها !.

لا يمكن لنا إلا توجيه التحية لكادر العمليْن المبدعِين بكل حركة وسكون على أمل أن يتوقف نزيف تراب "صحاب الأرض" ليعيشوا بحرية وسلام وكرامة كما أقرانهم في العالم.