Menu

سؤال الهوية في عصر الشتات الرقمي

باسمة حامد

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

تتكوّن الهوية في رحاب اللغة والعرق والأرض والمجتمع والدين والعوامل التاريخية والجغرافية والسياسة والثقافية والاقتصادية، فهي اختزال للذاكرة الجمعية والإرث الحضاري، وهي المرآة التي ترى فيها الشعوب ذاتها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، والبوصلة التي توجّهها إلى الطريق الصحيح في الأزمات والحروب والأحداث المفصلية، وأي تهديد لها هو تهديد للإنسان ذاته.

فكرة ضاربة في التاريخ ولكن..

إن فكرة الهوية ومشاعر الانتماء الجماعي ليست وليدة اللحظة بل تمتد جذورها في عمق التاريخ، ومن الممكن تلمّسها في ظواهر الحضارات الإنسانية وكذلك في المفاهيم الجماعية للقبيلة والطوائف والدول والأديان والأمّم، وكلها مفاهيم تتجاوز حدود الفردية الضيقة وتتحد مع الجماعة وتحتضن الإنسان وترعى وجوده ومصالحه وكينونته، وأي تصوّر للهوية يخرج عن هذا النطاق هو تصوّر خاطئ بالتأكيد.

لكن ثمة ما يُقال حول هذا التصور في ظل التكنولوجيا وتقنياتها الذكية التي باتت لاعباً أساسياً في التكوين الهوياتي، فالوقت الطويل الذي يقضيه الإنسان المعاصر مع شاشات العالم الافتراضي مندمجاً ومتفاعلاً في الإرسال والتلقّي يؤثر – بلا شك- في اهتماماته وأفكاره ووعيه.

وليس من المبالغة القول بأن العالم الرقمي أصبح يؤدي دوراً متعاظماً في هذا الشأن، فهو يشارك وبقوة في هندسة الوعي الجمعي منذ أن أتيح للشعوب تداول الانترنيت والتبادل المعرفي، وهذه المشاركة تتم عبر حضوره في كل جزئية من متطلبات الحياة الإنسانية، بل في كل ركيزة تستند عليها المجتمعات الإنسانية في مرجعياتها كاللغة والثقافة والعادات والتقاليد والفنون والآداب والفلسفة والأعراق والقوميات والدين والمعتقدات والسياسة.. إلخ.

 

استهداف الأنماط الهوياتية المتوارثة

وفي خضم ما نشهده من تقويض الأنظمة ومحاولات التقسيم ورسم الخرائط الجديدة ربطاً بصراعات القوى الكبرى على مناطق النفوذ.. بدأت الهويات الإنسانية -وبكل تمثّلاتها التراثية والوطنية والقومية- تواجه تحدياتٍ وجودية كبيرة.

فالتغوّل التكنولوجي يستثمر حالة اتساع بؤر التوتر، وانعدام الأمن وغياب السلام والاستقرار ليكرّس الشعور بالاغتراب والتشتت والتجزئة والانفصال والوحدة، ويشجّع على العزلة الاجتماعية والاستقلالية الفردية والالتفاف حول الأنا، كما يختزل الإنسان في هويات افتراضية لا تلامس جوهره الحقيقي ولا جذوره المكانية والزمانية.

علاوةً على ذلك ما تزال العولمة الرقمية وتحت شعار: "العالم قرية صغيرة" ماضية منذ عقود في تذويب الهويات المختلفة وصهرها في بوتقة واحدة دون هوادة، وهذا التجريّد من التاريخ والخصوصية الحضارية ليس بريئاً بكل الأحوال.

في هذا السياق من المثير للانتباه أن التفاعل الرقمي وتحت تأثير الأحداث الراهنة: (ازدياد حركات النزوح القسري، ارتفاع موجات الهجرة، محاولات الاندماج بين المجتمعات المختلفة) أخذ يعزز الاتجاهات الفردية، ويضرب المفاهيم المتأصلة عن الوطن والأرض والمحيط، ما ينذر بخطرٍ داهم يزداد حدةً يوماً بعد آخر، خصوصاً وأن الفضاء الرقمي نجح بأسر مئات الملايين من الناس حول العالم خلف قضبان وسائل التواصل الاجتماعي مستهدفاً الروابط الإنسانية الجامعة ومشاعر التضامن والقيم الأسرية وكل الأنماط الاجتماعية والسلوكية التقليدية والمتوارثة.

 

تفكيك الهويات

وما يضعف حضور الهوية وأسئلة الوجود أن هذه القوة الناعمة وبهدف تفكيك الهويات الوطنية والثقافات الحضارية العريقة لم تعد تكتفي بتخزين البيانات والمعلومات والأرقام وتقديمها، بل تحوّلت إلى مرجعية ثقافية متكاملة تغذّي نزعات الحداثة وتنبذ التراث، وتعيد تشكيل القناعات والرؤى والتوجهات والانتماءات والمبادئ، وتصدّر قيماً غريبة، وتصوغ نمطاً جديداً من العلاقات الاجتماعية وتنشر أفكاراً استهلاكية بحتة وثقافات دخيلة ومستهجنة وسطحية.

وما يحدث في الفضاء الرقمي يطرح تحديات عميقة على المستوى الأخلاقي، فنحن في مواجهة مع تكنولوجيا تبلوِّر فلسفتها الخاصة وتنتج قيّمها الهجينة، ومع هذا التيار الجارف تتراجع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية للأفراد والأمم، وتنمو القابلية لاستهلاك كل ما هو مُتاح وتقليدي أكثر فأكثر، وهكذا يغدو العقل البشري معطلاً عن التفكير الإبداعي وجاهزاً لاستقبال ما يُقدم إليه من معطيات ومعلومات، خصوصاً وأن تلك القوة ما زالت تتقدم إلى الأمام وتتسلل وتتغلغل وتتداخل وتتشابك مع تفاصيل الحياة اليومية بما فيها تلك المتعلقة بالجانب العاطفي والفكري والعقلي والروحي والنفسي لدى الإنسان!!

فالهوية في أزمة وصراع لأن الذكاء الاصطناعي اخترق المساحات المقدسة في البناء الإنساني وصار بإمكانه مجاراة الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، ومحاكاة الحالات الشعورية ببراعة (الحزن، الفرح، الحب، الكره، النقد، الغزل، المجاملة)!!

وبطبيعة الحال لا يمكن النظر إلى هذه المجاراة كأمر عادي لأنها تمثّل أحد أكثر الصور وضوحاً لحدة الصراع بين العقل الإنساني وعقل الآلة!

وهذا الصراع المراد منه في الأساس التأثير على الإنسان وإخضاعه وسلب إرادته وسلطته وقدرته على الاختيار واتخاذ القرار، أي استهداف هويته في الصميم عبر تغييره من الداخل، وإعادة تشكيله الهوياتي بنسخ مكررة متشابهة وموحدة لا فرق فيها بين جنسية وأخرى، وهو ما يتناسب مع مصالح القوى العالمية وأسياد الآلة ومن يملكون مفاتيح المعرفة التقنية، وهذا التشكيل بتداعياته الخطيرة بدأ التنظير له بإطلاق توقعات تنبئ بظهور هويات جديدة مستقبلاً ضمن فلسفة ما يُسمى "نهاية عصر الإنسان وبداية عصر ما بعد الإنسانية" كمرحلة فارقة في التاريخ البشري!!

الرهان على الوعي

الإنسان كائن حاضر وفاعل ومتفاعل يبحث عن معنى وجوده باستمرار، وفي مواجهة هذا التحدي تبقى الحاجة ملحّة لإعادة الإنسان إلى الواجهة كغاية للوجود وكقيمة عليا مكرّمة من السماء، وكدور ومكانة وحقوق وقدرة وهيمنة أيضاً، وهذا المسعى يتطلب إجابات شافية حول السؤال الأهم: كيف نوفّق بين متطلبات العصر الرقمي وهويتنا الإنسانية؟ وكيف نحمي الذاكرة الجمعية من التشظّي والاندثار؟!

إنه سؤال المصير الإنساني في عالم متغيّر كل لحظة، لكن يبقى الرهان على الوعي والقدرة على التكيف والابتكار، واحترام التنوع والاختلاف، لنصنع وعياً جديداً بالحياة.. وعياً يرفض السكون والجمود.. وعياً يدفعنا للتشارك ولاكتشاف الذات دون خوف.. وعياً ينسجم مع المتغيرات المتسارعة ويضمن استيعاب الجديد بمرونة ودون التلاشي فيه، ويعيد بناء الهوية لتبقى فاعلة وحيّة بكل أبعادها وتجلياتها.