Menu

بالصوركارثة فقدان البصر في غزة: مرضى العيون يواجهون "عتمة قسرية" وسط انهيار الخدمات الطبية

أحمد زقوت

الطفل عبد الرحمن الشرافي يواجه خطر فقدان بصره بشكل كامل..

خاص بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

تتحول أمراض العيون في قطاع غزة (كالمياه البيضاء وإصابات الشبكية) من حالات قابلة للعلاج إلى حالات عمى دائم؛ نتيجة انهيار المنظومة الصحية، ونقص الأدوية، وتعطل الأجهزة. فمع غياب الرعاية المتخصصة وتأخر التدخل الطبي، تتلاشى فرص الشفاء تدريجياً لتصبح الإصابات العادية إعاقات بصرية دائمة.

وقد استفحلت المأساة بشكل كارثي إثر خروج "مستشفى العيون التخصصي" عن الخدمة لأكثر من عام بسبب الدمار؛ وهو المركز الوحيد الذي كان يضم الكفاءات والأجهزة النوعية للجراحات المعقدة.

ورغم إعادة تأهيله جزئياً أواخر 2024، إلا أن قدرته الاستيعابية ظلت في أدنى مستوياتها، مما أدى إلى تراكم آلاف المرضى وتضاعف حالات فقدان البصر التي كان يمكن إنقاذها، خاصة في ظل إغلاق المعابر ومنع العلاج بالخارج.

جرحٌ في القلب وعتمةٌ في العين

يعيش الفلسطيني أحمد حرز الله، في حي النصر بغزة، مأساةً مزدوجة بدأت باستشهاد طفله "عدي" (12 عاماً) في مجزرة استهدفت تجمعاً أمام مركز إيواء في 21 أغسطس العام الماضي.

يصف الأب فقدان طفله لـ "بوابة الهدف" بأنّه صدمة عميقة هزت أركان الأسرة؛ فقد كان عدي سنده في مواجهة قسوة الحرب، وركيزته النفسية التي تمنحه القوة للتمسك بالحياة وسط هذا الواقع المرير.

ولم تقتصر مأساة حرز الله عند فقدان طفله، بل يروي تفاصيل إصابته التي أفقدته البصر؛ حيث مزقت الشظايا عينه اليسرى مما اضطر الأطباء لاستئصالها، بينما تسببت إصابة خطيرة في عينه اليمنى بتدهور حاد في الرؤية انتهى به إلى فقدان الإبصار تماماً.

أحمد حرز الله 1.jpg
أحمد حرز الله.jpg

يتابع أحمد بنبرة يملؤها الوجع: "حصلتُ على تحويلة للعلاج، وهي فرصتي الأخيرة لاستعادة نظري وحياتي المسلوبة"، مشيرًا إلى أنّه برغم تأكيد الأطباء إمكانية إنقاذ عينه اليمنى بجراحات دقيقة، إلا أن غياب الإمكانيات في غزة جعل شفاءه مرهوناً بالسفر.

يؤكد حرز الله أنّه يعيش بمرارة بين وعود الأطباء وواقع الانتظار؛ فإغلاق المعابر جعل الوصول إلى العلاج أصعب من المرض نفسه، مناشداً أنّه لا يطلب سوى حقه في العودة إلى النور بعدما فقد ابنه وبصره، ومتمنياً ألا يظل أمله معلقاً خلف بوابة مغلقة.

(6 مليمترات) من الفولاذ تسحق الرؤية

بينما يواجه الطفل عبد الرحمن الشرافي خطر العمى الكلي إثر إصابته بشظية صاروخ استقرت في عينه أثناء جمعه للحطب في خان يونس جنوب القطاع، مما أفقد الرؤية في إحداهما مع تراجع حاد في الأخرى.

ويقول الشرافي لـ "الهدف" إنّ الحادث وقع في شارع الجلال، عندما سقط صاروخ قربه، ما أدى إلى تطاير شظية معدنية بطول نحو (6 مليمترات) استقرت مباشرة في عينه، متسببًا بفقدان كامل للرؤية فيها، إلى جانب تراجع حاد وتشوش في العين الأخرى، ما يهدد بفقدان بصره بالكامل في حال استمرار تأخر العلاج.

ويشير عبد الرحمن إلى أنّه أمضى نحو 25 يومًا في أحد مستشفيات غزة، قبل أن يخرج بتقرير طبي يؤكد حاجته العاجلة إلى علاج متقدم خارج القطاع، غير أنّ إغلاق المعابر حال دون سفره حتى الآن، ما فاقم خطورة حالته.
عبد الرحمن الشرافي.jpg

يتمسك الطفل عبد الرحمن بخيط رفيع من الأمل للعودة إلى ممارسة حياته الطبيعية ومواصلة مسيرته التعليمية التي تعطلت، حيث يتساءل بمرارة عن الذنب الذي اقترفه ليُحرم من حقه الأساسي في العلاج وهو لا يزال في مقتبل العمر.

وفي ظل تدهور حالته، يوجه الشرافي صرخة استغاثة بضرورة فتح المعابر وتسهيل سفر الجرحى، أو على الأقل إدخال المعدات الطبية والوفود المتخصصة اللازمة لإجراء العمليات المعقدة داخل القطاع، لإنقاذ ما تبقى من بصره قبل فوات الأوان.

شظية تسرق الملامح وتوقف القلب

تجسّد قصة الفتاة ندى رحومة فصلاً جديداً من فصول الكارثة؛ إذ غيّرت شظية قصف "إسرائيلي" استهدف خيمة نزوح غرب غزة مسار حياتها بالكامل، بعدما اخترقت وجهها متسببةً في فقدان عينها اليمنى وتشوهات حادة في الوجه، فضلاً عن مضاعفات طبية قاسية أدت لتوقف قلبها مرتين خلال العمليات الجراحية.

تقول رحومة لـ "الهدف" بحزن: "لم تنتهِ مأساتي عند فقدان عيني، بل عشتُ مضاعفات مريرة شملت صعوبات حادة في التنفس، وتوقف قلبي عن النبض مرتين، إحداهما كانت وأنا على طاولة العمليات"، مضيفةً أنّه "برغم أنني نجوت من الموت، إلا أن رحلتي لا تزال طويلة؛ فأنا بحاجة إلى جراحات تخصصية دقيقة لترميم وجهي واستعادة قدرتي على ممارسة حياتي بشكل طبيعي".
ندى رحومة1.JPG
ندى رحومة.JPG

يؤكد الأطباء أنّ حالة ندى تستدعي إمكانيات طبية متقدمة تفتقر إليها مستشفيات القطاع المحاصر، ما يجعل نجاتها من التشوه الدائم وحقها في استعادة وظائف وجهها معلقاً بفتح المعابر والسفر للخارج.

تختتم ندى حديثها: "أمنيتي الوحيدة هي السفر لمكان تتوفر فيه الإمكانيات التي تعيد لي ملامحي؛ فأنا أعيش على أمل فتح الأبواب لأستعيد جزءاً من وجهي، وحياتي التي سلبها القصف في لحظة خاطفة".

انهيار جراحي وعتمة قسرية

ووسط حصارٍ خانق وانهيارٍ كامل للمنظومة الصحية، يصارع آلاف الجرحى في قطاع غزة "عتمةً قسرية" تسرق أبصارهم؛ ففي الوقت الذي تنصبُّ فيه الجهود على إنقاذ الأرواح، تضيع حقوقهم في الرؤية خلف معابر مؤصدة.

بدوره، يؤكد مدير مستشفى العيون واستشاري جراحتها، الدكتور عبد السلام صباح، لـ "الهدف"، أنّ خطر العمى الدائم يتهدد آلاف المصابين نتيجة النقص الحاد في الأدوية والأجهزة المتخصصة التي يمنع الاحتلال دخولها.

ويكشف صباح عن أرقام صادمة؛ حيث تُشكل إصابات العيون نحو 11% من إجمالي جرحى الحرب (قرابة 17 ألف إصابة)، مع تأكيد فقدان أكثر من 3 آلاف شخص لبصرهم فعلياً حتى الآن. ويرجح ارتفاع هذه الأعداد مستقبلاً، لا سيما بين الأطفال الذين يمثلون 20% من الضحايا، وهم الفئة الأكثر عرضة لفقدان البصر الدائم.

وفي وصفه للانهيار الجراحي، يشير مدير المستشفى إلى تسجيل حالات فقدان بصر يومية وتعذر العمليات العاجلة لإصابات الشظايا، ما يؤدي لالتهابات تنتهي باستئصال العين، محذرًا من شللٍ كامل للتدخلات الطارئة بسبب العجز في غرف العمليات والمجاهر والمستهلكات الطبية،

ويؤكد صباح أنّ غياب التدخل الطبي السريع يحوّل الإصابات القابلة للعلاج إلى عجزٍ مستدام، منتقداً حرمان الجرحى من السفر بحجة أن حالاتهم "ليست إنقاذاً للحياة"، رغم أن فقدان البصر إعاقة كلية تدمر مستقبل الإنسان.

كما يوجه نداء استغاثة لفتح المعابر وإدخال الاحتياجات الحرجة، كالعدسات والسيليكون الطبي وغازات الشبكية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في "جراحة الساعة الأخيرة".

شلل المراكز التخصصية

من جهته، يُحذر مدير مستشفى "سانت جون" للعيون الدكتور وليد شقورة، من خطر العمى الوشيك الذي يهدد آلاف المرضى نتيجة منع إدخال الأجهزة والمستلزمات الطبية الأساسية.

ويوضح شقورة في حديثه إلى "الهدف" أنّ مستشفى العيون، الذي كان صرحاً طبياً رائداً، بات يعمل بحدوده الدنيا (الفحص والليزر فقط)، بينما توقفت العمليات الجراحية تماماً بسبب نفاد العدسات والخيوط، مشيرًا إلى أنّه مع وصول عجز الأجهزة التشخيصية إلى 90%، تراكم أكثر من 9 آلاف مريض على قوائم الانتظار، مما يهدد بانفجار في حالات فقدان البصر الناتجة عن مضاعفات السكري، والمياه الزرقاء، وانفصال الشبكية، وإصابات الشظايا، في ظل انسداد أفق العلاج أو السفر.

ويدعو شقورة المجتمع الدولي للتدخل العاجل وتأمين أجهزة التشخيص والخيوط الجراحية لإنقاذ آلاف المرضى على قوائم الانتظار، مشددًا على حماية المراكز الطبية وتوفير قطع الغيار اللازمة للمجاهر، لمنع تحول الإصابات الروتينية ومضاعفات السكري والمياه الزرقاء إلى عمى دائم بفعل الحصار.

الحصار الطبي كأداة عقاب

يستخدم الاحتلال "الحصار الطبي" كأداة للعقاب الجماعي في غزة، محولاً الإصابات القابلة للشفاء إلى عاهات دائمة عبر منع دخول المعدات والوفود الطبية. يعد هذا النهج انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني الذي يكفل الحق في العلاج والحياة.

في السياق نفسه، يُحذر منسق مركز غزة لحقوق الإنسان، محمد خيري، من قفزة خطيرة في أعداد المصابين بالعمى؛ نتيجة الاستهداف المباشر وشظايا القصف التي تسببت بدمار واسع في عيون الجرحى، في ظل منع الاحتلال إدخال أجهزة التشخيص والعلاج.

ويكشف خيري لـ "الهدف" عن أرقام مفزعة، حيث يواجه نحو 5 آلاف جريح خطر فقدان البصر كلياً أو جزئياً، فيما ينتظر 2400 مريض عمليات عاجلة باتت مستحيلة داخل القطاع، مؤكداً أنّ منع السفر ونقص الإمكانيات يمثلان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، يحوّل الإصابات القابلة للشفاء إلى إعاقات دائمة.

ويطالب خيري المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بالضغط الفوري لفتح الممرات الطبية، وضمان تدفق المعدات اللازمة لإنقاذ آلاف العيون من العتمة الوشيكة، معتبراً أنّ استمرار الصمت تجاه هذا الحصار الطبي يشرعن جريمة العقاب الجماعي.