Menu

ارتباك و أوهام وكيف توجه “إسرائيل” الحرب مع ايران

جمال كنج

بوابة الهدف

إغلاق مضيق هرمز عقب وقف إطلاق النار المؤقت يُمثل ذروة سياسة أمريكية تتسم بتخبّط استراتيجي واضح. وفي قلب هذا المشهد يقف دونالد ترامب، الذي لم تؤدِ مواقفه المتقلّبة، وأهدافه الحربية المربكة، وأفعاله المتناقضة إلى تهدئة التوترات الإقليمية، بل أسهمت في تعميقها.

ويتجلى ذلك بأوضح صوره في تهديدات ترامب بتدمير إيران بأكملها، بما في ذلك الجسور ومحطات الكهرباء. وفي الوقت ذاته، روّج لما وصفه بـ“يوم عسكري عظيم”، مقدّمًا ما قد يرقى إلى جرائم حرب كأداة دبلوماسية، و محولا العدوان إلى دبلوماسية، والدمار إلى ورقة ضغط.

وعلى نحو يكاد يلامس الوهم، ضخّم ترامب وعوده قبيل المحادثات المحتملة، بحيث بدت أقرب إلى عرض تسويقي محسوب للرأي العام الأمريكي منها إلى رجل دولة. فتعهداته “بالوصول إلى صفقة عظيمة”، مقرونة بهوس شبه دائم بمقارنة نفسه بباراك أوباما، عبر الإصرار على أن اتفاقه سيكون “أفضل بكثير” من ذلك الذي تم التفاوض عليه قبل أكثر من عقد، تعكس نهجًا يقوم على الرسائل الدعائية أكثر من اعتماده على عمق السياسات. إنه نهج يركّز على الإسقاط والمقارنة وتضخيم الذات، بدلًا من طرح أهداف استراتيجية واضحة، مما يترك جوهر السياسة غامضًا ومفتوحًا للتشكيك.

ومن خلال تصنيع التفاؤل والمبالغة في تصوير التقدم، مع وعود بصفقة “عظيمة” وشيكة، يبدو أن ترامب يتفاوض مع نفسه - أو أنه منفصل عن الواقع - في محاولة منه لبناء سردية نجاح بغضّ النظر عن الحقائق على الأرض. هذا التفاؤل الاستعراضي يتناقض بحدة مع تهديداته المتزامنة وخطابه المتعالي، بما يوحي لا بالثقة، بل بدرجة عالية من العجز و اليأس.

كما أن تبرير ترامب لتمديد وقف إطلاق النار بذريعة “الانقسامات الداخلية” في إيران يبدو غير مقنع. فإذا كان النقاش الداخلي في إيران يُعد سببًا كافيًا للتريث، فماذا يُقال عن سياسة يتغيّر اتجاهها من لحظة إلى أخرى؟ إن تعدد الآراء السياسية هو جوهر أي نظام سياسي سليم، بينما لا يُعد اتخاذ القرار بشكل اندفاعي ومتقلّب ومتمحور حول الشخص أمرًا طبيعيًا.

كل ذلك يحدث بينما يواصل ترامب طرح مطالب قصوى لشروط كان هو نفسه قد ساهم في خلقها. فهو، على سبيل المثال، يطالب بتسليم اليورانيوم المخصّب، الذي ما كان ليوجد لولا انسحابه من الاتفاق النووي. وبالمثل، فإن إغلاق مضيق هرمز جاء نتيجة لحربه وحرب نتنياهو، لا سببًا لها.

وتنعكس تداعيات هذه السياسات الأمريكية المدفوعة بأجندة “إسرائيل أولًا” على المواطن الأمريكي العادي، سواء عند مضخة الوقود أو في متاجر البقالة. فقد تحول مضيق هرمز إلى ساحة صراع تهدد استقرار سلاسل إمداد الطاقة العالمية واقتصادات العالم. ومع ذلك، ورغم هذه التداعيات المتسارعة، تظل الاستراتيجية الأساسية دون تغيير. إذ يواصل ترامب العمل داخل فقاعة من الموالين لنهج “إسرائيل أولًا”، الذين يفترضون أن القوة العسكرية وحدها كفيلة بتحقيق النتائج، حتى مع تعثر السياسة واتساع رقعة الحرب، بما يهدد نحو خُمس البنية التحتية للطاقة في العالم.

وهذا ليس مجرد خلل سياسي أو سوء إدارة، بل هو نقطة ضعف استراتيجية تشكّلت بفعل تأثير جماعات الولاء لـ“إسرائيل أولًا” التي تدفع بالاستراتيجية الأمريكية في اتجاهات تقوّض المصالح الوطنية للولايات المتحدة. وفي غياب أهداف وطنية واضحة - كما حدث في أولى حروب “إسرائيل” في العراق - فإن كل خطوة تنذر بجرّ الولايات المتحدة إلى الغوص اغمق في مياه الخليج الملوثة، بالتوازي مع تعزيز بيئة من الفوضى لا تخدم سوى الأهداف المحسوبة لـ“إسرائيل”.

وفي هذا السياق، هل كان تصريح رئيس وزراء “دولة الكيان” بنيامين نتنياهو مؤخرًا بأن الحرب مع إيران “لم تنتهِ” رسالة مبطنة إلى ترامب قبيل محادثات السلام المقترحة في باكستان؟

إن التفاوض بين الدول، خصوصًا في سياق الحرب، لا يشبه صفقات العقارات التي يمتنها ترامب، حيث تُعد المساومة والتهديد بسحب العروض أدوات اعتيادية. ففن التفاوض هنا يعمل على مستوى مختلف تمامًا؛ إذ تلعب الثقافة، والكرامة الوطنية، والذاكرة التاريخية، والتموضع السياسي أدوارًا حاسمة في تشكيل العملية والنتيجة. فالقادة لا يساومون على أصول مالية أو تصنيفات ائتمانية، بل يديرون مطالب داخلية، وشرعية سياسية، وصورة القوة أو الضعف على المسرح الدولي.

ومن هذا المنطلق، فإن التهديدات أو التراجع المستمر عن المقترحات ثم إعادة طرحها لا تمثل أوراق ضغط، بل تعكس ضعفًا. فعلى خلاف المعاملات التجارية التي تُحسم غالبًا لحظة التوقيع، تمثل الاتفاقيات الدولية بداية لعلاقة مستمرة وطويلة الأمد. وما قد يُعد تشددًا مشروعًا في عالم الأعمال، يمكن أن يُفسر في الدبلوماسية الدولية كسوء نية، وهو نهج يثير الاستياء والمقاومة بدلًا من التوصل إلى حلول وسط. ولهذا السبب، ظل ترامب منذ الثلاثاء الماضي في انتظار إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

إن الدبلوماسية الفعّالة تتطلب قيادة جادة، واتساقًا في المواقف، وفهمًا للرمزي بقدر فهمها للجوهري. فالاتفاقيات لا تصمد لأن طرفًا أُجبر على الخضوع، بل لأنها تتيح لجميع الأطراف تقديم النتائج بوصفها تحفظ كرامتهم وتحقق مصالحهم.

ويظهر غياب النضج الاستراتيجي في التناقض الصارخ للمواقف: إعلان صباحي يُبدي استعدادًا لخفض التصعيد؛ ثم رسالة منتصف النهار تتشظى بين تهديدات وإنذارات، مع تلميحات بصفقات وشيكة؛ ثم، في منتصف الليل، تصعيد يصل إلى التهديد بالتدمير الشامل. هذا التقلّب المستمر ليس مجرد سمة أسلوبية عابرة، بل قد يكون—جزئيًا على الأقل—مرتبطًا باتصالاته الليلية مع نتنياهو، الذي يبدو أنه يوجّهه يمنة ويسرة.

هذا التذبذب لا يخلق الارتباك فحسب، بل يقوّض المصداقية. فالدبلوماسية تقوم على حد أدنى من القدرة على التنبؤ والاستقرار الذهني. وعندما تتبدل الإشارات أسرع من رمش العين، يتولد الشك، وتتحول المفاوضات من غرف مغلقة إلى تصريحات نارية للاستهلاك العلني، مما يفتح المجال أمام “إسرائيل” لتوجيه الحرب وتعميق الدمار ونشر المزيد من الفوضى.