Menu

ثقافة الطوارئ الدائمة: كيف تعتاش دولة الاحتلال على التنفس الاصطناعي للأزمات؟

نبال عمر

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

في قلب المشروع الاستيطاني الذي يصارع اليوم أعتى أزمات الهوية في تاريخه، لا تبدو الدولة مجرد كيان سياسي يبحث عن الاستقرار، بل تبدو كمختبر دائم لإنتاج الخوف وصناعة الأعداء. إن المتأمل في بنية المجتمع الإسرائيلي خلال السنتين الأخيرتين يدرك أن العدو الخارجي ليس مجرد تحدٍ أمني يتم التعامل معه بالأدوات العسكرية، بل هو ركن أيديولوجي مكين، بدونه يتداعى السقف فوق رؤوس الجميع. هذه الدولة التي قامت على أنقاض رواية الآخر، لا تجد شرعيتها اليوم في رفاهية مستوطنيها أو في ديمقراطية مؤسساتها التي تتآكل، بل تجدها في قدرة الماكنة الإعلامية والسياسية على إقناع المستوطن بأن هناك وحشاً جديداً يتربص به خلف الحدود، وأن بقاءه مرهون بالبقاء داخل الثكنة، ممتثلاً، خائفاً، ومستعداً للتضحية.

لقد كانت إيران، لعقود خلت، هي العنوان الأوحد لهذا الذعر الوجودي، حيث تم تصويرها كقوة ميتافيزيقية تسعى لبعث الهولوكوست من جديد. ومع ذلك، فإن قانون الاعتياد النفسي بدأ يفعل فعله في العقلية الاستيطانية؛ فالتكرار الممل للتهديدات الإيرانية، والضربات المباشرة التي لم تعد نهاية العالم كما صُورت، قللت من مفعول الأدرينالين السياسي الذي يحتاجه اليمين المتطرف للبقاء في السلطة. من هنا، كان لا بد من ابتكار عدو إقليمي جديد، يمتلك ملامح مختلفة، فجاءت تركيا لتملأ هذا الفراغ. إن تحويل تركيا من حليف استراتيجي وسياحي وتجاري إلى بعبع إسلامي يسعى لاستعادة أمجاد الخلافة على حساب أمن إسرائيل، ليس مجرد تغير في السياسة الخارجية، بل هو عملية هندسة نفسية تهدف لإيهام المستوطن بأنه محاصر ليس فقط من محور المقاومة، بل من قوى إقليمية كبرى وعضو في الناتو، مما يعززعقدة الغيتو ويجعل من الالتفاف حول القيادة المتطرفة خياراً وحيداً للنجاة.

هذا الضخ الأيديولوجي المستمر يصطدم اليوم بجدار صلب من الواقع، يمثله ما يمكن تسميته بـثورة الجنرالات الصامتين أو صرخة الأعلام الحمراء. عندما يخرج رئيس الأركان، إيال زامير، ليرفع عشرة أعلام حمراء تحذر من انهيار البنية التحتية للجيش وتآكل القوة البشرية، فإنه لا يتحدث عن قوة الخصوم، بل يتحدث عن هشاشة الحصن. هنا تبرز الفجوة المعرفية الكبرى في عقلية المستوطن؛ فهو من جهة يُغذى يومياً بقصص عن أطماع تركيا وتهديدات إيران، ومن جهة أخرى يسمع من قادته العسكريين أن الدرع الذي يحميه يتشقق من الداخل بسبب الصراعات الطائفية، وقوانين الإعفاء من التجنيد، والإنهاك الذي طال قوات الاحتياط. هذا التناقض يخلق حالة من الانفصام الوجودي؛ حيث يصبح العدو الخارجي ضخماً في الإعلام، بينما يبدو الحامي الداخلي قزماً في الواقع.

إن أثر هذه الأيديولوجيا الثابتة على عقلية المستوطن يتجاوز مجرد القلق الأمني إلى صياغة الشخصية الوطنية.

فالمستوطن الذي يتربى على فكرة العالم كله ضدنا يتحول إلى كائن غريزي، يرى في العنف المفرط ضد الفلسطينيين وسيلة دفاعية مشروعة، ويرى في الانغلاق الثقافي حماية للهوية. لكن السنتين الأخيرتين شهدتا شرخاً في هذا التصور؛ إذ لم يعد العدو الخارجي كافياً لتوحيد الشارع الذي مزقته التعديلات القضائية والصراع بين العلمانيين والمتدينين. لقد اكتشف المستوطن أن الأعلام الحمراء التي رفعها زامير هي أخطر بكثير من الرايات السوداء التي يرفعها الأعداء في الخارج. فالخطر الداخلي المتعلق بتفكك العقد الاجتماعي وتراجع الكفاءة العسكرية يضرب فكرة الدولة في مقتل، ويجعل من الصعب إقناع جيل الشباب بأن العيش على السيف هو قدر لا مفر منه، خاصة في ظل وجود بدائل للهجرة والعيش في مجتمعات أكثر استقراراً.

علاوة على ذلك، فإن استخدام فوبيا تركيا كبديل أو مكمل للخطر الإيراني يمثل هروباً إلى الأمام من استحقاقات المساءلة. فالحكومة التي فشلت في التنبؤ بأحداث السابع من أكتوبر، وفشلت في حسم المعارك على جبهات متعددة، تحتاج دائماً إلى تكبير حجم التهديد لتبرير فشلها. فإذا كان العدو هو إمبراطورية إقليمية مثل تركيا، فإن الفشل في تحقيق النصر المطلق يصبح منطقياً في نظر المستوطن البسيط. هذه السياسة تخدم اليمين المتطرف في تحويل إسرائيل إلى دولة يهودا الدينية، حيث يتم استبدال قيم المواطنة بقيم التضحية المقدسة لمواجهة يأجوج ومأجوج العصر الحديث. ولكن، ومع كل علم أحمر يرفعه قادة الجيش، تتكشف هذه اللعبة السياسية؛ إذ يدرك المستوطن ببطء أن العدو الخارجي هو في كثير من الأحيان مجرد ستارة دخان تخفي خلفها انهيار المؤسسات التي جعلت من إسرائيل يوماً ما واحة مزعومة في المنطقة.

إن العقلية الاستيطانية اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما الاستمرار في تصديق سردية الحصار الدائم والقبول بالعيش في ثكنة عسكرية متهالكة يحكمها المتطرفون، أو الالتفات إلى تلك الأعلام الحمراء التي ترفرف داخل البيت نفسه. إن التغييرات الهائلة في العامين الماضيين أثبتت أن القوة العسكرية الغاشمة لا توفر الأمن، وأن صناعة الأعداء لا تبني وطناً. المستوطن الذي كان يخشى الغرباء بدأ يخشى جاره في المستوطنة المجاورة، وبدأ يتساءل عما إذا كانت القيادة التي تخوفه من أنقرة وطهران هي نفسها التي تقوده نحو الهاوية. فإن الأيديولوجيا التي تعجز عن تقديم رؤية للمستقبل بخلاف الحرب الأبدية هي أيديولوجيا محكوم عليها بالفناء، مهما بلغت براعتها في تدوير الأعداء وتجديد المخاوف. الأعلام الحمراء التي رفعها زامير لم تكن تحذيراً من الحرب القادمة، بل كانت شهادة وفاة لفكرة الأمن المطلق في أرض لا يزال أصحابها الأصليون يرفضون التنازل عن حقهم فيها، مهما تعددت أسماء الأعداء الخارجيين في مخيلة المستوطن المذعور.

ختاماً، يظهر أن المشروع الصهيوني في مرحلته الحالية يقتات على الخوف الوظيفي. إن إقحام تركيا في قائمة الأعداء ليس سوى محاولة لترميم سقف التوقعات المنخفض وتبرير العزلة الدولية المتزايدة. لكن هذا الخوف، الذي كان يوماً ما وقوداً للبناء والعدوان، أصبح اليوم سماً بطيئاً ينخر في عظام المجتمع الاستيطاني. فالأعلام الحمراء التي ترفرف اليوم في تل أبيب ليست مجرد تقارير عسكرية، بل هي نذير بنهاية حقبة الإجماع على الخطر الخارجي وبداية حقبة المواجهة مع الذات. إن المستوطن الذي أُجبر على النظر دائماً نحو الأفق البعيد ليراقب الصواريخ، بدأ للمرة الأولى ينظر تحت قدميه، ليكتشف أن الأرض التي سرقها لم تمنحه الأمان الذي وعدته به الأيديولوجيا، وأن العدو الذي يجب أن يخشاه حقاً ليس في طهران أو أنقرة، بل هو ذلك الانهيار الأخلاقي والبنيوي الذي جعل من دولة بأكملها مجرد رهينة لخوف لا ينتهي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، إذا كان بقاءُ هذا المشروع مشروطاً باستدامة الخوف واختراع الأعداء وتوسيع جغرافيا الذعر من طهران إلى أنقرة، فهل يدرك المستوطن اليوم أن 'الأعلام الحمراء' التي يرفعها جنرالاته من الداخل هي في الحقيقة نعيٌ لأسطورة 'الأمان المطلق'، وأن العدو الذي يطارد وجوده ليس خلف الحدود، بل في المرآة التي يرفض النظر إليها؟