Menu

الكيان الصهيوني منذ طوفان الأقصى إلى اليوم: ما الذي تغيّر؟

موسى جرادات

بوابة الهدف

مرت سنتان ونصف السنة تقريباً على حدث طوفان الأقصى الذي وقع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع ذلك ما يزال الكيان الصهيوني يعيش حالة حرب متواصلة، متنقلاً من جبهة إلى أخرى دون توقف. هذه الحالة بحد ذاتها تمثل تحولاً جوهرياً في السلوك الاستراتيجي لدولة الاحتلال، التي عُرفت تاريخياً بعقيدة الحرب الخاطفة والسريعة، القائمة على تحقيق الحسم العسكري خلال أيام أو أسابيع قليلة، كما حدث في حرب 1967 التي استمرت ستة أيام فقط.

لكن ما جرى منذ طوفان الأقصى كسر هذه القاعدة التاريخية.

فالكيان الصهيوني لم يخض حرباً قصيرة تنتهي بنتيجة واضحة، بل دخل في حالة حرب ممتدة متعددة الجبهات: في غزة، وعلى حدود لبنان، وفي ضربات متكررة في سوريا، إضافة إلى حالة التوتر الدائم مع إيران والتي وصلت حتى هذا الوقت الى خوض حربين تحت نفس العناوين التي لم تنجز حتى هذا الوقت .

ومع ذلك، فإن إطالة مدة الحرب لا تعني بالضرورة أن دولة الاحتلال حققت أهدافها الاستراتيجية.

 بل على العكس، فإن استمرار حالة الاستنفار العسكري القصوى داخل المجتمع الإسرائيلي، واستدعاء مئات آلاف جنود الاحتياط بشكل متكرر، يشير إلى أن الحرب لم تُحسم بعد، وأن الكيان ما يزال يعيش حالة قلق وجودي عميق.

في الواقع، تشير بيانات جيش الاحتلال إلى أنه منذ أكتوبر 2023 تم استدعاء ما يقارب 360 ألف جندي احتياط، وهو أكبر تعبئة عسكرية في تاريخ الكيان منذ حرب أكتوبر 1973.

 كما أن العمليات العسكرية في غزة وحدها استمرت لأكثر من 18 شهراً متواصلاً في مراحل مختلفة من القتال، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الجيش الإسرائيلي الذي اعتاد على حروب قصيرة نسبياً.

لكن فهم هذا التحول في سلوك الكيان الصهيوني لا يمكن أن يتم دون العودة إلى سنوات السلم الافتراضي التي عاشها خلال العقود الثلاثة الماضية، منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 وما تبعها من ترتيبات سياسية وأمنية في المنطقة.

فقد عاش الكيان خلال تلك الفترة ما يمكن وصفه بمرحلة الاستقرار النسبي، حيث انخفضت مستويات المواجهة العسكرية المباشرة مع الدول العربية، وبدأت عملية تطبيع تدريجية مع عدد من الدول في المنطقة.

هذه المرحلة ربما تكون المفتاح لفهم النزوع الحالي نحو التوحش العسكري وإطلاق كامل الطاقة التدميرية التي يمتلكها الكيان الصهيوني.

ففي ظل تلك السنوات الطويلة من السلم النسبي، تراكمت لدى إسرائيل قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، كما ترسخت قناعة لدى نخبها السياسية بأن البيئة الإقليمية باتت أكثر ملاءمة لفرض مشروع الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.

لكن التحليلات التقليدية التي حاولت تفسير هذا السلوك غالباً ما استندت إلى قراءات نمطية مسبقة عن طبيعة الكيان الصهيوني، مثل التركيز على طبيعة الحكومة اليمينية المتطرفة أو على الأزمة الشخصية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ومع أن هذه العوامل قد تلعب دوراً معيناً في تفسير بعض السياسات، إلا أنها لا تكفي لفهم التحول البنيوي الأعمق في سلوك الدولة الإسرائيلية.

فاستطلاعات الرأي التي أجريت داخل المجتمع الإسرائيلي منذ بداية حرب طوفان الأقصى وحتى اليوم تشير إلى وجود إجماع صهيوني واسع نسبياً على دعم العمليات العسكرية.

 ففي استطلاع أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في عام 2024، أيد أكثر من 72% من الإسرائيليين استمرار العمليات العسكرية في غزة حتى تحقيق "الأهداف الأمنية الكاملة"، بينما اعتبر نحو 65% أن الحرب مع حزب الله في لبنان قد تكون ضرورية إذا استمرت التهديدات على الحدود الشمالية.

هنا يبرز التناقض الظاهري: إذا كانت الحرب تحظى بهذا المستوى من التأييد الشعبي، فلماذا تستمر الأزمة السياسية داخل إسرائيل؟ ولماذا تبدو مؤسسات الحكم عاجزة عن إنتاج استقرار سياسي طويل الأمد؟

في الواقع، قد يكون من الأدق القول إن الإجماع الصهيوني لا يتشكل حول برنامج سياسي واضح بقدر ما يتشكل حول فكرة الحرب نفسها.

بمعنى آخر ان المجتمع الصهيوني يبدو أكثر قدرة على التوحد في ظروف الحرب منه في ظروف السلم، وهي ظاهرة لها جذور عميقة في طبيعة تكوين هذا المجتمع.

لكن قبل الخوض في هذا الجانب، من الضروري التوقف عند سؤال مهم يتعلق بالكلفة الاقتصادية للحروب التي يخوضها الكيان الصهيوني منذ طوفان الأقصى.

الكلفة الاقتصادية للحرب

تشير تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية إلى أن كلفة الحرب في غزة وحدها خلال العام الأول بلغت ما يقارب 67 مليار دولار، وهو رقم يعادل نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي. كما ارتفع العجز في الموازنة إلى أكثر من 6.6% من الناتج المحلي بعد أن كان أقل من 2% قبل الحرب يضاف الى هذا كلفة الحرب على لبنان وإيران والتي تجاوزت ٤٥ مليار دولار .

أما الإنفاق العسكري الإسرائيلي فقد قفز بشكل كبير، حيث ارتفعت ميزانية الدفاع من حوالي 23 مليار دولار في عام 2022 إلى ما يزيد عن 40 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يجعل إسرائيل من بين الدول الأعلى إنفاقاً عسكرياً كنسبة من الناتج المحلي في العالم.

ومع ذلك، فإن قدرة الكيان على تمويل هذه الحروب تعود إلى عدة عوامل رئيسية، من أبرزها الدعم العسكري والاقتصادي الأميركي. فقد أقرت الولايات المتحدة منذ بداية الحرب حزم مساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل تجاوزت 26 مليار دولار، إضافة إلى الدعم السنوي الثابت الذي يبلغ حوالي 3.8 مليارات دولار وهناك تقارير صحفية تشير الى ان الادارة الامريكية قد حولت الى الكيان ١٦ مليار دولار من صندوق السلام الذي أنشأ لإعمار قطاع غزة.

كما أن الاقتصاد الإسرائيلي، رغم الخسائر الكبيرة، ما يزال يتمتع بقاعدة تكنولوجية قوية، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا المتقدمة الذي يمثل نحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي ويشكل أكثر من 50% من الصادرات الإسرائيلية.

لكن السؤال يبقى مطروحاً: كيف يستطيع الكيان الصهيوني الاستمرار في خوض حروب مكلفة اقتصادياً وبشرياً بهذا الشكل؟

في الواقع، يبدو أننا أمام مشهد جديد في تطور الكيان الصهيوني، يقوم على عملية تسارعية يحاول فيها الكيان أن يسابق الزمن من أجل إعادة ترتيب أوضاعه الاستراتيجية في المنطقة.

ومن هنا يمكن التوقف عند مجموعة من الظواهر التي قد تساعد في فهم هذا التحول.

 

أولاً: السلوك الإغترابي

من الملاحظ أن دولة الاحتلال كلما زاد رصيدها من الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول العربية، ازداد في المقابل شعورها بالاغتراب والانطواء. فخلال العقود الأخيرة وقعت إسرائيل اتفاقيات سلام مع مصر (1979) والأردن (1994)، ثم شهدت المنطقة موجة جديدة من التطبيع عبر اتفاقيات أبراهام عام 2020 التي شملت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

وبحسب تقديرات مختلفة، فإن أكثر من 60% من الدول العربية باتت تقيم نوعاً من العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية المباشرة أو غير المباشرة مع دولة الاحتلال.

لكن هذه الاتفاقيات لم تؤد إلى اندماج الكيان في المنطقة كما كان يُفترض نظرياً، بل على العكس، يبدو أن المجتمع الصهيوني يزداد شعوراً بالعزلة والتهديد.

وربما يعود ذلك إلى أن التطبيع الرسمي لم يرافقه قبول شعبي واسع في العالم العربي، الأمر الذي جعل دولة الاحتلال تشعر بأنها ما تزال محاطة ببيئة معادية رغم التحولات السياسية.

 

ثانياً: مفهوم الأمن الفضفاض

يُعد مفهوم الأمن حجر الزاوية في العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية. لكن هذا المفهوم يتسم بدرجة عالية من المرونة والغموض، بحيث يمكن توسيعه ليشمل تقريباً أي تهديد محتمل.

فعلى سبيل المثال، عندما وقعت اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، كان من المفترض أن تؤدي إلى إقامة سلطة فلسطينية تمارس حكماً ذاتياً في الضفة الغربية وقطاع غزة تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية.

لكن ما حدث عملياً هو أن إسرائيل تعاملت مع الاتفاقية من زاوية واحدة تقريباً، وهي الزاوية الأمنية. فقد احتفظت بسيطرة شبه كاملة على المجال الجغرافي والاقتصادي للضفة الغربية، بينما توسع الاستيطان بشكل كبير.

ففي عام 1993 كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية لا يتجاوز 110 آلاف مستوطن، بينما تجاوز عددهم اليوم أكثر من 700 ألف مستوطن موزعين بين الضفة الغربية و القدس الشرقية.

وهذا يعني أن إسرائيل لم تستخدم اتفاق أوسلو كخطوة نحو تسوية سياسية نهائية، بل كأداة لإدارة الصراع بطريقة تخدم أمنها ومصالحها الاستراتيجية.

لكن ما نشهده اليوم يتجاوز حتى هذه المقاربة التقليدية، إذ يبدو أن الكيان الصهيوني يسير بخطوات متسارعة نحو تصفية القضية الفلسطينية بالكامل، سواء من خلال تدمير قطاع غزة أو عبر تكريس واقع الضم الزاحف في الضفة الغربية.

 

ثالثاً: الهيمنة العارية

من خلال قراءة الخطاب السياسي الرسمي في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، يمكن ملاحظة تحول واضح نحو فكرة الهيمنة الإقليمية المباشرة.

فلم يعد الحديث يقتصر على الدفاع عن الأمن الإسرائيلي داخل الحدود، بل أصبح يتضمن بشكل متزايد ضرورة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوق دولة الاحتلال المطلق.

وتتجلى هذه الرؤية في سلسلة العمليات العسكرية التي نفذتها إسرائيل في عدة ساحات إقليمية، حيث نفذت منذ عام 2015 أكثر من 1000 ضربة جوية في سوريا وفق تقديرات مراكز أبحاث غربية، إضافة إلى العمليات المستمرة في غزة والتوترات الدائمة مع لبنان.

لكن هذه المجازفة الاستراتيجية الكبرى ليست بالضرورة مضمونة النتائج. فالمقاومة الشرسة التي ظهرت في غزة، وكذلك المواجهات المتكررة على الحدود اللبنانية، تشير إلى أن مشروع الهيمنة الإسرائيلية يواجه تحديات حقيقية.

كما أن إيران ما تزال تمثل عامل تحدي استراتيجي دائم للكيان الصهيوني، سواء من خلال برنامجها الصاروخي أو عبر شبكة الحلفاء الإقليميين الذين يدعمونها.

أزمة الحكم داخل الكيان

أمام هذه المعطيات يبدو أن ما يواجهه الكيان الصهيوني اليوم ليس مجرد أزمة سياسية مرتبطة بشخص نتنياهو أو بطبيعة الحكومة اليمينية المتطرفة، بل أزمة أعمق تتعلق ببنية الحكم نفسها.

فالإجماع الصهيوني، كما يبدو، لا يلتئم إلا في ظروف الحرب. أما في فترات السلم، فإن الانقسامات الداخلية تظهر بشكل حاد، سواء بين التيارات العلمانية والدينية، أو بين اليمين واليسار، أو حتى بين اليهود الشرقيين والغربيين.

وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح خلال الأزمة السياسية التي سبقت حرب طوفان الأقصى، عندما شهدت دولة الاحتلال واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في تاريخها ضد مشروع إصلاح القضاء الذي طرحته حكومة نتنياهو.

لكن اندلاع الحرب أدى إلى تجميد هذه الانقسامات مؤقتاً، حيث أعادت الحرب توحيد المجتمع الصهيوني حول فكرة الدفاع عن الدولة.

ومن هذا المنظور يمكن فهم محاولة نتنياهو إعادة صياغة شكل الدولة وأولوياتها، سواء من خلال التغييرات الدستورية المقترحة أو عبر الدفع نحو نموذج دولة أكثر مركزية وأقل خضوعاً للقيود القضائية.

 

خاتمة

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن الكيان الصهيوني يعيش اليوم مرحلة تحول عميقة في تاريخه السياسي والاستراتيجي. فالحرب التي اندلعت بعد طوفان الأقصى لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كشفت عن تحول بنيوي في طبيعة الدولة الإسرائيلية نفسها.

هذا التحول يتمثل في الانتقال من نموذج الدولة التي تعتمد على الحروب الخاطفة والحسم السريع، إلى نموذج الدولة التي تعيش في حالة حرب دائمة وتعيد تعريف أمنها وموقعها الإقليمي على أساس هذه الحالة.

لكن السؤال الأكبر يبقى مفتوحاً: هل يستطيع الكيان الصهيوني الاستمرار في هذا المسار لفترة طويلة دون أن يدفع ثمناً استراتيجياً كبيراً؟

فالتاريخ يظهر أن الدول التي تبني استراتيجيتها بالكامل على القوة العسكرية قد تحقق انتصارات مؤقتة، لكنها غالباً ما تواجه تحديات متزايدة مع مرور الزمن، خصوصاً إذا كانت تلك القوة تُستخدم في بيئة إقليمية معادية ومعقدة مثل الشرق الأوسط، حيث يساهم الكيان الصهيوني في صناعة أعداء وتحالفات جديدة ، ويعلن عنهم ، حتى قبل أن يتم الإعلان عنها ، ونموذج التحالف التركي السوري المصري الذي يقر نتنياهو أنه في طريقه إلى العلن.

ولهذا فإن السنوات القادمة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الكيان الصهيوني سينجح في فرض رؤيته للهيمنة الإقليمية، أم أنه سيواجه حدود القوة التي يعتمد عليها اليوم ، وبالتالي ترسم ملامح نهايته بفعل تلك السياسات ، وكل قارء لتاريخ المنطقة يدرك جيدا أن مصير المنطقة كان دوما بيد شعوبها طوال الوقت ، وأن دولة الاحتلال امتداد لغزو خارجي له وقت وينتهي .