Menu

أسطول الصمود العالمي إلى غزة ... صرخة في البحر إلى ضمير العالم النائم

جمال كنج

بوابة الهدف

 

بينما تُختطف أنظار العالم بحرب أمريكية جديدة صُنعت لخدمه دولة الكيان ضد إيران، تتجمع على مياه البحر الأبيض المتوسط قافلة مقاومة أكثر هدوءاً وأعمق صوتاً. قافلة مصممة على تذكير المجتمع الدولي بأن الإبادة الجماعية في غزة لم تتوقف، ولن يتوقف من يناضلون من أجل إنهائها.

يبحر أسطول الصمود العالمي الآن في مهمته الربيعية لعام 2026؛ ناشطون دوليون على متن ما يقارب مئة سفينة، تتقدمها سفينة “آركتيك صانرايز” لمنظمة غرينبيس التي تُقدم الدعم التقني واللوجستي، يشقون عباب البحر نحو غزة تحت شعار واحد: نبحر حتى تتحرر فلسطين.

الهدف واضح رغم الصعاب: فتح ممر بحري مباشر إلى شواطئ غزة، لإيصال ما حرمه الحصار الذي تفرضه دولة الاحتلال على أكثر من 2.2 مليون إنسان منذ أكتوبر 2023. يحمل نحو ألف ناشط من شتى أصقاع الأرض شيئاً يعصى على القياس: الثقل الأخلاقي المتراكم لعالم سئم من مشاهدة الحكومات تُبدي قلقها دون أن تحرك ساكناً.

قبل الحديث عمّا يبحر الأسطول نحوه، على العالم أن يواجه ما اختار تطبيعه. احتلال دولة الكيان لثلاثة وخمسين بالمئة من أرض غزة، و حصار غذائي يتحكم في كل سعرة حرارية تدخل القطاع، حصار خانق ينظم عدد السعرات الحرارية المسموح دخولها لأطفال غزة، لا لإبقائهم أحياء، بل لضبط إيقاع موتهم البطيء. هدنة مزعومة لم تتوقف في ظلها عن استخدام الجوع سلاحاً في حرب التجويع.

في العاشر من أكتوبر 2025، أُعلن عن وقف لإطلاق النار في غزة. انتقلت العناوين إلى مكان آخر، لكن دولة الاحتلال لم تتوقف عن القتل. بعد ستة أشهر، أفاد فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، بأن ما لا يقل عن 738 فلسطينياً لقوا حتفهم منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، في حين تستمر الغارات الجوية وإطلاق النار والقصف يومياً على امتداد القطاع. وقال: “لا خارطة طريق للنجاة بيد الفلسطينيين… مهما فعلوا أو امتنعوا عن فعله، أينما ذهبوا أو أقاموا، لا أمان ولا حماية تُكفل لهم. يصعب التوفيق بين هذا وبين وقف إطلاق النار.”

ليس ممكناً، لأن وقف إطلاق نار من طرف واحد. بعد أكثر من ستة أشهر، تواصل دولة الكيان حصر 2.2 مليون فلسطيني في سبعة وأربعين بالمئة من أرضهم، سجن مفتوح يتقلص يوماً بعد يوم، جدرانه لم تُشيَّد من الإسمنت، بل من الصمت المحسوب للمجتمع الدولي. البيوت، أو ما تبقى منها لحظة الهدنة، جُرفت وسُوّيت بالأرض بصورة ممنهجة. أكثر من مليون إنسان لا يُسمح لهم بالعودة، حتى ولو لنصب خيمة فوق أنقاض ما كان ذات يوم بيتهم.

يفصلهم عن بيوتهم وحقولهم ما يُسمى “الخط الأصفر”. خط أحمر بلون الدم، لا تُحدده علامات على الأرض، بل تُرسمه جثث الفلسطينيين. فخ موت متحرك يلاحق أهل غزة في شوارعهم وأحيائهم وخيامهم. أب يُوصل طفله إلى ما تبقى من مدرسة. امرأة تحمل الماء إلى خيمتها. رجل يقف خارج جدران بيت لم يعد له جدران. أيٌّ منهم، في أي لحظة، قد يجد نفسه داخل إحداثيات “خط الدم” الجديدة، ليكون هدف لآلة القتل.

لإخفاء الحقيقة، تغتال دولة الاحتلال الشهود الذين يسعون إلى توثيق الجريمة. ففي الثامن من أبريل، اغتالت القوات التابعة للكيان الصهيوني صحفياً آخر، محمد وشاح، الصحفي الفلسطيني رقم 294 الذي تستهدفه دولة الكيان في غزة منذ أكتوبر 2023. ووفقاً لمعهد واتسون بجامعة براون، حتى أبريل 2025، “قتلت دولة الكيان في غزة من الصحفيين أكثر مما قتلته الحرب الأهلية الأمريكية، والحربان العالميتان الأولى والثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام بما فيها النزاعات في كمبوديا ولاوس، وحروب يوغوسلافيا في التسعينيات ومطلع الألفية، وحرب أفغانستان بعد الحادي عشر من سبتمبر، مجتمعةً.”

صدّرت دولة الكيان الأسلوب ذاته إلى لبنان، حيث بلغ عدد الصحفيين والعاملين في الإعلام الذين اغتيلوا أكثر من عشرين. استراتيجية ممنهجة لإسكات الشهود، لا نمط عرضي من الأضرار الجانبية. أعداد الصحفيين الذين استهدفوا في فلسطين ولبنان ليست مجرد أرقام، إنها سياسة ممنهجة. حيث باتت الخوذة الزرقاء وسترة الصحافة هدفاً عسكرياً تابعاً للكيان الصهيوني، لا لأن الصحفيين يحملون السلاح، بل لأن الكيان الصهيوني يخشى الكاميرا أكثر مما يخشى البندقية.

ولهذا تبقى غزة مغلقة أمام صحافة دولية متواطئة. تعتيم مُصمم لإخفاء ما يفعله الاحتلال على الأرض. حين لا تستطيع دولة الكيان منع الحقيقة من الوجود، تغتال الصحفيين المحليين الذين يكشفونها. وحين لا تستطيع منع العالم من الرؤية في نهاية المطاف، تحرص على أن يرى أقل ما يمكن، متأخراً، ومن خلال إعلام الهسبارا. الكاميرا أصبحت عدوا لأنها لا تكذب، ولا تتبنى البيانات العسكرية، ولا تصرف نظرها عن طفل يُنتشل من تحت الأنقاض في غزة، أو قطة تُنقذ طفلتها من تحت الركام في لبنان. الدليل هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تفتيته بالقنابل أو إذلاله بالتجويع، لذا يُغتال حامله.

يُدرك أسطول الصمود العالمي هذه الحقيقة. ومن بين من يبحرون صحفيون ومصورون وثائقيون ومراقبو حقوق الإنسان. ضمائر حية اختارت أن تضع أجسادها بين غزة ونسيان العالم. اعترضت دولة الاحتلال سفنهم في المياه الدولية مرات عدة، شوّشت إشاراتهم، صادرت سفنهم، أهانتهم وجرّتهم إلى الاعتقال. و ستحاول ذلك بلا شك مرة أخرى. لكن موازين الرأي العام العالمي قد تغيّرت. كل اعتراض جديد دليل إدانة جديد، وكل فرد من الطاقم يُؤخذ في ظلام الليل المتوسطي شاهد سيروي حكايته.

 

تمتلك دولة الكيان أرقى منظومات الأسلحة التي يموّلها دافع الضرائب الأمريكي. طائرات مسيّرة تلاحق الصحفيين بأسمائهم، ودرعاً دبلوماسياً يُثبّته حق النقض الأمريكي. غير أنها لا تملك، ولن تستطيع صنع، القدرة على قتل فكرة حان وقتها. تبحر الأساطيل لأن أهل غزة لم يستسلموا. تبحر مجدداً لأن الخوذة الزرقاء وسترة الصحافة، رغم اتشاحهما بدم ما يقارب ثلاثمئة صحفي، لا يزالان يعنيان شيئاً لمن يرتديانهما. جاؤوا من القارات السبع لأن التاريخ يُكتب على هذه المياه المعتمة، و لأن النشطاء على متن هذه السفن استثناء لعالم أعمى.

ومع ذلك، ورغم هذه القوة العسكرية الهائلة، لم تجد دولة الكيان بعد سلاحاً قادراً على إخماد إرادة الشعوب في الوقوف بوجه الظلم. غزة ستتحرر. السؤال الوحيد هو: كم أسطولاً يجب أن يبحر، وكم شاهداً يجب أن يُغتال، قبل أن يصحو ضمير العالم؟