Menu

علاج غير تقليدي وسط ظروف قاسية..

تقريررشيد عنبر يوظف الحيوانات لكسر الصدمات النفسية لدى أطفال غزة

أحمد زقوت

خاص_بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

في قلب مخيم الزوايدة وسط قطاع غزة، حيث تتداخل أصوات الحياة اليومية مع ثقل الظروف المعيشية القاسية، يبرز اسم رشيد عنبر كأحد الوجوه التي اختارت مواجهة الألم بطريقة مختلفة؛ عبر جلسات دعم نفسي موجهة للأطفال، تستخدم الحيوانات كوسيط للطمأنينة وإعادة التوازن النفسي.

في فضاء صغير تحيط به البساطة من كل جانب، تتحول نظرات الأطفال من القلق والانكماش إلى الفضول والدهشة حين يقتربون من حيوانات أليفة جرى ترويضها بعناية لتكون جزءاً من جلسات العلاج النفسي. هناك، لا تُطلب الكلمات بقدر ما يُطلب الشعور بالأمان، ولا يُفرض الحديث، بل يُفتح باب التعبير غير المباشر عن الخوف والصدمة والحرمان.

كسر الحواجز النفسية

الشاب رشيد عنبر، الذي يعمل في مجال الدعم النفسي المجتمعي، لا يبدو في حديثه منفصلاً عن عالم الأطفال الذين يجلسون حوله، حيث ملامحه الهادئة وصوته المتزن يعكسان تجربة طويلة مع الألم الإنساني في بيئة مثقلة بالضغوط.

يقول عنبر لـ "بوابة الهدف"، إنّ الفكرة لم تولد من رفاهية الاختيار، بل من الحاجة، فالأطفال هنا لا يملكون دائماً القدرة على التعبير، لكنهم حين يقتربون من الحيوان، يبدؤون بالانفتاح تدريجياً دون خوف أو حكم مسبق.

ويشرح أنّ استخدام الحيوانات في الجلسات النفسية يساعد على كسر الحواجز النفسية، خصوصاً لدى الأطفال الذين تعرضوا لصدمات أو فقدان أو عنف، إذ إن التفاعل مع كائن حي غير بشري يمنحهم شعوراً بالأمان غير المشروط، ويعيد بناء الثقة بشكل تدريجي، بعيداً عن الضغط المباشر أو إجبار الطفل على التعبير اللفظي.

220426_Nuseirat_YW_01(29).jpg
مساحة آمنة لاحتواء الخوف وبناء الأمان

في إحدى الجلسات داخل المساحة البسيطة التي تُقام فيها أنشطة الدعم النفسي في مخيم الزوايدة وسط القطاع، يجلس عماد، طفل صغير لا يتجاوز عمره تسع سنوات، على طرف الحصيرة وهو يراقب الأرنب الأبيض بصمت. كان واضحاً من ملامحه أنه يعيش صراعاً داخلياً بين الفضول والخوف؛ يقترب قليلاً ثم يتراجع، يمد يده ويسحبها بسرعة، وكأن بينه وبين الحيوان حاجزاً غير مرئي من التردد والقلق.

يقترب رشيد بهدوء، دون ضغط أو توجيه مباشر، ويمنح الطفل مساحة كاملة لاتخاذ القرار بنفسه، في مشهد يعكس فلسفة العمل القائمة على الحرية النفسية وعدم الإكراه. وبعد دقائق من الصمت، ينجح عماد أخيراً في لمس الأرنب ببطء شديد، وكأنه يختبر شيئاً جديداً لأول مرة في حياته. وعندما يشعر بملمس الفراء الناعم تحت أصابعه، يتغير تعبير وجهه تدريجياً من التوتر إلى الدهشة، ثم إلى ابتسامة خفيفة لم تكن متوقعة في البداية.

يقول الطفل عماد في حديثه لـ "الهدف" بصوت خافت: "كنت أظن أنّ الحيوان قد يكون مخيفاً، لكن عندما اقتربت منه شعرت أننا تشابهان؛ هو هادئ، وأنا أيضاً بدأت أهدأ قليلاً، هذه أول مرة أشعر فيها بهذا القدر من الراحة".

ثم يتوقف لحظة، وكأنه يعيد ترتيب مشاعره، قبل أن يضيف بابتسامة أوسع تحمل شيئاً من الطمأنينة: "في البيت تحدث أشياء كثيرة تُخيفني فأبقى صامتاً، لكن هنا شعرت أنني أستطيع التنفس، والأرنب لم يتكلم، لكنه يفهمني".

إعادة إحياء الإحساس بالحياة

هذه اللحظة، التي قد تبدو عابرة لمن يراها من الخارج، تحمل في عمقها دلالة نفسية واضحة، كما يشرح عنبر، إذ يشير إلى أنّ التفاعل غير المباشر مع الحيوان يساعد الطفل على تخفيف التوتر وإعادة بناء الإحساس بالأمان الداخلي دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع التجربة الصادمة أو الحديث عنها قسراً.

ولا يقتصر عمل عنبر على الجلسات الفردية، بل يمتد إلى أنشطة جماعية تهدف إلى تعزيز مهارات التواصل والتفريغ الانفعالي، في محاولة لخلق مساحة آمنة للأطفال داخل بيئة تفتقر إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي.

ويؤكد عنبر أنّ الهدف من هذه الجلسات ليس تقديم علاج سريع، بل "إعادة بناء الإحساس بالحياة لدى الأطفال الذين عاشوا فوق طاقتهم من الخوف والضغط خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، حيث حُرموا من التعليم وعاشوا الرعب والقصف والنزوح والخوف اليومي".

ويشدد على أنّ هذه الظروف القاسية فرضت الحاجة إلى أساليب دعم نفسي بديلة وأكثر قرباً من عالم الطفل، تقوم على التفاعل غير المباشر مع المشاعر بدل مواجهتها بشكل مباشر.

ويلفت عنبر إلى أنّه خلال الحرب عثر على العديد من الحيوانات الأليفة المهجورة في الشوارع، فقام بجمعها ورعايتها ثم توظيفها في الجلسات العلاجية، موضحاً أنّ بقاءها في الشوارع كان سيؤدي إلى نفوقها، بينما أتاح دمجها فرصة لإنقاذها والاستفادة منها نفسياً.

إشراف طبي وسلوكي لضمان بيئة آمنة

ويُعد عنبر من أوائل من عملوا في مجال "العلاج بمساعدة الحيوانات" في غزة، إذ قاد قبل الحرب مبادرة "صديق الحيوان" من منزله، ويعمل على تدريب الحيوانات ونشر ثقافة الرفق بها في المدارس.

لكن الحرب دمّرت مشروعه وفقد جميع حيواناته، ما شكّل له صدمة شخصية كبيرة، قبل أن يعود إلى العمل من خلال "سمير بروجكت الطبي"، الذي يضم اليوم مخيمات إيواء ومدرسة تقدم خدمات تعليمية ودعماً نفسياً.

ومن هنا، انطلقت فكرة دمج الحيوانات في جلسات التفريغ الانفعالي، حيث يوضح رشيد أنّ المشروع يوفر ببغاوات وأرانب وطيوراً وسلاحف وكلاباً مدربة.
220426_Nuseirat_YW_01(11).jpg
 

ويشير عنبر إلى أنّ هذا الأسلوب يساعد الأطفال على الشعور بالهدوء وتحمل المسؤولية وتعزيز الثقة بالنفس عبر رعاية الكائن الحي، فيما يتم الإشراف الطبي والسلوكي على الحيوانات، والعمل مع طاقم الدعم النفسي لضمان التعامل الآمن، خصوصاً مع الأطفال الذين يعانون من فوبيا أو صدمات حادة.

نقص الغذاء والرعاية البيطرية يفاقم الأزمة

ووفق إحصاءات بلدية غزة لعام 2023، كان في قطاع غزة نحو 19 حديقة حيوان تضم قرابة 100 حيوان مفترس، بينها أسود ونسور وغيرها. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الحدائق شبه مهجورة، وتواجه خطر الانهيار الكامل نتيجة القصف والتدمير ونقص الغذاء والرعاية البيطرية، ما أدى إلى تدهور خطير في أوضاع الحيوانات وتهديد بقائها.

وتشير مسؤولة برامج المراهقين والشباب في صندوق الأمم المتحدة للسكان، سيما علامي، إلى أنّ أكثر من مليون طفل في غزة يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي، لافتة إلى أنّ 96% منهم يشعرون بأنّ "الموت وشيك"، ما يعكس عمق الصدمات النفسية التي يعيشونها يومياً، فيما تصفه بأنه "حالة طوارئ نفسية واسعة النطاق".

أدوية نادرة وعيادات مدمرة

بدوره، يقول الطبيب البيطري عائد أبو نجم إنّ العلاج بمساعدة الحيوانات في غزة أصبح أداة مهمة لدعم الأطفال نفسياً، إذ يسهم في تخفيف التوتر والخوف وتعزيز مشاعر الأمان والفرح، إلى جانب تنمية التعاطف والتعرّف على عالم الحيوانات في بيئة تفاعلية تجمع بين اللعب والتعلم.

ويشير أبو نجم في حديثه مع "الهدف" إلى أنّ استجابة الأطفال لهذا النوع من العلاج تكون عادة أعلى من البالغين، وأن بعض الحيوانات مثل الأرانب تمنح شعوراً بالهدوء، بينما تعزز حيوانات أخرى مثل الخيل الإحساس بالقوة والثقة، مؤكداً أنّ التأثير يختلف بحسب طبيعة الحيوان والطفل.

ويؤكد أنّ هذا الأسلوب يُعد من الاتجاهات الحديثة في العلاج النفسي، لكنه يرفض أي حديث عن استغلال الحيوانات، موضحاً أنّ مشاركتها تتم بطريقة تراعي حالتها الصحية والنفسية، مع استبعاد أي حيوان يُظهر توتراً أو رفضاً للتفاعل.

ويلفت الطبيب البيطري إلى أنّ قطاع غزة يواجه أزمة حادة، حيث ارتفعت أسعار الأعلاف بشكل كبير، وتراجع توفر الأدوية والمستلزمات الطبية، ما جعل علاج الحيوانات في غاية الصعوبة، في ظل تدمير نحو 90% من العيادات البيطرية ونفاد معظم المخزون الدوائي.

ويبين أبو نجم أنّ الحيوانات نفسها باتت تعاني من آثار الحرب، بما في ذلك الجوع والإجهاد والصدمة النفسية، بينما تحولت بعض الحيوانات مثل الخيول والحمير إلى وسيلة نقل رغم تعرضها للإرهاق وسوء التغذية، مشددًا على أن إنقاذ المنظومة البيطرية لم يعد قضية ثانوية، بل ضرورة إنسانية وصحية، لأن تدهور صحة الحيوان ينعكس مباشرة على صحة الإنسان والبيئة.

نقص الدعم النفسي يعرقل مسارات التعافي

وفي السياق، يحذّر أستاذ الصحة النفسية في جامعة الأقصى عبد الله الخطيب من تصاعد حاد في معدلات الاضطرابات النفسية في قطاع غزة، خصوصاً بين الأطفال والنساء، نتيجة استمرار الحرب وما رافقها من فقدان للأمن والخصوصية.

ويوضح الخطيب في حديثه إلى "الهدف" أنّ كثيرين يعانون من القلق والخوف وأعراض اكتئاب تشمل الحزن والإرهاق والشعور بالعجز، إضافة إلى تأنيب الضمير، إلى جانب تزايد الاضطرابات السلوكية مثل الغضب والتعلق المفرط وسلوكيات غير اعتيادية.

ويؤكد أنّ نقص الأدوية والدعم النفسي يعيق عمليات التعافي، محذراً من أن نحو 70% من السكان قد يكونون عرضة لاضطراب ما بعد الصدمة، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً عبر توفير العلاج الدوائي وتوسيع جلسات الدعم النفسي لتفادي تفاقم الأزمة.

رشيد عنبر، في حضوره الهادئ بين الأطفال والحيوانات، يقدم نموذجاً مختلفاً للعمل النفسي المجتمعي؛ نموذجاً يقوم على القرب والإنصات واللطف، في مكان يحتاج فيه الإنسان قبل كل شيء إلى أن يشعر بأنه مرئي ومفهوم.

220426_Nuseirat_YW_01(33).jpg
220426_Nuseirat_YW_01(26).jpg
220426_Nuseirat_YW_01(25).jpg
220426_Nuseirat_YW_01(19).jpg
220426_Nuseirat_YW_01(23).jpg
220426_Nuseirat_YW_01(12).jpg