Menu

صناديق التزكية في زمن الانهيار: الانتخابات البلدية ومأزق السلطة الفلسطينية

عشتار حيفاوي

بوابة الهدف

في ظل أزمة وجودية تعصف بالقضية الفلسطينية، ومع استمرار الإبادة في قطاع غزة والتوغلات اليومية لجيش الاحتلال في مدن ومخيمات الضفة الغربية، توجه آلاف الفلسطينيين قبل عدة أيام إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية والقروية. هذه الانتخابات، التي تُعدّ الأولى التي تشمل قطاع غزة، وتحديداً مدينة دير البلح، منذ أكثر من عقدين، تبدو في جوهرها محاولة من السلطة الفلسطينية لإعادة إنتاج شرعيتها المتآكلة أمام المجتمع الدولي، وتحديداً استجابةً لشروط المانحين الأوروبيين.

يعكس هذا المشهد الانتخابي حالة من التناقض الصارخ؛ ففي الوقت الذي تعجز فيه السلطة الفلسطينية عن توفير الحماية الأساسية للمواطنين، أو حتى دفع رواتب موظفيها كاملة منذ عام 2019، تنشغل أروقتها برسم قوانين انتخابية تضمن بقاء الحزب الحاكم، حركة فتح، مهيمناً على المجالس المحلية.

العصا والجزرة الأوروبية

لا يمكن قراءة توقيت الانتخابات بمعزل عن الضغوط المالية الخانقة التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية. منذ عام 2019، وبسبب اقتطاعات الكيان الصهيوني المستمرة لأموال المقاصة الفلسطينية، التي قاربت المليار دولار، تعيش السلطة أزمة رواتب مزمنة. لم يتلقَّ الموظفون العموميون رواتب كاملة منذ سنوات، حيث تراوحت نسب الصرف بين 50% و80%، وفي آذار 2026 تم صرف 50% فقط من راتب شهر كانون الأول 2025.

في خضم هذا الانهيار المالي، قدم الاتحاد الأوروبي في منتصف نيسان 2025 حزمة مساعدات مالية بقيمة 1.6 مليار يورو، أي حوالي 1.8 مليار دولار، تغطي الفترة من 2025 إلى 2027. بالطبع، لم تكن هذه الأموال شيكاً على بياض. لقد ارتبط التمويل الأوروبي المباشر بـ “مصفوفة إصلاح" صارمة تم الاتفاق عليها بين السلطة والاتحاد الأوروبي في تشرين الثاني 2024.

تتجلى هذه المشروطية في تصريح المفوضة الأوروبية لشؤون البحر المتوسط، دوبرافكا شويتسا: "نريدهم أن يصلحوا أنفسهم، لأنه بدون إصلاح، لن يكونوا أقوياء وذوي مصداقية كافية ليكونوا محاورين، ليس فقط لنا، بل محاوراً أيضاً لإسرائيل".

غير أن قراءة متأنية لـ “مصفوفة الإصلاح" الأوروبية-الفلسطينية تكشف عن انتقائية واضحة في استجابة رام الله. فالمصفوفة تتضمن حزمة واسعة من المطالب، تشمل إصلاح قطاع الأمن، وتعزيز استقلال القضاء، وتقليص القطاع العام المتضخم، وإرساء الشفافية المالية لمكافحة الفساد. وبدلاً من معالجة هذه الملفات الشائكة التي تمس جوهر بنية السلطة العميقة، اختارت السلطة الفلسطينية الذهاب نحو الخيار الأسهل والأقل تكلفة: الانتخابات البلدية. لقد قُدّمت هذه الانتخابات للمانحين كدليل ملموس على "التحول الديمقراطي"، بينما هي في الواقع مناورة للالتفاف على استحقاقات الإصلاح الهيكلي الحقيقي الذي يطالب به كل من الشارع الفلسطيني والمجتمع الدولي.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي، تُمثل الانتخابات المحلية، في ظل غياب الانتخابات الرئاسية والتشريعية المعطلة منذ 2006، الآلية الوحيدة المتبقية لإضفاء قشرة من الشرعية المؤسسية على السلطة الفلسطينية، وتأهيلها للعب دور في إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب.

غزة في الصندوق

تزعم السلطة الفلسطينية أن هذه الانتخابات تمثل إنجازاً سياسياً في ظروف استثنائية. فكما صرّح رئيس الوزراء محمد مصطفى، فإن الانتخابات تُعدّ "خطوة أخرى على طريق الاستقلال الكامل". تُحاجج السلطة، التي لا تسعى نحو أي خطوات ثانية باتجاه الاستقلال، بأن إجراء الانتخابات في ظل الحرب هو تأكيد على سيادة المؤسسات الفلسطينية ورفض للوصاية الإسرائيلية. لكن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بواقع مغاير على الأرض؛ فأين نحن من الانتخابات العامة؟ وأي سيادةٍ هذه من دون توفير الحد الأدنى من الأمن أو الأجور على الأقل؟

أبرز ما يميز انتخابات 2026 هو شمولها لمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وهي المرة الأولى التي تُجرى فيها انتخابات من أي نوع في القطاع منذ عام 2006. وقد جاء اختيارها لكونها "من أقل مدن القطاع تضرراً" عقب حرب الإبادة الجماعية الصهيونية المستمرة. وبحسب وصف مسؤولي السلطة الفلسطينية، فإن التصويت في دير البلح كان "انتخاباً تجريبياً رمزياً" يهدف إلى توجيه رسالة سياسية واضحة للمجتمع الدولي والكيان الصهيوني بأن "غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية".

ومع ذلك، جاءت النتائج على الأرض لتعكس مأساوية الواقع، حيث بلغت نسبة المشاركة في دير البلح 23% فقط، وهي نسبة متدنية جداً. ويعود ذلك، بطبيعة الحال، إلى الاعتماد على سجل مدني غير محدث، لا يزال يضم أسماء آلاف الشهداء الذين ارتقوا خلال الإبادة، وإلى موجات النزوح الداخلي، وقيود الاحتلال التي منعت حتى وصول بعض صناديق الاقتراع والمعدات إلى القطاع. وقد زاد من سريالية المشهد أن هذه الانتخابات جاءت في ظل ظروف مأساوية يعيشها سكان القطاع المشردون في الشوارع، والذين طُلب منهم ممارسة حقهم في الاقتراع على وقع أصوات القصف، وفي ظل الدمار المحيط بهم، داخل خيام نُصبت لممارسة العرس الديمقراطي، في الوقت نفسه الذي لم يجدوا فيه خياماً تؤوي عائلاتهم.

نجحت القائمة المدعومة من حركة فتح والسلطة الفلسطينية، "نهضة دير البلح"، في حصد 6 مقاعد من أصل 15، بينما حصلت قائمة يُنظر إليها على أنها مقربة من حركة حماس ، "دير البلح تجمعنا"، على مقعدين. وبالطبع، فإن إجراء الانتخابات في غزة يمثل محاولة صريحة من السلطة لتأسيس موطئ قدم إداري وسياسي لها في القطاع، تمهيداً لمرحلة ما بعد الحرب.

اللعب على القوانين وهاجس الخسارة

تُدرك قيادة السلطة الفلسطينية حجم الغضب الشعبي وانعدام الثقة بها، وهو ما أظهرته بوضوح نتائج الانتخابات المحلية السابقة (2021-2022). ففي المرحلة الثانية من تلك الانتخابات التي جرت في المدن الكبرى، في آذار 2022، مُنيت القوائم الرسمية لحركة فتح بخسائر فادحة، حيث فازت القوائم المستقلة بـ64.4% من المقاعد، بينما لم تحصل فتح سوى على 217 مقعداً من أصل 632. وكان هذا التراجع الشعبي مدعوماً باستطلاعات الرأي التي أظهرت في أواخر 2021 تفوقاً كبيراً لحركة حماس، بنسبة 47%، على فتح، بنسبة 29%، لو أُجريت انتخابات شاملة.

لتجنب تكرار سيناريو الخسارة، لجأت السلطة إلى التلاعب بالقوانين. ففي 28 كانون الثاني 2026، أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً بتعديل قانون الانتخابات المحلية، متضمناً شرطاً سياسياً غير مسبوق في الانتخابات الخدماتية. يُلزم التعديل الجديد جميع المرشحين بالتوقيع على إقرار بقبول "البرنامج الوطني" لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يعني ضمنياً الاعتراف باتفاقيات أوسلو، والاعتراف بالكيان الصهيوني، ومشروع السلطة الحالية.

كان هذا التعديل القانوني بمثابة ضربة استباقية مزدوجة. فمن جهة، استهدف إرضاء الإدارة الأمريكية والمانحين الأوروبيين الذين يشترطون "نبذ العنف" والاعتراف بالكيان الصهيوني لاستمرار التمويل. ومن جهة أخرى، دفع حركات المعارضة جميعها قسراً نحو المقاطعة. فقد أدانت حركة حماس، مثلاً، التعديل، واعتبرته "محاولة لإقصاء الحركة والمستقلين"، وهو موقف دعمته 28 منظمة مجتمع مدني فلسطينية رأت في التعديل تقييداً خطيراً لحرية التعبير السياسي. أما الكيان الصهيوني، فرغم معارضة حكومة نتنياهو لأي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية، فإنها لم تمنع الانتخابات في الضفة، إدراكاً منها بأن سلطة ضعيفة تدير النفايات والمياه تخدم رؤيتها في تحويل السلطة إلى مجرد "وكيل إداري وأمني" بلا أفق سياسي.

انتخابات بلا ناخبين

أدت التعديلات الإقصائية، مقترنة بحالة الإحباط العام، إلى نتائج غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الفلسطينية. وفقاً للنتائج الرسمية الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية في نيسان 2026، ومن بين الهيئات المحلية المشاركة، حُسمت 197 هيئة محلية بـ “التزكية"، أي بوجود قائمة واحدة فقط دون الحاجة إلى إجراء تصويت.

أهم دلالات هذه الأرقام هو أن مدناً رئيسية تُعتبر مراكز ثقل للسلطة، مثل رام الله ونابلس، لم تشهد أي انتخابات تنافسية، بل حُسمت بالتزكية لصالح القوائم المدعومة من فتح، لانعدام القوائم المرشحة. وفي مفارقة صارخة تعكس حالة العزوف واليأس، سُجل في بلدة كفر قليل بمحافظة نابلس مشاركة "ناخبين اثنين فقط" من أصل 2,510 ناخبين يحق لهم الاقتراع، وتم اعتماد النتائج النهائية بناءً على صوتيهما. هذا الواقع يؤكد أن الانتخابات قد جُردت من أي مضمون سياسي أو ديمقراطي.

يتضاعف العزوف الشعبي عند إدراك الحجم الحقيقي لصلاحيات الهيئات المحلية الفلسطينية. فوفقاً لقانون الهيئات المحلية لعام 1997، تقتصر مهام البلديات الـ 157 والمجالس القروية الـ 328 على خدمات أساسية محدودة، مثل المياه، وتعبيد الطرق، وجمع النفايات، والإنارة. في المقابل، تبقى القطاعات الحيوية، كالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، مركزية بيد السلطة. ومع توقف التحويلات المالية من الحكومة المركزية بسبب أزمتها الخانقة، وجدت البلديات نفسها مجردة من الموارد، وتعتمد بشكل شبه كلي على جيوب المواطنين المنهكة أو على منح خارجية متقطعة. في هذا السياق، يصبح التنافس على مقاعد البلدية في نظر المواطن تنافساً على "إدارة العجز"، لا على قيادة التنمية.

العودة إلى حضن العشيرة

تترك سياسات السلطة آثاراً اجتماعية مدمرة على النسيج الفلسطيني. في ظل غياب الفصائل السياسية المعارضة وتراجع شعبية السلطة، شكّل المستقلون 88% من المرشحين في انتخابات 2026. ومع اعتماد نظام الأغلبية في المجالس القروية، الذي يتيح للناخب اختيار عدد محدود من الأسماء بدلاً من القوائم المغلقة، تحولت الانتخابات إلى ساحة لتصفية الحسابات العائلية وإعادة إنتاج "العشائرية" كبديل عن الانتماء الوطني أو الحزبي.

هذا ما يؤكد أن حالة الإحباط تتجاوز انعدام الثقة الكلاسيكي في السلطة، بل هي حالة من اليأس وفقدان الأمل والعجز؛ فبالإضافة إلى الغضب وانعدام الرضا عن السلطة، يدرك المواطن الفلسطيني أن هؤلاء الأشخاص لا يملكون الكثير لمساعدة أنفسهم، كما أنهم لا يمثلون إطاراً موثوقاً يشعر الناس بأن صوتهم يُحدث فرقاً.

كما يتجلى التناقض الاجتماعي في التمييز المالي الذي تمارسه السلطة؛ فبينما يعاني الموظف المدني من استقطاع نصف راتبه ليصبح "أحد فقراء المجتمع"، تُصرّ السلطة على دفع مخصصات فئات أخرى كاملة لاعتبارات سياسية بحتة. هذا التمييز يعمّق الشرخ بين السلطة والمواطن، الذي يرى أن أولويات القيادة لا تتطابق مع احتياجاته اليومية المتمثلة في الحماية والأمن الاقتصادي.

ما بعد صناديق الاقتراع

لا تمثل الانتخابات البلدية الفلسطينية لعام 2026 خطوة نحو الديمقراطية، بل هي "هندسة للبقاء" تمارسها سلطة فقدت مبرر وجودها في نظر شعبها. إن محاولة شراء "الشرعية الدولية" عبر صناديق التزكية، وتلبية شروط المانحين بإصلاحات قشرية تتجنب جوهر الفساد، لا يمكن أن تعوض فقدان الشرعية الشعبية.

السؤال الأهم اليوم ليس من فاز بمقاعد البلديات، بل ماذا يعني هذا المسار لمستقبل القضية؟ تشير هذه الانتخابات إلى أن القيادة الفلسطينية الحالية تختار الانغلاق على ذاتها وإعادة إنتاج العشائرية، بدلاً من بناء جبهة وطنية موحدة لمواجهة الإبادة ومشاريع الضم. إذا استمرت السلطة في التعاطي مع الحكم كأداة لاسترضاء الخارج، بدلاً من كونه عقداً اجتماعياً مع الداخل، فإنها لا تطيل عمرها، بل تُسرّع من وتيرة تفككها.

إن هذا "الاغتراب" المتزايد بين الشارع وقيادته ينذر بمرحلة خطيرة، قد تتجاوز فيها الجماهير الفلسطينية هذه الهياكل المؤسسية المفرغة، باحثة عن أطر بديلة للمقاومة والبقاء خارج حسابات "مصفوفة الإصلاح" وصناديق التزكية.