Menu

تقدير موقف الحرب الإمبرياليّة الهجينة على مالي: الأبعاد والأهداف والفاعلون

موديبو دانيون وسليمان منغانــي

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

لقد كشفت الأحداث الجارية في مالي منذ 25-04-2026 عن تطور نوعي في طبيعة التهديد: لم تعد الهجمات تقتصر على المناطق النائية، بل تستهدف الآن المراكز العسكرية والسياسية الرئيسية، بما في ذلك العاصمة باماكو. يعزز هذا الفرضية القائلة بأن الجمهورية تواجه تهديدًا معقدًا يشمل جهات فاعلة متعددة، مما يزيد من تعقيد الاستجابة الأمنية والسياسية والجيواستراتيجيّة. ويبدو أن تحالفًا دوليًا لزعزعة الاستقرار يتبلور خلف صفوف العدو المتسللة إلى مواقع استراتيجية في البلاد. الأمر الذي يقتضي قراءة متأنّية لمسارات الأحداث وأبعادها وأهدافها والأطراف الفاعلة فيها المحليّة والإقليميّة والدّوليّة.

أوّلا: البعد الجيوسياسي والجيوستراتيجـي

  1. موقع مالي على الخارطة الجيوسياسية والجيوستراتيجيّة في منطقة السّاحل

تُعد مالي القلُب النابض والركيزة الأساسية في جيوسياسية منطقة الساحل الإفريقي، حيث تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية تربط بين شمال إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، وتتحكم في ممرات أمنية واقتصادية حيوية. وعليه يمكن تحليل موقع مالي الجيوسياسي والجيوسترتيجي على النحو التّالي:

1-1 الموقع الجغرافي والاستراتيجي (الجسر والعمق)

- بوابة صحراوية: تحد مالي الجزائر شمالاً، مما يجعلها خط الدفاع الأول أو "المنطقة العازلة" ضد انتقال الاضطرابات من شمال إفريقيا إلى غربها.

- التوسط الإقليمي: تقع في قلب الساحل وتحدها سبع دول، مما يجعل استقرارها مؤثراً بشكل مباشر على الجزائر وموريتانيا، والنيجر، وبوركينا فاسو، وكوت ديفوار، وغينيا والسنغال.

- خلفية اقتصادية: تمثل مالي عمقاً استراتيجياً لدول غرب إفريقيا (إيكواس) الساحلية، وبوابة برية تربط الموانئ (مثل الكوت ديفوار وغينيا والسنغال) بالمناطق الداخلية كبوركينا فاسو أو النيجر. علاوة على ما تتمتّع بها البلاد من ثروات طبيعية (الذهب، وليتيوم، والحديد، والبوكسيت، ومانغانيز...) والتي أصبحت اليوم من المعادن النادرة في الصناعات التكنولوجيّة والعسكريّة.

1-2 الخارطة الجيوسياسية الحالية (التحالفات الجديدة)

شهدت مالي تحولاً جذرياً في تحالفاتها منذ عام 2021 تمثّلت في:

- حصر النفوذ الفرنسي: بمغادرة القوات الفرنسية (برخان) والأممية (مينوسما) كأهم تحوّل جيوسياسي في تاريخ مالي منذ استقلالها سنة 1960. وفي المقابل سعت إلى إبرام شراكات استراتيجيّة مع شركاء دوليّة جدد.

-التحالف مع روسيا: والتنوّع من الشركاء الدّوليين: أصبحت مالي حليفاً عسكرياً رئيسياً لروسيا منذ القطيعة مع فرنسا، مما جعلها مركزاً للمواجهة الروسية-الغربية في المنطقة. يضاف إلى ذلك إبرامها بعض الشراكات الاقتصادية والأمنيّة مع شركاء تقليديين كالصين وجدد ك تركيا والهند. مع الإشارة إلى أنّ العلاقة الماليّة الروسية ليست وليدة اللّحظة بل تعود إلى بداية الستينيات، مرحلة الاستقلال وبناء الدّولة الوطنية في مالي بزعامة الرّئيس موديبو كيتا (Modibo KEÏTA) (1915-1977)

- تكوين كونفدرالية تحالف دول الساحل (AES): انسحبت مالي من منظمة "إيكواس" المجموعة الاقتصاديّة لغرب إفريقيا وشكّلت مع النيجر وبوركينا فاسو في 6 يوليو/ تموز 2024 كونفدرالية دفاعية وسياسية واقتصاديّة، مما أدى إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية في المنطقة بعيداً عن النفوذ الغربي.

1-3 الأهمية الجيواستراتيجية ( عمق أمني استراتيجي ومصدر للطاقة)

- ساحة حرب ضدّ الكيانات الوظيفيّة: يعتبر شمال مالي مركزاً لنشاط الجماعات الإرهابية المنخرطة في تنفيذ أجندات غربية في المنطقة مثل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) أحد فروع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والمرتبطة إيديولوجيا واستراتيجيّا بتنظيم القاعدة العالمـيّ، وكذلك جماعة تنظيم "الدّولة الإسلاميّة" (داعش)، وذلك على شاكلة النموذج السوريّ أو العراقيّ؛ مما حوّلت مالي –منذ سنين-إلى مختبر للعمليات العسكرية المشتركة بين الجيش المالي وحلفائه الجدد ضدّ هذه الكيانات المستحدثة.

- صراع الموارد والحدود: تمثل مناطق الشمال (كيدال، غاو، تمبكتو) ساحة نزاع بين الحكومة المركزية، والحركات الانفصالية، والجماعات الإرهابيّة التي توظّفها وتحرّكها قوى إقليميّة ودوليّة لبسط النفود والسيطرة على الموارد وبناء الاقتصاد الموازي خارج مراقبة وسيطرة الدّولة المركزيّة.

- الطرق غير الشرعية: موقع مالي الجغرافي الممتد في الصحراء يجعلها ممراً حيوياً لشبكات التهريب والهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.

- التنافس الدولي (حرب بالوكالة): مع تورّط قوى إقليمية في الصراع، ودخول أوكرانيا المدعمة من قبل قوى غربية استعماريّة كطرف غير مباشر لدعم التحالف الإرهابي-الانفصالي ضدّ حلفاء روسيا في مالي، تحولت مالي إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية وتدافع القوى.

1-4التنافس الإقليمي الجديد

في هذا السياق تبرز الجزائر كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين التقليديين في أزمة مالي منذ بدايتها، بحكم الحدود الجغرافية المشتركة التي تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، والتشابك الأمني والقبلي بين شمال مالي وجنوب الجزائر ( ). لكن اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة الوطنية في مالي عام 2015، الذي هدف حينها إلى إعادة دمج الجماعات المسلّحة في الحياة الوطنية وتثبيت الاستقرار في المناطق الشمالية من البلاد، لم يحقّق السلام المرجوّ للأسباب التاليّة:

- أنّ الاتّفاق كان في جوهره مخالفا للدّستور المالي ومسّا لمبدأ السيادة الذي كان أقره البند 25 من دستور (25-02-1992) أنّ مالي جمهورية مستقلة ذات سيادة غير قابلة للتجزئة ...وأن أي قرار بشأن السيادة والوحدة الترابيّة ينبغي أن يخضع لسلطة الشعب ومن ثمّ الاستفتاء الشعبي. وهو مالم يتمّ –في نظر الكثيرين من المحلّلين-بخصوص الاتّفاق المشار إليه، الأمر الذي جعل بعض القوى السياسية والمدنية في مالي ترفضه كليّا او جزئيّا باعتباره متناقضا مع الدستور المرجع القانوني الأعلى في البلاد.

- أنّ الاتّفاق الذي أبرمته الدّولة – وهي في حالة ضعف سياسي ووهن عسكري- مع جماعات مسلّحة وحركات انفصالية، لم تحظ بتأييد شعبي ولا انخراط للقوى الفاعلة في الدّولة. الأمر الذي جعل تطبيقه صعبا ومعقّدا.

- أنّ المفاهيم الأساسية التي أكّد عليها الاتّفاق (السيادة والوحدة، اللامركزية، الأمن ونزع السلاح) تقرّ بنوع من الكونفدرالية والاستقلال الذاتي لبعض الحركات في الشمال، كتمهيد لتقسيم مالي في سياق المشروع الاستعماري التقليدي المستند إلى سياسة دعم الأقليات ومنظومة الأنثروبولوجيا الاستعماريّة (كما تمّ في العراق، وواقع الآن في سوريا ومستقبلا في أماكن أخرى).

وكانت النتيجة الحتمية أن أعلنت حكومة المرحلة الانتقالية في مالي – التي تبنّت سياسة خارجيّة مغايرة لسابقتها- عن انسحابها من الاتّفاق رسميّا في 26 جانفي / يناير 2024 مبرراً ذلك بـ "تغير موقف" الحركات الانفصالية، وعدم قدرة الوساطة الجزائرية على فرض تنفيذ البنود، واعتبارها جزء من المشكل وليس من الحلّ. وهو ما اعتبرته الجزائر بادرة "خطيرة" على استقرار المنطقة، وانحرافا لمسار التسوية السياسية في مالي، ومؤكدة أن الاتفاق كان يظل "الإطار الأنسب" لحل أزمة مالي. لتتحوّل الجزائر في عين القيادة الحاليّة في مالي من شريكًة موثوقًة إلى جار "مزعج" يريد تحقيق مطامعه الجيواستراتيجيّة على حساب جواره. وهو ما رفضته الجزائر مرار وتكرارا.

وفي المقابل على المستوى الاستراتيجي، ترى الجزائر في الوجود الروسي في مالي سلاح ذو حدين: فمن جهة، يتقاطع مع رؤيتها الرافضة للهيمنة الفرنسية التقليدية في الساحل، ويمنحها هامشًا أكبر في بناء تحالفات غير خاضعة لمنطق النفوذ الغربي. ومن جهة أخرى، يُثير لديها مخاوف أمنية متزايدة من أن يؤدي الوجود العسكري الروسي إلى إضعاف دورها الإقليمي كوسيط أساسي في قضايا الساحل، خصوصًا في ظل بروز محور جديد مالي – بوركينا فاسو – النيجر لا يولي اهتمامًا كبيرًا بالاتفاقيات السابقة التي رعتها الجزائر (التوثيق).

1-5 التنافس الجيوسياسي الجديد

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في الدور الروسي داخل منطقة الساحل الإفريقي، وخاصة في جمهورية مالي، التي أصبحت منذ عام 2021 نموذجًا واضحًا للتنافس الجيوسياسي الجديد بين الغرب وقوى معادية له. فمع تدهور العلاقات بين باريس وباماكو سنة 2021، برزت موسكو بصفتها البديل الاستراتيجي الذي لجأت إليه الحكومة المالية لتعويض الفراغ الأمني والدبلوماسي المحتمل وغياب البدائل الدولية الفاعلة في سياق تصاعد المشاعر المعادية للغرب داخل الشارع المالي وتنامي الخطاب السيادي المناهض للاستعمار وذيوله.

يتجسّد الحضور الروسي في مالي من خلال مستويين متكاملين: العسكري حضورا وتدريبا وتسليحا في إطار اتّفافيّات رسميّة بين مالي ودولة روسيا الفيدرالية لتقديم الدعم في التدريب والمشورة وتنفيذ عمليات ميدانية ضد الجماعات الإرهابية. أما المستوى الثاني فهو البعد السياسي والدبلوماسي، الذي تقوم موسكو من خلاله بتعزيز تحالفاتها مع دول الساحل ضمن خطاب يرتكز على مفاهيم السيادة الوطنية ومناهضة الهيمنة الغربية، وهو خطاب لاقى صدى واسعًا في العواصم الإفريقية التي عانت من الإرث الاستعماري الفرنسي( ). وقد ساعدت موسكو على ذلك غياب ماض استعماري لروسيا في إفريقيا عموما وغربها خصوصا، علاوة على الصورة الناصعة التي تحظى بها روسيا في الذاكرة الجماعيّة الإفريقيّة كشريك فاعل في دعم حركات التحرّر الإفريقيّة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

هذا التحوّل في مالي، لا يمكن قراءته بمعزل -في نعن التحوّلات الأوسع في الجغرافيا السياسية للقارة الإفريقية. فروسيا تسعى منذ عام 2014، إلى كسر الطوق الغربي المفروض عليها، وإعادة بناء شبكة نفوذ دولية في منطقة الساحل وفي إفريقيا تستند إلى أدوات القوّة الصلبة (العسكرية) والناعمة (الطاقة، السلاح، الأمن، والإعلام).

وقد استفادت موسكو من تراجع الحضور الغربي، وخاصة الفرنسي، لتقدم نفسها كقوة منقذة تحترم سيادة الدول الإفريقية وتدعم خياراتها الوطنية بعيدًا عن الشروط السياسية. ومن خلال هذا الخطاب، نجحت في ترسيخ حضورها ليس فقط في مالي، بل أيضًا في النيجر وبوركينا فاسو، ما أدى إلى تشكل محور جديد يُعرف إعلاميًا بمحور باماكو-واغادوغو-نيامي، الذي يقوم على التنسيق الأمني والسياسي بين أنظمة عسكرية تتقارب رؤاها تجاه الغرب وتنفتح أكثر على روسيا ( ).

من منظور استراتيجي أوسع، يُمكن القول إنّ الوجود الروسي المتنامي - في مالي وفي منطقة السّاحل عموما ينخرط ضمن الروية الروسية الأوراسيّة وبما يتوافق مع نظرتها لعالم متعدد الأقطاب، حيث تتراجع الهيمنة الغربية لصالح قوى صاعدة تملك أدواتها الخاصة في التأثير. وبناءً على ذلك، فإنّ الدور الروسي في مالي يتجاوز مجرد الدعم العسكري، ليصبح عنصرًا محوريًا في إعادة تعريف هوية الفاعلين الدوليين في القارة الإفريقية، ويكشف عن ملامح تحول جيوسياسي شامل، تتراجع فيه مكانة فرنسا والغرب أمام صعود قوى أخرى كفاعلين جدد في هندسة الأمن والسيادة في القارة السمراء.

 

  1. كونفدرالية تحالف دول السّاحل ومشروعها "السيادي".

يمتدّ تراجع النفود الغربي التّقليدي في غرب إفريقيا -وفي مالي بالتّحديد-إلى ما هو أبعد من حدود الدولة الفرنسية ذاتها، المستعمِرة القديمة، ليصل إلى منظومة التحالفات الإقليمية التي نشأت في منطقة الساحل الإفريقي خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها التحالف الثلاثي السياسي والاقتصادي والأمني بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الذي تأسّس رسميًا في عام 2023 كبديل عن مظلة التّحالفات السياسيّة والأمنيّة التي كانت ترعاها فرنسا والاتحاد الأوروبي. فقد أعاد هذا التحالف ترتيب أولويات الدول الثلاثة على أساس تعزيز الاستقلال الأمني والسيادة الوطنية، مع الانفتاح المتزايد على الشراكات متعدّد الأقطاب مع روسيا والصين وتركيا و إيران والهند، التي باتت تقدّم نفسها كفاعلين قادرين على تقديم بدائل اقتصاديّة وأمنية عسكريّة ومعلوماتية دون اشتراطات سياسية غربية.

يمثّل هذا التحالف اليوم نقطة تعيّرا في ديناميكيات الأمن الإقليمي، إذ يعكس –في نظر جلّ الملاحظين- تحوّلا استراتيجيًا من الارتباط بالمراكز الغربية إلى الاعتماد على قدرات ذاتية في إطار تحالفات إقليمية ودوليّة في ظلّ ما تواجهه فرنسا والغرب عموما من أزمة ثقة متصاعدة مع الأنظمة الجديدة في المنطقة التي تتبنّى خطابًا مناهضًا للغرب ومتعاطفًا مع دول الجنوب العالمي (فنزويلا، وكوبا، وإيران، وفلسطين، .....).

تستند سياسة اتّحاد دول الساحل (بوركينا فاسو، مالي، النيجر) إلى ثلاثة محاور أساسية: الدفاع والأمن، والدبلوماسية، والتنمية. واستناد إلى ميثاقها التّأسيسي يهدف التحالف إلى تعزيز سيادة الدول، وتوحيد القدرات العسكرية لمكافحة الإرهاب، ودعم التكامل الاقتصادي والسياسي المستقلّ.

أ-الدفاع والأمن (الركيزة الأساسية):

- الدفاع الجماعي وتجميع القدرات: إنشاء قوة موحّدة قوامها 15,000 جندي لمكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن في حدودها المشتركة أمام أي تهديد داخلي أو خارجـي، باعتبار أنّ أي هجوم على أي عضو يُعد هجومًا على التحالف. كما ينصّ الميثاق التأسيسي على تنسيق التدابير الأمنية وتبادل الاستخبارات استجابةً للتهديدات.

ب- الدبلوماسية والسيادة:

التأكيد على توحيد النهجوالرّؤية والخيارات على الساحة الدولية، والسعي إلى السيادة الكاملة، مع الرغبة في التحرّر من التأثيرات الخارجية وضغوطات المنظّمات الإقليميّة – على غرار المجموعة الاقتصاديّة لغرب إفريقيا- إيكواس، وتعزيز ثقافة وهوية مشتركة.

ج- التنمية والاقتصاد:

أي تحقيق التكامل الاقتصادي: عبر تطوير سياسات مشتركة، لا سيما فيما يتعلق بحرية تنقل السلع والأفراد، والسيادة الاقتصادية من خلال تنمية الموارد الذاتية لتعزيز القدرة الوطنية على الصمود.

وتنبني هذه الركائز الثلاثة على ثلاثة مبادئ كبرى تتمثّل في:

أ- مبدأ احترام سيادة الكونفدراليّة.

ب- مبدأ احترام الخيارات الاستراتيجية وخيارات الشركاء التي تتخذها الكونفدراليّة.

ج- مبدأ الدفاع عن مصالح الكونفدراليّة في القرارات المتّخذة.

ومن تداعيات هذا التحوّل الجيوسترتيجي في المنطقة على المستوى الإقليمي، تراجع دور بعض اللاعبين الإقليميين الذين كانوا إلى هذه اللّحظة يتمتّعون بنوع من النفود السياسي والدبلوماسي والاقتصادي في الساحل الإفريقي (تهميش الدّور الجزائري مثلا في إدارة ملفّات المنطقة). ولئن بدا إنشاء الكونفدرالية فرصة لبعض هذه القوى الإقليمية لبناء تحالفات ضدّ النفود الغربي والفرنسي في المنطقة، فإنّ ما نشاهده اليوم هو العكس بحكم الموقف غير المرضي الذي اتّخذته بعض الدّول المجاورة تجاه سياسات الكونفدرالية؛ واعتبرتها "تهديدا" استراتيجيّا لمصالحها الاستراتيجيّة الجيواستراتيجيّة.

أما على الصعيد الدّولي، ففرنسا التي طالما كانت طرفًا مهيمنًا في صياغة القرارات الإقليمية تواجه الآن هامش تأثير محدود في المنطقة وفي إفريقيا عموما، في ظلّ صعود خطاب إفريقي يطالب بإعادة تعريف العلاقة على أساس الندية، ورفض أي وصاية سياسية أو أمنية غربية. وهو ما سيؤدي إلى تراجع النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي الفرنسي والغربي عموما، وصعوبة وصول الشركات الغربيّة التابعة لدول الاستعماريّة القدمية لإفريقيا إلى الموارد الطبيعية في الساحل، خاصة في مجالات الطاقة والتعدين والاتصالات. في ظلّ توجّه دول مثل مالي والنيجر إلى شراكات بديلة مع روسيا والصين وتركيا والهند.

ثانيّا: هجوم 25 أبريل/ نيسان 2026: الأهداف والفاعلون

استيقظ الشعب المالي عموما وفي مدن كاتي وموبتي وغاوو وكيدال خصوصا على وقع الطلقات الناريّة والانفجارات، ليتبيّن إثر ذلك أنّ الأمر هجوم إرهابيّ مكثّف شارك فيها أطراف داخليّة وخارجيّة، بلغ عدد المرتزقة المشاركين فيها اثني عشر ألف مسلّح. وقد جاءت هذه العمليّة الإرهابيّة بعد أيام قليلة من سحب مالي اعترافها بدولة الصحراء الغربيّة، من جهة، وحضور عمر ماركو - السياسيّ المثير للجدل والفارّ من العدالة – إلى الحدود الماليّة الموريتانيّة قادما من كوت ديفوار، من جهة أخرى. والتقى الأخير - عبر وسائط وتغطية إعلاميّة فرنسيّة - بجماعات إرهابيّة تابعة لإياد أغ غالي المقيم بالجزائر.

رغم نجاح مالي وحلفائها في ردّ الهجوم والقضاء على نحو 2500 مهاجم خلال يومين، فإنه خسر وزير الدّفاع، ساديو كمارا، مهندس تحديث الجيش المالي. وهنا يطرح السؤال حول الأهداف الحقيقية للهجوم ومن يقف وراءه.

  1. الأهداف:

يتبيّن من خلال ربط الأحداث المتسارعة في الآونة الأخيرة، والخطابين الإعلاميّ والرسميّ أن أهداف الهجوم سياسيّة وجيوسياسيّة وجيوستراتيجيّة. وهو ما يجعل تحليل الوضع أمرا معقّدا، يحتاج معرفة جغرافية الساحل وتاريخه السياسيّ.

1-1 الهدف السياسي: إثارة الفوضى وإسقاط النظام

تبعا لاحتجاجات سياسيّة عقب انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة في 2019، كانت مالي قد دخلت في أزمة سياسيّة وأمنيّة خانقة، فتدخّل الجيش لإنقاذ الوضع بمباركة جزء كبير من الشعب، دعم التدخّل العسكريّ وما زال يدعم. واقتضى الأمر تعليق الأحزاب السياسيّة ثمّ حلّها، بعد الاستفتاء على دستور جديد، أخذ بعين الاعتبار اهتمامات الشعب ومخاوفها. وشرع الحكام الجدد في تحديث مؤسّسات الدّولة ومحاربة الفساد... فتمّ القبض على عديد المسؤولين السابقين وفرّ آخرون إلى خارج البلاد، في انتظار تغيير النظام للعودة.

ولمّا ملّوا الانتظار سعوا إلى تشكيل حكومة المنفى، ولمّا فشلوا في ذلك أقاموا تحالفا بزعامة محمود ديكو بالجزائر العاصمة. انضمّ إلى تحالف دبكو متمرّدون طوارق وإرهابيون وسياسيون بمن فيهم عمر ماركو، الذّي التقى بإرهابيّي إياد أغ غالي، بصحراء موريتانيا، حيث يتدرّبون على حمل السلاح وتقنيات الحرب الحديثة على يد أوكرانيّين.

كان الهجوم محاولة فاشلة لانقلاب الحكم ببماكو عبر منهج الفوضى الخلّاق، للسماح بعودة حلفاء ديكو سواء المقيمين بالجزائر أو موريتانيا أو فرنسا أو كوت ديفوار... لو تحقّق هذا الهدف لكان إنجازا يتجاوز مستوى السياسة الوطنيّة إلى إطار جيوسياسيّ.

1-2 الهدف الجيوسياسي إفشال مشروع كونفدرالية دول السّاحل:

إنّ تحالف دول الساحل الذّي أصبح كونفدراليّا يحول دون عودة فرنسا إلى الساحل، لتأسيسه على مبدأ السيادة ورفض السياسة الفرنسية فالغربيّة في المنطقة. وتعتبر دول الاكواس هذه الكونفدرالية تهديدا وجوديّا لها، وخاصّة كوت ديفوار وبنين، منذ تخّليها عن موانئهما بسبب موقفهما المتشدّد تجاهها. وكذلك تنظر الجزائر وحليفتها موريتانيا إلى الكونفدرالية كقوّة ناشئة يصعب إخضاعها، مادامت نجحت في طرد فرنسا ومعها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة الأمريكيّة. وعليه فإنّ هجوم 25 أفريل 2026 كان فرصة ذهبيّة لهذه الأطراف لإفشال الكونفدراليّة وحلّها لاحقا. الأمر الذّي يمكن أن يؤدّي إلى تحقيق هدف استراتيجي في معادلة القوى العالميّة،

1-3 - الهدف الجيواستراتيجـي: بسط السيطرة الغربية في المنطقة وحصر الوجود الرّوسي

إنّ توجّه مالي إلى روسيا والصّين لإعادة بناء جيشها وتحقيق سيادتها قد تمّ بعد تخاذل الدول الغربية ورفضها تزويدها بالسلاح ضدّ الإرهاب الدولي، الذي أخذ يعشّش في أطراف أراضيها. وقد مكّن ذلك روسيا من الدّخول إلى الساحل مع ترحيب المواطنين. وبذا تمّ تعويض الغرب بالشّرق، واستطاع مالي بفضل ذلك أن تسترجع أراضيها من الإرهابيّين وبقاعا كانت موريتانيا قد اقتطعتها بينما كانت مالي منشغلة بالحرب على الإرهاب.

إنّ وجود روسيا – القوّة العظمى – بمالي يمنحها حماية إلى حدّ ما ضدّ قوى أخرى. وبقاء الروس هناك يتوقّف على استمراريّة النظام وبدونه قد يفقد موسكو شرعيّة تواجدها. ولذا كان الهجوم يستهدف إلى إسقاط النظام ومعه وجود الروس.

اعتمادا على هذا كلّه، يمكن القول إنّ من يقف وراء الهجوم الإرهابيّ بمالي ليس فردا وإنّما هو شبكة من التنظيمات والدّول، لكلّ منها مصالح. لنسمّيها فاعلين. فمن هم هؤلاء الفاعلون؟

  1. الفاعلون:

2-1 الدّوليون: فرنسا والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا

2-2الإقليميون: الجزائر وموريتانيا والاكواس

2-3 المحليون: تحالف محمود ديكو، تنظيمات إياد أغ غالي، بعض الأحزاب السياسية المنحلّة.

 

خلاصة

تحولت مالي من "دولة حدودية" إلى "فاعل جيوسياسي مركزي"، حيث أن انهيارها أو استقرارها يحدد مستقبل الأمن في منطقة الساحل والصحراء بأكملها، وهي حالياً مختبر لتحولات النفوذ الدولي من الغرب إلى الشرق (روسيا)

إن المشهد المالي الراهن يمكن وصفه بأنه مزيج من الملفّات المتداخلة، تتقاطع فيها المصالح المحلية مع الحسابات الدولية. فمالي لم تعد مجرد ساحة داخلية للأزمة، بل تحولت إلى مسرح رئيسي لإعادة تشكيل النفوذ في غرب إفريقيا، حيث يتراجع الدور الفرنسي لصالح انخراط نفوذ قويّ دولية جديدة متنامي، في وقت تتزايد فيه أهمية الساحل كمجال تنافسي ضمن خريطة الصراع الدولي الجديد بين القوى الكبرى.

إن مجمل هذه التطورات تنبئ بتشكل محور جديد في غرب إفريقيا، يعيد رسم موازين القوى في المنطقة ويُضعف الدور الغربي التقليدي، خصوصًا الفرنسي، لصالح حضور متعدد الأبعاد يدمج بين القوة العسكرية والدعم السياسي والخطاب المعادي للاستعمار. غير أن نجاح هذا المحور سيظل مرهونًا بمدى قدرته على توفير الأمن والاستقرار الفعلي، وليس فقط ملء الفراغ السياسي، وهو ما سيحدد مستقبل التحالفات الجديدة في منطقة الساحل خلال العقد القادم.

إنّ مستقبل الحضور الفرنسي والغربي عموما في منطقة السّاحل سيظل رهينًا بمدى قدرة العواصم الغربيّة على إعادة تعريف مقاربتها تجاه هذه المنطقة، والانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة المتكافئة، في وقت تتغير فيه خرائط التحالفات والمصالح بصفة متسارعة. وفي هذا السياق، فإن الحالة المالية تمثل نقطة اختبار مركزية لمدى قدرة هذه العواصم على التكيف مع البيئة الجيوسياسية الجديدة، ولمدى استعدادها للاعتراف بتحولات القوة داخل إفريقيا، حيث باتت القارة ساحة تنافس مفتوح بين قوى تبحث عن موطئ قدم في النظام الدولي المتعدد الأقطاب.

وعن مستقبل تجربة الكونفدرالية الثلاثيّة (بوركينافاسو، مالي، النيجر) والمهام الذي تقتضيه المرحلة نبدي التالي:

- العمل على تحقيق سيادة كاملة ومتكاملة وإن بصفة متدرّجة، لأنّ السيادة منظومة متعدّدة الأبعاد: اقتصاديّة وسياسيّة ونقديّة وثقافيّة ورقميّة خاصّة بما يقتضي حماية البيانات الرّسميّة، وتحسين الفضاء السيبراني.

- العمل على التوعية وتوفير حاضنة شعبيّة لتقبّل الخيارات الاستراتيجيّة ليس فقط داخل الفضاء الكونفدرالي بل في البلدان المجاورة لجغرافيتها من أجل تطوير الوعي السيادي لدى شعوب المنطقة.

- الاستفادة أقصى ما يمكن من النظام الجيوبوليتيكي الناشء، والسعي إلى الانخراط أكثر في تحالفات عالميّة قادرة على توفير حماية جيوسياسية لخيارات الكونفدرالية وتوجّهاتها، لأنّ الاستعمار الجديد لا يهزم إلا في سياق التحالف مع قوى عالميّة صاعدة تريد تغيير النظام الدّولي القائم.

- مواجهة السردية الكولونياليّة على صعيد الوعي السياسي والفكري والإعلامـي (المركزية الغربيّة، عدم قدرة النخب الفكرية السياسيّة على بناء أنموذج سياسي واقتصادي وفكري خارج البراديغم الغربــي والفرنسي بالتّحديد).

- مواجهة الأنثروبولوجيّة الاستعماريّة وانعكاساتها السياسية والمجتمعيّة: والتي تسعى إلى تضخيم الفروقات بين المكوّنات، وإحداث انفصال هيكلي من أجل استخدام ورقة الأقلّيات وتحويلها إلى سلاح للتقسيم والتفتيت لصالح الأجندة الاستعمارية والكولونيالية، وفي سياق الحرب بالوكالة والتماهي مع الكيانات الوظيفيّة.