Menu

مضيق هرمز..إله الحكمة والنور الذي يُغرق العالم في المجهول

رضي الموسوي

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

"سيكون الثلاثاء (7/4/2026) هو يوم محطات الطاقة، ويوم الجسور، مدمجين في يوم واحد، في إيران. لن يكون هناك مثيل لذلك!!! افتحوا المضيق اللعين، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في جحيم– فقط راقبوا".

(الرئيس الأمريكي دونالد ترامب)

تغيرت أولويات الحرب الامريكية الصهيونية على إيران، التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، من إنهاء البرنامج النووي والصاروخي الباليستي وإسقاط النظام في إيران، إلى الاقتصار على منع إيران من امتلاك السلاح النووي وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بعد أن أعلنت إيران إغلاقه فسارعت البحرية الامريكية لفرض حصارٍ على الموانئ الإيرانية وتوسيعها بملاحقة السفن الإيرانية وتلك المحسوبة عليها في أعالي البحار، في محاولة لإحكام الحصار على طهران ومنعها من الحصول على عوائد مالية من موانئها على الخليج التي تقدر بأكثر من 400 مليون دولار وفق العديد من المصادر. لقد تحول المضيق إلى عنوان للصراع القائم، وترى فيه إيران "صيدا ثمينا" لا يقل كثيرا عن السلاح النووي وتعتبره أحد مكاسب الحرب ولا يمكن التفريط في هذه الورقة التي هزت الاقتصاد العالمي.

لكن مضيق هرمز ليس فقط ممرا جغرافيا ثانويا أو عاديا تمر منه البواخر والناقلات العملاقة المحملة بالنفط والبضائع ومنها الأسمدة، بل هو جزء أساسي من تاريخ منطقة الخليج بضفتيه العربية والإيرانية وروحها التي كتب عنها الكثير. تناوب السيطرة على المضيق الكثير من الغزاة والامبراطوريات التي وعت أهميته، وتحطمت على صخوره احلامها. على ضفافه شيّد قائد السواحل العماني (محمد درمكو) مملكة هرمز التي استمرت ثلاثة قرون، التي ازدهرت وكأنها أغنى بقعة على الأرض، باعتبارها مركز ما بين الهند وفارس، حسب الرحالة ابن بطوطة وقال عنها الكثير من الرحالة أنه "لوكان العالم خاتما لكانت هرمز جوهرته. كان هرمز جاذبا للكتابة والتأريخ. فـ"تاريخ هذا الماء المزدحم لا يهدأ. تحكّم به الاسكندر الأكبر وغيره من مُغيِرّي الجمود إلى الحركة، اكتشفوا واقعا ملهما، سكانها القلة يحاذون سواحلهم ويجاورون بحرهم. يعتاشون من التجارة ورسوم الضرائب على السفن الدخيلة عليهم ببضاعة وسياحة، ليطمح الغرباء للسيطرة على حركة هذه المملكة المائية الصغيرة، والآن ها نحن البرتغاليين قد آن دورنا لنتفرد بخضوع بقيتها بإذن الرب، لا ذرائع تمنعني، ولا دخل للأخلاق في معركتي نحو الكشف والتوسع فأنا هنا باسم المسيح والملك"، وفق رواية "سلطنة هرمز" للكاتبة الإماراتية ريم الكمالي التي استقرأت ما يدور في خُلد الجنرال "الفونسو دي البوكيرك" قائد الاسطول البحري البرتغالي وهو يستعد للهجوم مطلع القرن السادس عشر على منطقة خصب الغنية بالمياه العذبة. مياه يحتاجها اسطول الغزاة ليكمل سيطرته على مملكة هرمز الممتدة على سواحل الخليج العربي من قريات ومسقط وصحار وخورفكان ورأس الحد ورؤوس الجبال وجلفار حتى الإحساء والقطيف غرباً، وجزيرة قشم شمالا.

في التاريخ، "هرمز" كان اسما لإله الحكمة والنور، وفق الزرادشتية، وهذا هو مصدر الاسم للمضيق الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"المضيق اللعين"، عندما كان يهدد إيران في الأسبوع الأول من شهر نيسان/ابريل الماضي بسحقها وإعادتها للعصر الحجري، وأكد أنه سيقوم بتدمير جميع محطات الطاقة والجسور في ايران إذا لم يوافق قادتها على إعادة فتح مضيق هرمز. وذهب في تصريحات صحفية بالقول "إذا لم يمتثلوا، وإذا أرادوا إبقاءه (المضيق) مغلقا، فسوف يفقدون كل محطة طاقة وكل مصنع آخر لديهم في البلاد بأكملها (..) إن إيران تحتاج إلى 20 عاما لإعادة إعمارها، إذا حالفهم الحظ، هذا إن بقي لديهم بلد أصلا"، هكذا!!

جاءت هذه التهديدات بعد أكثر من شهر على إقدام الولايات المتحدة الامريكية على ارتكاب مجزرة مدرسة ميناب الابتدائية، شرق جنوب إيران، والتي راح ضحيتها نحو 170 طفلة بصاروخ تماهوك. لقد كان الأطفال يحلمون بمستقبل غير الذي اوصلهم له ترامب.

 

أهمية المضيق

تدرك الإدارة الامريكية التي أعلنت الحرب على ايران أهمية مضيق هرمز لإيران ولدول مجلس التعاون الخليجي وللاقتصاد العالمي أيضا. فهو مضيق يمر عبر 20 بالمئة من النفط الذي يذهب اغلبه للدول الاسيوية وخصوصا الصين والهند وكوريا الجنوبية وكذلك لدول أوروبا، وحاله مثل الغاز الذي يمر عبر المضيق 25 بالمئة من الإنتاج العالمي، وان تعطل سلاسل الامداد شكل ضغطا على اقتصاديات العالم، حيث تسبب إغلاق المضيق في إحداث ارباك شديد عصف بالأسواق العالمية وأثر على تدفق السلع والبضائع الأخرى، وهو الامر الذي اعتبرته إيران عنصرا في صالحها كون مخرجات الاغلاق ستؤدي على ضغط على الإدارة الامريكية لانهاء حربها على ايران.

يقع مضيق هرمز بين إيران شماله وسلطنة عمان في جنوبه وفي منتصفه تلتقي المطقتين الاقتصاديتين الخالصتين، وهو يربط الخليج العربي بخليج عمان، ويعتبر الممر البحري الوحيد من الخليج العربي إلى المحيط الهندي. يبلغ طول المضيق حوالي 90 ميل بحري (167 كيلومترا)، ويتراوح عرضه بين حوالي 52 ميل بحري (96 كيلومتر) إلى 21 ميل بحري (39 كيلومتر). وبه ممرات ملاحية ضيقة عرضها ميلين، ما يسهل على إيران مهاجمة الأهداف المختارة سواء عبر الزوارق الصغيرة السريعة أو من الشواطئ والجبال التي تقع على ضفة المضيق. وربما هذا هو الذي قاد الرئيس ترامب على التراجع عن تنفيذ تهديداته بشأن المضيق بعد أن ادعى أنه تحادث مع مسؤول إيراني لم يكشف عن أسمه.

وتنتشر عشرات الجزر في المضيق أهمها جزيرة قشم وجزيرة لارك التي حدد الحرس الثوري الإيراني مسارات السفن بينها وبين الضفة الإيرانية من المضيق.

تمر أغلب شحنات الغذاء لدول المنطقة عبر المضيق، حيث تستورد السعودية أكثر من 80% من غذائها، والإمارات حوالي 90%، و قطر حوالي 98% من خلال مضيق هرمز. وتمر صادرات النفط الخليجية والعراقية والإيرانية، في غالبيتها العظمى، من خلاله. وفي هذا السياق يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن سلاسل الإمداد قد تكون بالفعل على وشك التعرض لأشد اضطراب منذ جائحة كوفيد-19 وبداية الحرب الأوكرانية الشاملة في عام 2022. قبل الحرب، كانت تمر 60 ناقلة نفط يوميا، لكنها اليوم واثناء الأزمة لا تعد ناقلات النفط التي تعبر المضيق على أصابع اليد الواحدة.

وإذا كانت ناقلات النفط تعبر المضيق محملة بما بين 17 مليون- 20 مليون برميل يوميا قبل الحرب وتراجعت بنسبة 90 بالمئة تقريبا، فأن سفن الأسمدة تواجه ذات المشكلة. تشير المعلومات إلى أن قطاع الأسمدة في منطقة الخليج يواجه ضغوطات كبيرة بسبب تكدس الأسمدة في المصانع الخليجية وتباطؤ عملية الإنتاج بنسب يصل بعضها إلى 100 بالمئة.

وتفيد التقارير المتعددة بأن دول الشرق الأوسط تمثل نحو 40% إلى 43% من الصادرات البحرية لليوريا عالمياً، وأكثر من 40% من الكبريت، ونحو 30% من الأمونيا، وهذا يجعل أي اضطراب في الإمدادات ذا انعكاسات فورية على توازن السوق العالمي وأسعار الغذاء. وقد ترجمت الأسواق هذا التوجس بارتفاع أسعار اليوريا أكثر من 50% منذ شن الحرب على إيران. فقد ارتفعت أسعار اليوريا بنسبة 65% خلال شهر واحد فقط عقب بداية الحرب (27 فبراير – 26 مارس 2026)، فيما ارتفعت الأمونيا بنحو 155 دولاراً للطن الواحد.

وأشارت التقارير إلى أن صادرات المنطقة من الأسمدة تبلغ نحو 60 مليون طن سنوياً من إجمالي إنتاج يقارب 120 مليون طن، بما يمثل نحو 50% من صادرات الكبريت عالمياً و34% من تجارة اليوريا.

وتمثل صادرات الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران ومصر، نحو 40% من إمدادات اليوريا العالمية، إضافة إلى نحو 30% من الأمونيا و25% و50% من الكبريت، مع اعتماد الإنتاج بشكل كبير على النفط والغاز الطبيعي المتاح محليا بأسعار تشجيعية تجعله منافسا عالميا من ناحية السعر. إن استمرار تعثر سلاسل الامداد سيكل المزيد من الضغوط على الأسواق وبالتالي على الزراعة التي هي في أمس الحاجة الان لهذه الأسمدة، رغم أن استمرار الوضع على هذا الجمود بإغلاق مضيق هرمز يعني تعرض اكثر من 45 مليون شخص للجوع حول العالم، حيث تفيد المعطيات أنه في حال فتح المضيق بشكل فوري فأن استئناف عملية التصدير تحتاج الى ما بين 4-6 أسابيع، اما في ظل استمرار اغلاق المضيق فأن الوضع يزداد سوءا.

 

حصار على الاغلاق

هذه المرة، نفذت إيران تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، بعد 47 سنة من التهديد بالاغلاق. فحتى ابان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) لم يغلق المضيق حتى في أوج ما سمي بحرب الناقلات التي أجبرت الولايات المتحدة على رفع علمها على السفن التي تبحر في المضيق، لم يغلق كما هو الحال في الحرب الحالية. وفي المقابل جاء تنفيذ البحرية الامريكية بحصار الموانئ الإيرانية في بحر عمان، لتشكل خنقا للمضيق ما اجبر أكثر من 600 سفينة على الاحتشاد في مياه المضيق، منها أكثر من 300 ناقلة نفط. هذا التحول في أولويات الحرب، قاد الحرس الثوري الإيراني على التأكيد بأن "السيطرة على مضيق هرمز والإبقاء على تأثيراته الرادعة للولايات المتحدة وداعمي البيت الأبيض في المنطقة، هي إستراتيجية حازمة لطهران". وفي المقابل قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، إن الحصار الأمريكي على إيران يتسع إلى نطاق عالمي، وإنه "لا يُسمح لأي سفينة بالإبحار من مضيق هرمز إلى أي مكان في العالم دون إذن من البحرية الأمريكية"، بينما قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين إن الولايات المتحدة "تواصل فرض حصار صارم على الموانئ الإيرانية، وستطبقه بشكل شامل على أي سفينة أيا كانت".

هذا الوضع قاد إلى تراجع عدد السفن التي تعبر المضيق من 135 إلى 10 سفن فقط، ما يعني الشلل شبه التام لحركة المضيق الذي كانت مملكته درة التاج وفص خاتم العالم، ويبدو ان الولايات المتحدة لا ترى في استنزاف المنطقة برمتها أي خلل يمكن مراجعته حتى وأن تضررت الدول الحليفة لها في منطقة الخليج العربي. وهذا يعني أن هذه الحرب التي ارادتها واشنطن مفرمة للأطفال والبنى التحتية لا تعني صاحب القرار في البيت الأبيض، الامر الذي يفرض إعادة نظر هذه الدول في تحالفاتها انطلاقا من مصالحها ومصالح شعوبها.

لقد مر غزاة وامبراطوريات كثيرة على هرمز، وقد دفن بعضهم في بحره وبين صخور جباله، بينما انتهى بأخرى إلى التفسخ كما القلاع التي تسقط من الداخل.