أقدمت السلطات الإسرائيلية على اعتقال عشرات النشطاء المشاركين في أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة لكسر الحصار، في عملية بحرية نفذتها في المياه الدولية قرب جزيرة كريت، وأسفرت عن احتجاز ما بين 175 و211 ناشطاً من أكثر من سبعين دولة. هؤلاء النشطاء، الذين جاؤوا من قارات مختلفة حاملين رسالة تضامن إنساني، وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تسعى إلى تجريم مبادرة سلمية وتحويلها إلى ملف أمني، في خرق واضح للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ما دفع منظمات حقوقية إلى وصف ما جرى بأنه قرصنة بحرية منظمة.
- بين المعتقلين البارزين الناشط السويدي سيف أبو كشك والناشط البرازيلي ثياغو أفيلا، حيث مددت محكمة عسقلان اعتقالهما يومين إضافيين حتى الخامس من مايو 2026. وُجهت لهما شبهات أمنية خطيرة تشمل "مساعدة العدو في زمن الحرب"، "التواصل مع عميل أجنبي"، و"الانتماء إلى منظمة إرهابية". وتؤكد وزارة الخارجية الإسرائيلية أنهما من قيادات أو مرتبطان بـ "المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج"، وهي منظمة تتهمها إسرائيل والولايات المتحدة بالارتباط بحركة حماس. لكن إسبانيا والبرازيل نفتا هذه الاتهامات، وأكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن إسرائيل "لم تقدم أي دليل يدعم هذا الاتهام"، واصفاً الاعتقال في المياه الدولية بأنه "غير قانوني تماماً وخارج أي صلاحية قانونية".
وقد أكد محامو مركز "عدالة" أن الإجراءات غير قانونية من أساسها، كونها جرت في المياه الدولية بحق مواطنين أجانب، وهو ما يُعد خرقاً صارخاً للشرعية الدولية. وأوضحوا أن أبو كشك وأفيلا تعرضا لعنف جسدي شديد، احتجاز في العزل، وتعصيب أعينهما لأيام، وأنهما دخلا في إضراب عن الطعام احتجاجاً على ظروف اعتقالهما. وصفت السفارة البرازيلية ما تعرض له أفيلا بأنه "تعذيب ومعاملة لاإنسانية محظورة بشكل مطلق بموجب القانون الدولي"، مؤكدة أن لا مبررات سياسية أو عسكرية يمكن أن تبررها ضد مواطن أجنبي محتجز. كما أكد النشطاء الذين أُفرج عنهم أن أفيلا وأبو كشك هما الناشطان الوحيدان المحتجزان في سجون الاحتلال حتى الآن، وأنهما تعرضا للتعذيب لأنهما طالبا بإطلاق سراح الآخرين.
شهادات من داخل الأسطول أكدت أن عشرات النشطاء احتُجزوا قسراً على متن مدمرة إسرائيلية تحولت إلى ما يشبه سجناً عائماً، وسط ظروف غير إنسانية شملت الضرب، نقص الطعام والماء، وإبقاء المحتجزين في أماكن تغمرها المياه بشكل متكرر. هذه الممارسات دفعت اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة إلى تحميل الحكومات الأوروبية، وخاصة اليونان، مسؤولية مباشرة عن حماية سفنها وضمان سلامة مواطنيها، معتبرة أن ما جرى يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ويكشف عن عجز المجتمع الدولي عن حماية مواطنيه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
يُعد أسطول الصمود الحالي الأكبر منذ انطلاق المبادرة عام 2025، إذ ضم نحو سبعين سفينة تحمل قرابة ألف ناشط من أكثر من سبعين دولة. وقد حمل الأسطول أسماء بارزة من مختلف المجالات، من بينهم الممثلة الأميركية سوزان ساراندون، الممثل السويدي غوستاف سكارسغارد، الممثل الأيرلندي ليام كانينغهام، الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ، النائبة الفرنسية ماري ميسمور وزميلها توماس بورتس، المحامية الإيطالية والمقررة الأممية لحقوق الإنسان في فلسطين فرانشيسكا ألبانيزي، فضلاً عن زويليفليل مانديلا حفيد نيلسون مانديلا من جنوب أفريقيا.
وجود هذه الشخصيات منح الأسطول بعداً رمزياً قوياً، إذ جمع بين الفن والسياسة والنضال الحقوقي في رسالة موحدة ضد الحصار المفروض على قطاع غزة، ليصبح مشهداً عالمياً يفضح سياسات كيان الاحتلال الإسرائيلي ويضع غزة في قلب المعركة الأخلاقية الكونية.
إن اعتقال سيف أبو كشك وثياغو أفيلا، إلى جانب عشرات النشطاء الآخرين، لا يمكن قراءته كحوادث فردية، بل كجزء من مواجهة مفتوحة بين الاحتلال الإسرائيلي وبين حركة تضامن عالمية آخذة في الاتساع. فأسطول الصمود العالمي تحوّل إلى منصة تجمع النشطاء والسياسيين والفنانين والحقوقيين من مختلف القارات، ليؤكد أن غزة لم تعد مجرد جغرافيا محاصرة، بل رمزاً لقضية إنسانية عالمية تتحدى سياسات العزل وتفرض نفسها على أجندة الضمير الدولي، وتكشف في الوقت ذاته عن هشاشة الرواية الإسرائيلية أمام موجة تضامن كونية تتسع يوماً بعد يوم.

