Menu

النازية والصهيونية توءمان خرجتا من بطن الإمبريالية

عبد الله جناحي

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

كيف تكون الصهيونية توءم النازية؟ في حين النازية مارست القتل ومحارق الهولوكست والتهجير بحق يهود ألمانيا ومعظم دول أوروبا الشرقية. ولكن حين نبحث في التاريخ المسكوت عنه، والتاريخ المخفي في الإعلام الغربي بسبب هيمنة اللوبي الصهيوني عليه، سنكتشف زيف الكثير مما تروج له الحركة الصهيونية المعاصرة عبر عشرات المصادر الموثقة، ومعظمها من مصادر النازيين، وتقارير يهودية. وقد أشار مفكرون عرب كثيرون لهذه العلاقة الوثيقة بين الحركة النازية والحركة الصهيونية. ومنهم المفكر المصري عبد الوهاب المسيري، صاحب الموسوعة الضخمة عن (الصهيونية). والذي اعتمدنا عليه في هذا المقال.

هناك أﺷﻜﺎل متعددة ﻟﻠﻌﻼﻗﺔ بين اﻟﻨﺎزﻳﺔ واﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ، تمت ﺑﺸﻜﻞ واع بين الطرفين، وبعضها بشكل فردي بين زعماء ونشطاء الصهاينة مع مسؤولين كبار في النظام النازي في ألمانيا.

التعاون النازي الصهيوني لهجرة اليهود إلى فلسطين:

توضح هذه المصادر بأن اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻟـﻢ ﻳﺒﺪوا ﺣﻤﺎﺳﺎً ﻛﺒﻴﺮاً ﻓﻲ ﺣﺮﺑﻬﻢ ﺿﺪ اﻟﻨﺎزﻳﺔ في الثلاثينيات من القرن العشرين. ولغاية هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية. وأﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻏﻴﺮ ﻣﻜﺘﺮثين ﺑﺎلمقاومة ﺿﺪ اﻟﻨﺎزيين. وﺑﺪلاً ﻣﻦ تنظيمهم لليهود الألمان وﺗﻮﺟﻴﻪ ﻃﺎﻗﺎﺗﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻳﻜﻮﻧﻮا مهيئين ﻟﻠﺪﻓﺎع ﻋﻦ أﻧﻔﺴﻬﻢ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺗﻘﻊ اﻟﻮاﻗﻌﺔ، ﻓﺈن اﻟﻘﻴﺎدات اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﻛﺰ ﻋـﻠـﻰ ﺗﻬﺠﻴﺮ ﺑﻀﻊ ﻣﺌﺎت منهم إﻟﻰ فلسطين، كأرض ميعادهم، حسب اعتقادهم التوراتي. ﺑﻞ إن المسألة ﺗﺘﺨﻄﻰ ﻣﺠﺮد ﻋﺪم اﻻﻛﺘﺮاث بمصير اﻟﻴﻬـﻮد، إذ إن اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ اﻛﺘﺸﻔﻮا أﺛﻨﺎء اﻹرﻫﺎب اﻟﻨﺎزي ﺿﺪ اﻟﻴﻬﻮد ذﻟﻚ اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ اﻟﻌﻤﻴﻖ بين نجاح تأسيس اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ في فلسطين، وﻣﺤﺎوﻟﺔ إﻧﻘﺎذ اﻟﻴﻬﻮد من النازية. كما اﻛﺘﺸﻒ اﻟﻨﺎزﻳﻮن أﻳﻀﺎً ﻋﻤﻖ ﺗﻨﺎﻗﺾ ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻣﻊ اﻟﻴـﻬـﻮد الذين كانوا يرفضون الهجرة إلى فلسطين. وﻫﺬا ﻣﺎ ﻳﻔﺴﺮ أن اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ اعتبروا ﻋﺪوﻫﻢ الحقيقي اﻟﻴﻬﻮد اﻷرﺛﻮذﻛﺲ، وجماعة اﻟﻌﻘﻴﺪة الموسوية الإصلاحية غير الصهيونية. وهذا ما ﻳﻔـﺴـﺮ أﻳـﻀـﺎً لماذا ﻛـﺎﻧـﺖ ﺗـﺘـﺴـﻢ ﻋﻼﻗﺔ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻨﺎزﻳﺔ ﺑﺎلمنظمات اﻟـﺼـﻬـﻴـﻮﻧـﻴـﺔ ﺑـﺸـﻲء ﻣـﻦ اﻟـﻮد واﻟـﺘـﻔـﺎﻫـﻢ. ﻓﺎﻷرﺛﻮذﻛﺲ واﻹﺻﻼﺣﻴﻮن ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻄﺎﻟﺒﻮن بمنح اﻟﻴﻬﻮد ﺣﻘﻮﻗﻬﻢ ﻛﻤﻮاطنين وﺑﺎﻧﺪﻣﺎﺟﻬﻢ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻬﻢ. أﻣﺎ اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻓﻴﻌﺎرﺿﻮن اﻻﻧﺪﻣﺎج، وﻳﻌﺎرﺿﻮن ﻣﻨﺢ اﻟﻴﻬﻮد أي ﺣﻖ، إﻻ ﺣﻖ اﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﻮﻃﻦ اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻟﻴﻬﻮدي. وﻗـﺪ أشارت دراﺳﺔ صهيونية؛ أن المنظمات واﻷﻓﺮاد ﻏﻴﺮ اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ أﺧﺬوا زﻣﺎم المبادرة ﻓﻲ ﺣﺮﻛﺔ المقاومة ﺿﺪ اﻟﻨﺎزية، مع بقية القوى التقدمية الألمانية، وتحملوا وحدهم ﻋﺒﺌﻬـﺎ، وأﻧـﻪ ﻛﻠﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﻨﻀﺎل أﺷﺪ ﺿﺮاوة ﻛﺎن اﻟﺼـﻬـﺎﻳـﻨـﺔ ﻳـﺰدادون اﺑـﺘـﻌـﺎداً ﻋـﻦ ﺑـﻘـﻴـﺔ اﻟﻴﻬﻮد. وﻣﻦ المعروف أن اﻟﻘﻮات اﻟﻨﺎزﻳﺔ ﻛﺎﻧﺖ تنشئ ﻣﺠﺎﻟﺲ ﻟﻠﻴﻬﻮد ﻓﻲ اﻟﺒﻼد اﻟﺘﻲ تحتلها ﺑﻌﺪ ﺣﻞ ﻛﻞ اﻟﺘﻨﻈﻴﻤﺎت اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ. وأن أﻋﻀﺎء ﻫﺬه المجالس ﻛـﺎﻧـﻮا ﻣـﻦ اﻟـﺼـﻬـﺎﻳـﻨـﺔ. ﺑﻞ إن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻨﺎزي ﻟﻢ ﻳﺴﻤﺢ إﻻ ﻟﻠﺼﻬﺎﻳﻨﺔ وﺣﺪﻫﻢ مزاولة ﻧﺸﺎﻃﻬﻢ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻣﻨﻊ الاﻧﺪﻣﺎﺟﻴين واﻷرﺛﻮذﻛﺲ اليهود ﻣﻦ إﻟﻘﺎء الخطب والتصريحات أو ﺟﻤﻊ اﻟﺘﺒﺮﻋﺎت أو ﻣﺰاوﻟﺔ أي ﻧﺸﺎط آﺧﺮ. ويقال، بأنه كان هناك تنسيق بين الصهاينة والنظام النازي في اعتقال اليهود الألمان غير الصهاينة ووضعهم في المعسكرات تمهيداً لإبادتهم. وﻗﺪ ألحق المؤلف ﻛﻮرت ﺟﺮوﺳﻤﺎن ﻓﻲ ﻛﺘﺎبه عن ﻫﺮﺗﺰل، مؤسس الحركة الصهيونية المعاصرة، ﺛﻤﺎﻧﻲ وﺛﺎﺋﻖ ﻧﺎزﻳﺔ صادرة عام ١٩٣٥، تحمل ﻛﻠﻬﺎ ﺗﻮﺟﻴﻬﺎت للشرطة ﺑﺘﻨﻈﻴﻢ اﻟﻨﺸﺎط اﻟﻴﻬﻮدي ﻓﻲ ألمانيا اﻟـﻨـﺎزﻳـﺔ. وأهم ﻫـﺬه اﻟـﺘـﻮﺟـﻴـﻬـﺎت هي دعم المنظمات اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺪرب اﻟﻴﻬﻮد ﺗﺪرﻳﺒـﺎً ﻣـﻬـﻨـﻴـﺎً ﻋـﻠـﻰ اﻟـﺰراﻋـﺔ والحرف ﻗـﺒـﻞ ﻫﺠﺮﺗﻬﻢ إﻟﻰ فلسطين، لأنه ﻓﻲ ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟـﻨـﺎزﻳـﺔ. وأنه يجب حل المنظمات اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺪﻋﻮ إﻟﻰ ﺑﻘﺎء اﻟﻴﻬﻮد ﻓﻲ ألمانيا. وﻛﺎن اﻟﻨﺎزﻳﻮن مهتمين ﻛـﺜﻴﺮاً ﺑﻨﺸﺎط اليهود الصهاينة، واعتبروا منظماتهم تعمل ﺑﻜﻞ اﻟﺴﺒﻞ، ﺣﺘﻰ ﻏﻴﺮ اﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻣﻨﻬﺎ، كي ﺗﺮﺳﻞ اليهود الألمان إﻟﻰ فلسطين. كما أصدرت الحكومة النازية توجيهات بالسماح للمنظمات اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﺑﺠﻤﻊ اﻟﺘﺒﺮﻋﺎت ﻣﻦ أﺟـﻞ ﺗـﺸـﺠـﻴـﻊ اﻟـﻬـﺠـﺮة واﻻﺳﺘﻘﺮار ﻓﻲ فلسطين، وﻟﺸﺮاء اﻷراﺿﻲ ﻫﻨﺎك. وﻷن ﻫﺬه اﻟﺘﺒﺮﻋﺎت ﺗﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ الحل اﻟﻌﻤﻠﻲ ﻟﻠﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ. وﻗﺪ ﻛﺸﻔﺖ ﻟﻨﺎ ﻣﺤﺎﻛﻤﺔ النازي آيخمان في الكيان الصهيوني بعد اختطافه ﺑـﻌـﺾ ﺟـﻮاﻧـﺐ اﻟـﻌـﻼﻗـﺔ بين اﻟـﻨـﺎزية واﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ.

(أتومان آيخمان، كان ضابطًا ألمانيًا نازيًا كبيرًا خلال الحرب العالمية الثانية. وكان مسؤولًا عن تنفيذ "الحل النهائي" لإبادة اليهود الأوروبيين خلال الهولوكوست. وأشرف على ترحيل الملايين من اليهود إلى معسكرات الإبادة. وبعد الحرب، هرب أيخمان إلى الأرجنتين حيث عاش تحت اسم مزيف. وفي 1960، تم القبض عليه بواسطة الموساد، ونُقل إلى الكيان الصهيوني لمحاكمته. وأُعدم في 1962 شنقاً. ويوجد فيلم عنه في القنوات التلفزيونية).

آيخمان ﻛﺎن ﻣﻌﺠﺒﺎً أيما إﻋﺠﺎب ﺑﺎﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ. وهو الذي قال عنهم: "إن الصهاينة مثاليون، والمثالي ﻟﻴﺲ ذﻟﻚ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺬي ﻳﺆﻣﻦ ﺑﻔﻜﺮﺗﻪ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻫﻮ اﻟﺮﺟﻞ اﻟﺬي ﻳﻌﻴﺶ ﻣﻦ أﺟﻞ ﻓﻜﺮﺗﻪ، وﻋﻠﻰ اﺳﺘﻌﺪاد ﻟﻠﺘﻀﺤﻴﺔ". وﻟﻢ ﻳﻜﻦ النازي آيخمان ﺻﻬﻴﻮﻧﻴﺎً ﻓﻜﺮﻳﺎً ﻓﺤﺴﺐ، بل ﻣﺜﻞ ﺑﻌﺾ ﺻﻬﺎﻳﻨﺔ اﻟﺸﺘﺎت، ﻛﺎن ﺻﻬﻴﻮﻧﻴﺎً ﻋﻤﻠﻴﺎً وﻓﻌﺎﻻً. ﻟﻘﺪ ﻛﺎن ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻌﺪاد ﻟﻠﻌﻤﻞ ﻣـﻦ أﺟـﻞ تحويل ﻓﻜﺮة "اﻟﻌﻮدة" إﻟﻰ أرض الميعاد إﻟﻰ ﺣﻘﻴﻘﺔ وواﻗﻊ. لقد ساعد آيخمان اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﺳﻴﺲ ﻣﻌﺴﻜﺮات ﺗﺪرﻳﺒﻴﺔ ﻟﻠﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ اﻟـﻴـﻬـﻮد، ﺑـﻞ إﻧﻪ ﻃﺮد ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺮاﻫﺒﺎت من كنيستهم ﺣﺘﻰ ﻳﺰود ﺑﻌـﺾ اﻟـﺸـﺒـﺎب اﻟﻴﻬﻮد مزرعة ﺗﺪرﻳﺒﻴﺔ.

اتفاقية "الهعفراه" بين النازية والصهيونية:

هذا التعاون الواعي تم عن طريق المفاوضات الذي انتهى ﺑﻌﻘﺪ اﺗﻔﺎﻗﻴﺔ بين النازيين والصهاينة. ﻫﺬه اﻻﺗﻔـﺎﻗـﻴـﺔ ﻫـﻲ "اﻟـﻬـﻌـﻔـﺮاه" وهذه كلمة ﻋﺒﺮﻳﺔ ﺗﻌﻨﻲ "ﻧﻘﻞ"، أي ﻧﻘﻞ اﻟﺴﻜﺎن اﻟﻴﻬﻮد ﻣﻦ ألمانيا إﻟـﻰ فلسطين. وﻗﺪ ﻋﻘﺪت ﻫﺬه اﻻﺗﻔﺎﻗﻴﺔ بين اﻟﻨﺎزيين والمستوطنين اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻓﻲ فلسطين وبمقتضاها سمح اﻟـﻨـﺎزﻳـﻮن ﻟـﻠـﻴـﻬـﻮد ﺑﺎﻟﻬﺠﺮة. وﻗـﺪ ﻣـﻨـﺤـﺖ ألمانيا لمـﺆﺳـﺴـﺔ اﻟـﻬـﻌـﻔـﺮاه اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﺣﻖ اﺣﺘﻜﺎر اﻟﺒﻀﺎﺋﻊ اﻷلمانية المصدرة إﻟﻰ فلسطين. وﻛـﺎن ﻣـﻦ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻫﺬه اﻻﺗﻔﺎﻗﻴﺔ اﺳﺘﻴﺮاد ﺧﻴﺮة الفنيين اﻟﻴﻬـﻮد اﻷلمان واﻵﻻت اﻷلمانية اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ تحتاجها المستوطنات اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ. وﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ اﻟمﺼاﺪﻓﺔ أن الثورة اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ عام ١٩٣٩ ﺟﺎءت ﻓﻲ أﻋﻘﺎب اﺗﻔﺎﻗﻴﺔ اﻟﻬﻌﻔﺮاه، التي أدت الى زيادة الهجرة وشراء الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات. ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻫﺎ اﻧﻌﻜﺎﺳﺎت ﻃﻴﺒﺔ ﻋﻠﻰ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﻨﺎزي أﻳﻀﺎً. وﻟﻜﻦ اﻷﻫﻢ ﻣﻦ ﻫﺬا ﻛﻠﻪ ﻛﺎن ﻓﻲ ﻣﺠﺎل اﻟﻬﺠﺮة اﻟﺼـﻬـﻴـﻮﻧـﻴـﺔ. ﻓـﺘـﻬـﺠـﻴـﺮ اﻟﻴﻬﻮد ﻫﻮ اﻷرﺿﻴﺔ اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ المشتركة بين اﻟﺼـﻬـﺎﻳـﻨـﺔ واﻟـﻨـﺎزيين. وﻗـﺪ ﺳﺎﻫﻢ جهاز المخابرات الألماني- جستابو- وﻓﺮق عسكرية من الجيش النازي ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻴﺎت اﻟﻬﺠﺮة اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ. وﻗﺪ ﻫﺎﺟﺮ حوالي ٦٠ ألف يهودي بمقتضى ﻣﻌﺎﻫﺪة اﻟﻬﻌﻔﺮاه بين ﻋﺎﻣﻲ ١٩٣٣و ١٩٣٩.

التنسيق الصهيوني النازي لتنفيذ محارق الهولوكست:

إلى ﺟﺎﻧﺐ اﻟﺘﻌﺎون اﻟﺘﻨﻈﻴﻤﻲ المعلن، ﺗﻮﺟﺪ ﺣﺎﻻت ﻣﻦ اﻟﺘﻌﺎون اﻟﻔـﺮدي غير المعلن مثل حالة رودولف كاستنر، أﺣﺪ زﻋﻤﺎء الحركة اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻓﻲ روﻣﺎﻧﻴﺎ والمجر. وقد أثمر هذا التعاون بهجرة ١٧٠٠ يهودي. وذلك عندما ﺳﻤﺢ اﻟﻨﺎزﻳـﻮن بإطلاق سراح هؤلاء اليهود من أﺣـﺪ ﻣـﻌـﺴـﻜـﺮات اﻻﻋـﺘـﻘـﺎل إﻟـﻰ فلسطين مقابل أن يقنع كاستنر اليهود المرحلين إﻟﻰ ﻣﻌﺴﻜﺮات اﻹﺑﺎدة ﺣﻴﺚ ﺗﻨﺘﻈﺮﻫﻢ أﻓﺮان اﻟﻐﺎز. وقد ﻧﻔﺬ كاستنر ﻣﺎ ﻳﺨﺼﻪ ﻣﻦ اﻟﺼﻔﻘﺔ حين أﻗﻨﻊ اﻟﻴﻬﻮد اﻟﺬﻳﻦ ﺗﻘﻠﻬﻢ اﻟﻘﻄﺎرات إﻟﻰ ﻣﻌﺴﻜﺮات اﻹﺑﺎدة ﺑﺄﻧﻬﻢ ذاﻫﺒﻮن إﻟﻰ أﻣﺎﻛﻦ أﺧﺮى ﻳﺴﺘﻘﺮون ﻓﻴﻬﺎ، أو أﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻬﻢ إﻟﻰ ﻣﻌﺴﻜﺮات ﺗﺪرﻳﺐ ﻣﻬﻨﻲ. وهناك فرضية ﺗـﻘـﻮل إﻧﻪ ﻛﺎن ﻣﻦ المستحيل ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎزيين ﺷﺤﻦ ﻫﺬه اﻵﻻف المؤلفة ﻣﻦ اﻟﻴﻬﻮد دون ﺗﻌﺎون اﻟﻘﻴﺎدات اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ. وقد وزع أﺣﺪ المواطنين الصهاينة في الكيان الصهيوني عام ١٩٥٣ - أي بعد الحرب العالمية بحوالي عقد من الزمن- منشوراً يبين ﻓﻴﻪ ﻣﺪى ﺗﻌﺎون الصهيوني ﻛﺎﺳﺘﻨﺮ ﻣﻊ اﻟﻨﺎزيين ودﻓﺎﻋﻪ ﻋﻦ أﺣﺪ اﻟﻀﺒﺎط النازيين أﺛﻨﺎء ﻣﺤﺎﻛﻤﺔ ﻧﻮرﻣﺒﺮج المشهورة. اﻷﻣﺮ اﻟﺬي أدى إﻟـﻰ اﻹﻓـﺮاج ﻋـﻨـﻪ. أي أن ﺣﻤﺎس ﻛﺎﺳﺘﻨﺮ ﻟﻠﻨﺎزيين اﺳﺘﻤﺮ ﺣﺘﻰ ﺑﻌﺪ ﺳﻘﻮط اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻨﺎزي. وﻗـﺪ ﻗـﺎم الحزب الحاكم ﻓﻲ الكيان آنذاك بمحاولات ﻣﻀﻨﻴﺔ ﻹﻧﻘﺎذ ﻛﺎﺳﺘﻨﺮ، وﻟﻜﻦ إﺣﺪى المحاكم الصهيونية ﺣﻜﻤﺖ ﺑﺄن ﻣﻌﻈﻢ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻓﻲ المنشور ﻳﺘﻄﺎﺑﻖ ﻣﻊ اﻟﻮاﻗﻊ. ولحسن ﺣﻆ الحزب الحاكم، أﻃﻠﻖ أﺣﺪ الصهاينة اﻟﺮﺻﺎص ﻋﻠﻰ ﻛﺎﺳﺘﻨﺮ قبل تنفيذ حكم المحكمة.

الصهاينة جواسيس للنظام النازي:

أما الصهيوني الثاني، الفرد نوسيج، وهو نحات نمساوي. وكان ﻣﺘﺸﺮﺑﺎً ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻷلمانية، ﻣﺘﺤﻤﺴﺎً ﻟﻬﺎ- ﻛﻤﺎ ﻫﻮ الحال ﻣﻊ ﻣﻌﻈـﻢ اﻟـﺰﻋـﻤـﺎء اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ- ﻓﻌﻤﻞ ﺟﺎﺳﻮﺳﺎً ﻟﻸلمان أﺛﻨﺎء الحرب اﻟﻌالمية اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ووﺿﻊ ﺧﻄﺔ ﻹﺑﺎدة اﻟﻴﻬﻮد اﻷلمان المسنين واﻟﻔﻘﺮاء. وﺣﻴﻨﻤﺎ وﺻﻠﺖ اﻟﻘـﻮات اﻟـﻨـﺎزﻳـﺔ إﻟـﻰ ﺑﻮﻟﻨﺪا ﻗﺎم ﻧﻮﺳﻴﺞ ﺑﺘﻘﺪيم ﻋﺪة ﺧﻄﻂ ﻟﻠﻬﺠﺮة اﻟﻴـﻬـﻮدﻳـﺔ، ﻓـﻌـﻴـﻨـﻪ اﻟـﻨـﺎزﻳـﻮن ﻋﻀﻮاً ﻓﻲ ﻣﻜﺘﺐ ﻟﻘﺴﻢ اﻟﺸؤﻮن اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ. وﻗﺪ اﻛﺘﺸﻔﺖ المقاومة اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﺗﻌﺎوﻧﻪ ﻣﻊ اﻟﻨﺎزيين، واﻧﻪ ﻋﻀﻮ ﻓﻲ الجستابو. وﺧﺘﻤﺖ ﺣﻴﺎﺗﻪ عام ١٩٤٣ بإطلاق النار عليه.

تتوضح من جميع هذه الوثائق والتقارير عن التعاون الوثيق بين الحركة النازية في ألمانيا وفروعها في بقية الدول الأوروبية، والحركة الصهيونية العالمية. وأن هناك تعمداً مخططاً له من قِبل الحركة الصهيونية بإخفاء هذه الحقائق، وإبراز محارق الإبادة الجماعية لليهود فقط.

الصهيونية والنازية وجهان لعملة واحدة:

صحيح أن ﺣﺠﻢ الجريمة اﻟﻨﺎزﻳﺔ ﺿﺪ الأقليات اﻟﻴﻬﻮدﻳـﺔ ﻓـﻲ أوروﺑـﺎ، هي جريمة دون ﺷﻚ أﻗﻞ ﻣﺎ ﺗﻮﺻﻒ ﺑﻪ أﻧﻬﺎ ﺷﻴﻄﺎﻧﻴﺔ، وﻟﻜﻦ التركيز على ﻫﺬه الجريمة النازية يتجاهل ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﺪة ﻋﻨﺎﺻﺮ ﻫﺎﻣﺔ في العلاقة الوثيقة بين الصهيونية والنازية، وهذه العناصر، كشفها المفكر عبد الوهاب المسيري في كتابه (الأيديولوجية الصهيونية)، وهي على النحو التالي:

أولاً: أن الأقليات اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻫﻲ وﺣﺪﻫﺎ ﺿﺤﻴﺔ اﻟﻌﻨﻒ اﻟﻨﺎزي اﻟﺬي ﻧﺰل ﺑﻜﻞ اﻟﺸﻌﻮب ﻏﻴﺮ اﻵرﻳﺔ. ﻓﺎﻟﺸﻌـﻮب اﻟـﺴـﻼﻓـﻴـﺔ أﺑـﻴـﺪت ﻣـﻨـﻬـﺎ الملايين أﻳﻀﺎً. وأﺑﻴﺪت ﻗﺒﺎﺋﻞ اﻟﻐﺠﺮ اﻟﺬﻳﻦ وﻗﻌﻮا ﻓﻲ ﺑﺮاﺛﻦ اﻟﻨﺎزية، ﻛﻤﺎ أﺑﻴﺪ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻌﺠﺰة والمرضى اﻷلمان.

ثانياً: ﺗﻬﻤﻞ اﻟﺪراﺳﺎت التي تتكلم عن النازية ﺣﻘﻴﻘﺔ مهمة، وهي أن اﻟﻨﺎزﻳـﺔ ﻟـﻢ ﺗـﻜـﻦ اﻧـﺤـﺮاﻓـﺎً ﻋـﻦ الحضارة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، وإنما ﻫﻲ ﺗﻴﺎر أﺳﺎﺳﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﺎﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ تماماً. فالحضارة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﺣﻀﺎرة ﺗﻌﻠﻰ ﻣﻦ ﻗﻴﻢ المنفعة، وﺗـﺮى أن اﻟﺒﻘﺎء ﻟﻸﺻﻠﺢ واﻷﻗﻮى داﺋﻤﺎً، وﺗﻬﻤﻞ ﻛﺜﻴﺮاً ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻢ اﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ التي تعتبرها بالية ﻣﺜﻞ؛ اﻟﺒﺮ ﺑﺎﻟﻀﻌﻔﺎء واﻟﺸﻬﺎﻣﺔ واﻟﺘﻘﻮى وﻣﺴﺎﻋﺪة اﻟﻐﻴﺮ. واﻟﻨﺎزﻳـﺔ ﺣـﻴـﻨـﻤـﺎ أﺑـﺎدت اﻟﻴﻬﻮد واﻟﻌﺠﺰة ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻔﻌﻞ ذﻟﻚ لأﻧﻬﻢ "ﻏﻴﺮ ﻧﺎفعين"، وﻣﻮﺿﻮﻋﺔ تحويل اﻟﻴﻬﻮد إﻟﻰ ﺷﻌﺐ ﻣﻨﺘﺞ، ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻄﺮوﺣﺔ ﻓﻲ أوروﺑﺎ وﻓﻲ ﺷﺮﻗﻬﺎ ووﺳﻄﻬﺎ ﺑﺨﺎﺻﺔ. وﻛﺎن ﻋﺪد ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦ ﻳﻬﻮد ألمانيا وﻳﻬﻮد ﺷﺮق أوروﺑﺎ اﻟﺬﻳﻦ ﻟﻔﻈتهم، ولم تستوعبهم المجتمعات الأوروبية، ﻧﻈﺮاً ﻟﺘﺨﻠﻔﻬﻢ الحضاري واﻻﻗﺘﺼﺎدي. ﻗﺪ ﺣﺎوﻟﺖ ألمانيا اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻔﺎﺋﺾ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻏﻴﺮ اﻟﻨﺎﻓﻊ ﺑـﺈرﺳـﺎﻟـﻪ ﻓﻲ ﻗﻄﺎرات إﻟﻰ ﺑﻮﻟﻨﺪا اﻟﺘﻲ رﻓﻀﺘﻬﻢ ﻛﻤﺎ رﻓﻀﺘﻬﻢ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﺪول اﻷﺧﺮى، بما ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة اﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﻮاﻓﻖ ﻋﻠﻰ ﻓﺘﺢ أﺑﻮاب اﻟﻬﺠﺮة أﻣﺎﻣﻬﻢ. إن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﺑﺮﻓﻀﻪ ﻟﻬﺆﻻء اﻟﻴﻬﻮد أﻳﺪ ﺿﻤﻨﻴﺎً الجريمة اﻟﻨﺎزﻳﺔ وواﻓﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻄﻠﻘﺎﺗﻬﺎ اﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﺣﺘﻰ وإن ﻟﻢ ﻳﻮاﻓﻖ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻜـﻞ المتطرف اﻟـﺬي اﺗﺨﺬﺗﻪ.

ثالثاً: يجب أن ﻧﺘﺬﻛﺮ أن الحل اﻟﻨﺎزي ﻟﻠﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﻻ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻛﺜﻴـﺮاً ﻋﻦ الحلول اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ اﻹﻣﺒـﺮﻳـﺎﻟـﻴـﺔ المطروحة ﻟـﻠـﻤـﺸـﺎﻛـﻞ المماثلة. ﻓـﺎﻟـﻨـﺎزﻳـﺔ واﻹﻣﺒﺮﻳﺎﻟﻴﺔ ﻳﺼﺪران ﻋﻦ الإيمان ﺑﺘﻔﻮق الجنس اﻵري ﻋﻠﻰ اﻷﺟﻨﺎس اﻷﺧﺮى. وأن ﻫﺬا اﻟﺘﻔﻮق ﻳﻌﻄﻲ الحق ﻟﻶريين ﻓﻲ أن ﻳﺘﺨـﻠـﺼـﻮا ﻣـﻦ ﻣـﺸـﺎﻛـﻠـﻬـﻢ ﻋـﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺗـﺼـﺪﻳـﺮﻫـﺎ ﻟـﻠـﺒـﻼد اﻷﺧـﺮى ﺣـﺘـﻰ وﻟـﻮ أدى ﻫـﺬا إﻟـﻰ إﺑـﺎدة اﻟـﺴـﻜـﺎن اﻷصليين. والحل اﻟﻨﺎزي ﻻ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ذﻟﻚ ﻓﻬﻮ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻟﺘﺼﺪﻳﺮ المسألة اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ إﻟﻰ اﻟﺪول اﻷوروﺑﻴﺔ اﻷﺧﺮى- ﺣﻴﺚ إن اﻟﻤﺠﺎل الحيوي للاستعمار اﻟﻨﺎزي ﻛﺎن ﻓﻲ أوروﺑﺎ- ﻓﺎﻟﻨﺎزﻳﻮن حين وﺟﺪوا أن اﻟﻄﺮﻳﻖ ﻣﺴﺪودة أﻣﺎﻣﻬﻢ ﻗﺎﻣﻮا ﺑﺘﺼﺪﻳﺮ اﻟﻴﻬﻮد- واﻟﻐﺠﺮ واﻟﺴﻼف- لمعسكرات اﻻﻋﺘﻘﺎل ﻹﺑﺎدﺗﻬﻢ ﻫﻨﺎك. إن الجريمة اﻟﻨﺎزﻳﺔ ﻫﻲ ﻧﺘﺎج ﻣﻨﻄﻘﻲ ﻟﻠﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑـﻴـﺔ الحديثة وﻟـﻴـﺴـﺖ اﺳﺘﺜﻨﺎء ﻣﻨﻬﺎ.

رابعاً: هناك ﻇﺎﻫﺮة ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ بين النازيين والصهاينة، وﻫـﻲ أﻳـﻀـﺎً ﺳـﻤـﺔ أﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ- ﻫﻲ ﻋﻘﻼﻧﻴﺔ اﻹﺟﺮاءات واﻟﻮﺳﺎﺋﻞ وﻻﻋﻘﻼﻧﻴﺔ اﻟﻬﺪف. ﻓﻌﻤﻠﻴﺔ اﻟﻌﻘﻠﻨﺔ أو اﻟﺘﺮﺷﻴﺪ ﺗﻨﺼﺐ ﻋﻠﻰ اﻟـﻮﺳـﺎﺋـﻞ واﻷدوات ﻓـﺤـﺴـﺐ، أﻣـﺎ اﻷﻫﺪاف ﻓﻬﻲ أﻣﺮ ﻣﺘﺮوك ﻻﺧﺘﻴﺎر اﻷﻓﺮاد. وﻣﻌﺴﻜﺮات اﻻﻋﺘﻘﺎل واﻟﺘﻌﺬﻳﺐ، ﺳﻮاء ﻓﻲ ألمانيا اﻟﻨﺎزﻳﺔ أم ﻓﻲ الكيان الصهيوني، ﻫﻲ ﻣﺜﺎل ﺟﻴﺪ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا الجانب ﻓﻲ الحضارة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ. ﻓﻬﺬه المعسكرات ﻣﻨﻈﻤﺔ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ "ﻣﻨﻬﺠﻴـﺔ" تحسب ﻓﻴﻬﺎ ﺣﺴﺎﺑﺎت الكسب والخسارة، وتحسب المدخلات واﻟﻤﺨﺮﺟـﺎت. ﺣﺘﻰ اﻟﺘﻌﺬﻳﺐ ﻻ ﻳﺘﻢ ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺸﻮاﺋﻲ ﻓﺮدي، وإنما ﻳﺘﻢ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺆﺳﺴﻲ ﻣﻨﻈﻢ. ﻓﻌﻤﻠﻴﺔ اﻹﺑﺎدة، ﻫﺬا اﻟﻨﺘﺎج اﻟﺮاﺋﻊ لحضارة اﻟﻌﻠﻢ واﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻳﺠﺐ أن ﺗﺘﻢ ﺑﺤﻴﺎد علمي رهيب- رغم أن الكيان الصهيوني قد فاق النازية كثيراً في بربريته وقتله وإبادته للشعب الفلسطيني- لذلك فإن اﻟﻬﺪف ﻣﻦ ﻣﻌﺴﻜﺮات اﻻﻋﺘﻘﺎل واﻹﺑﺎدة واﻟﺘـﻌـﺬﻳـﺐ، والمضمون اﻷﺧﻼﻗﻲ ﻟﻬﺬه اﻷﺷﻴﺎء وﻣﺪى ﻋﻘﻼﻧﻴﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮر إﻧﺴﺎﻧﻲ، ﻓﻜﻞ ﻫﺬا ﻣﺘﺮوك ﻟﻠﺰﻋﻴﻢ أو ﻟﻠﺪوﻟﺔ أو ﻟﻸﻫﻮاء اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ وللتجربة والخطأ أو ﻟﻸﺳﻄﻮرة اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ. ﻓﺎﻟﺘﺠﺮﻳﺐ ﻻ ﻳﺆدي ﺑﺎﻟﻀﺮورة إﻟﻰ اﻧﺘﺼﺎر اﻟﻌﻘﻞ واﻟﻘﻴﻢ اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ. وﻟﻌﻞ أﻛﺒﺮ دﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ أن اﻟﻨﺎزﻳﺔ كجزء أﺻﻴﻞ ﻣﻦ الحضارة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻫﻮ أن اﻟﺮد اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺴﻜﺮات اﻻﻋﺘﻘﺎل واﻹﺑﺎدة ﻟﻠﻴﻬﻮد ﻟﻢ ﻳـﻜـﻦ ﻣـﻐـﺎﻳـﺮاً ﻓـﻲ ﺑﻨﺎﺋﻪ وﻓﻲ ﺳﻤﺎﺗﻪ الجوهرية للجريمة اﻟﻨﺎزﻳﺔ. ﻓﺎﻟﻐﺮب ﻳﺤﺎول ﺣﻞ المسألة اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﺑﺈﻧﺸﺎء اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺟﺜﺚ الفلسطينيين، وﻛﺄﻧﻪ يمكن أن تمحي جريمة الإبادة النازية لليهود ﺑﺎرﺗﻜﺎب ﺟﺮيمة دﻳﺮ ﻳﺎسين أو ﻣﺬﺑﺤﺔ ﺑﻴﺮوت.

واﻟﻐﺮب اﻟﺬي أﻓﺮز ﻫﺘﻠﺮ وﻏﺰواﺗﻪ ﻫﻮ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺬي كان ﻳﻨﻈﺮ ﺑﺈﻋﺠﺎب إﻟﻰ اﻟﻐﺰو الصهيوني لجنوب ﻟﺒﻨﺎن وﺑﻴﺮوت وأﻧﺤﺎء أﺧﺮى ﻣﻦ اﻟﻌـﺎﻟـﻢ اﻟـﻌـﺮﺑـﻲ. وﻫـﻮ اﻟـﺬي ﻳـﻨـﻈـﺮ ﺑﺤﻴﺎد وﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﻟﻠﺠﺮيمة اﻟﺘﻲ ارﺗﻜﺒﺖ واﻟﺘﻲ ﺗﺮﺗﻜﺐ ﻳﻮﻣﻴﺎً ﺿﺪ اﻟﺸـﻌـﺐ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ لغاية هذه الساعة.

خامساً: إن الحضارة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ الحديثة ﻗﺪ أﻓﺮزت اﻹﻣﺒﺮﻳﺎﻟﻴﺔ واﻟـﻨـﺎزﻳـﺔ واﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ. وﻫﻲ إذ ﺗﺘﻨﻜﺮ اﻵن ﻟﻠﻨﺎزﻳﺔ، فقط لأن جريمتها أُرتكبت ﺿﺪ اﻟﺸﻌﻮب اﻷوروﺑﻴﺔ. أما ما يرتكبه الكيان الصهيوني، وما ارتكبته الإمبريالية الأمريكية من مجازر بحق الشعوب، فهي لا تعتبر بالنسبة لهم جرائم.

لذلك، ﻳﺠﺐ أﻻ ﻳﺨـﻔـي ﻫـﺬا اﻟـﻮﺿـﻊ ﻋـﻦ أﻧـﻈـﺎرﻧـﺎ أو ﻋـﻦ أﻧـﻈـﺎر اﻵﺧـﺮﻳـﻦ الحقيقة اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺆﻛﺪ أن اﻟﻨﺎزﻳﺔ ﺟﺰء أﺳﺎﺳﻲ ﻣﻦ الجانب البشع والظلامي للحضارة الغربية، مثلها مثل الإمبريالية والصهيونية.

سادساً: على الرغم من أن موضوع اﻟﺘﺸﺎﺑﻪ اﻟﻔـﻜـﺮي واﻟـﺘـﻌـﺎون اﻟﻔﻌﻠﻲ بين النازية واﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ، ﻳﺜﻴﺮ اﻵن في عصرنا الراهن، ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ اﻟﺪﻫﺸﺔ، فإن اﻷﻣﺮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻛﺬﻟﻚ ﻓـﻲ اﻟـﻌـﺸـﺮﻳـﻨـﺎت واﻟـﺜـﻼﺛـﻴـﻨـﺎت من القرن العشرين. ﻓـﻜـﺜـﻴـﺮ ﻣـﻦ المستوطنين اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻜﻨﻮن اﻹﻋﺠﺎب ﻟﻠﻨﺎزﻳﺔ، وأﻇﻬﺮوا ﺗﻔﻬﻤﺎً ﻋﻤﻴﻘﺎً لها ولمُثلها ولنجاحها في "إنقاذ" ألمانيا. ﺑﻞ اعتبروا اﻟﻨﺎزﻳﺔ ﺣﺮﻛﺔ "تحرير وطني"، ﻣﺜﻞ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺰﻋﻢ اﻵن أﻧﻬﺎ ﻫﻲ اﻷﺧـﺮى حركة تحرير وﻃﻨﻲ- وﻟﺬا ﻛﺎن اﻟﺸﺒﺎب اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ﻳﻬﺘﻔﻮن: "ألمانيا ﻟﻬﺘﻠﺮ، إﻳﻄﺎﻟﻴﺎ لموسليني، وفلسطين لجابوتنسكي"- جابوتنسكي، زعيم حركة صهيونية التي طرحت ضرورة الحصول على أرض الميعاد بالقوة العسكرية، وذلك قبل إعلان تأسيس الكيان الصهيوني-.

وقد أشار الصهيوني حاييم كابلان، وكان موجوداً في وارسو أثناء حصارها من قبل النازيين، بأنه "ﻻ ﻳﻮﺟﺪ أي ﺗﻨﺎﻗﺾ بين رؤﻳﺔ اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ واﻟﻨﺎزيين ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﻓﻴﻤﺎ ﻳـﺨـﺺ المسألة اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ، ﻓﻜﻠﺘﺎﻫﻤﺎ ﺗﻬﺪفان إﻟﻰ اﻟﻬﺠﺮة، وﻛﻠﺘﺎﻫﻤﺎ ﺗﺮى أن ﻻ ﻣﻜﺎن ﻟﻠﻴﻬﻮد ﻓﻲ الحضارات الغربية".

سابعاً: لقد تأثر الفكر النازي وكذلك الفكر الصهيوني بالفلسفة الرومانتيكية الألمانية التي ترفض العقل اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ وﻓﻌﺎﻟﻴﺘﻪ باعتباره أداة ﻧﺎﻗﺼﺔ ﻗﺎﺻﺮة ﻋﻦ ﻓﻬﻢ اﻟﻌﺎﻟﻢ وﺗﻐﻴﻴﺮه. وهذا الفكر اﻟﺮوﻣﺎﻧﺘﻴﻜﻲ الألماني ﻫﻮ ذروة اﻟﻔﻜـﺮ المعادي ﻟـﻠـﺘـﻨـﻮﻳـﺮ. حيث يؤمن بالعقل الجمعي والماضي المشترك والجماعة اﻟﻌﻀﻮﻳﺔ. واﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ هي ﺟﺰء ﻣﻦ ﻫﺬه الحركة اﻟﺮوﻣﺎﻧﺘﻴﻜﻴﺔ اﻟﻼﻋﻘﻼﻧﻴﺔ. ﻓﺎﻟﻜﺘﺎﺑﺎت اﻟﺼﻬﻴﻮﻧـﻴـﺔ غارقة ﺑﺎﻹﺷﺎرات اﻟﺘﻲ ﺗﻐﻠﺐ اﻟﻌﺎﻃﻔﺔ ﻋﻠﻰ اﻟـﻌـﻘـﻞ، واﻟـﻼوﻋـﻲ ﻋـﻠـﻰ اﻟـﻮﻋـﻲ، والمطلقات التوراتية ﻋﻠﻰ اﻟﻈﻮاﻫﺮ اﻟﺘﺎرﻳﺨﻴﺔ اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ. وﺗﻌﺒﺮ ﻫﺬه اﻟﻼﻋﻘﻼﻧﻴﺔ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻓﻲ أﺷﻜﺎل وﻃﺮق ﻛﺜﻴﺮة أﻫﻤﻬﺎ ﻓﻜﺮة روابط اﻟﺪم اﻟﻌﻀﻮﻳﺔ. وأن الشعب اليهودي ﻫﻮ ﻛﻴﺎن ﻋﻀﻮي ﻣﺘﻜﺎﻣﻞ، ﻳـﺤـﺎول اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﻋﺒﻘﺮﻳﺘﻪ الخاصة ﻣﻦ ﺧﻼل وﺣﺪﺗﻪ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ وأﻧﺴﺎﻗﻪ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ وﺗﺎرﻳﺨﻪ الخاص وﺗﺮاﺛﻪ الديني المتميز، ﺑﻞ وﺳﻤﺎﺗﻪ اﻟﺒﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ الخاصة ﺑﻪ، والعرق اليهودي الخالص.

ومثلما يستخدم اﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ مفهوم "اﻟﺪم اليهودي". فإن النازية المؤمنة بالفكر اﻟﺮوﻣﺎﻧﺘﻴﻜـﻲ الألماني، تؤمن أيضاً أن ﺟﻤﻴﻊ اﻷﺷﺨﺎص المنحدرين ﻣﻦ اﻟﻌﺮق اﻷلماني، أو اﻟﺬﻳﻦ ﺗﺮﺑﻄﻬﻢ ﻗﺮاﺑﺔ اﻟﺪم ﺑﺎﻷﺻﻞ اﻷلماني، ﻳﻜﻮن وﻻؤﻫﻢ اﻷول ﻷلمانيا، وﻳﺠﺐ أن ﻳﺼﺒﺤﻮا ﻣﻮاطنين ﻓﻲ اﻟﺪوﻟﺔ اﻷلمانية، وﻃﻨﻬﻢ الحقيقي، حتى وإن ﻧـﺸـؤوا وﺗـﺮﻋـﺮﻋـﻮا ﻫـﻢ وآﺑﺎؤﻫﻢ وأﺟﺪادﻫﻢ تحت ﺳﻤﺎوات أﺟﻨﺒﻴﺔ أو ﻓﻲ ﺑﻴﺌﺎت ﻏﺮﻳﺒﺔ، ﻟﻜﻦ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﻢ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﺗﺒﻘﻰ ألمانية.

أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻫﺬا أن اﻟﻨﺎزيين ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺆﻣﻨﻮن أﻳﻀـﺎً، مثل الصهاينة بوجود "الشِتات"- دﻳـﺎﺳـﺒـﻮرا ألمانية ﺗﺮﺑﻄﻬﺎ رواﺑﻂ ﻋﻀﻮﻳﺔ ﺑﺎﻷرض اﻷلمانية، وأﻋﻀﺎء ﻫﺬا اﻟﺸﺘﺎت اﻷلماني ﻣﺜﻞ أﻋﻀﺎء اﻟﺸﺘﺎت اﻟﻴﻬﻮد تماماً، ﻳﺠﺐ أن ﻳﻌﻤﻠﻮا ﻣﻦ أجل اﻟﻮﻃـﻦ اﻷم. وﻛﺎن ﻟﻠﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ما يشبه المنظمة اﻟﻨﺎزﻳﺔ اﻟﻌﺎلمية، التي كانت لها ﺻﻼﺣﻴﺎت تشبه صلاحيات المنظمة اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ اﻟﻌﺎلمية، وﻟﻬﺎ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻓﻲ ألمانيا ﺗﺸﺒﻪ ﻣﻜﺎﻧﺔ المنظمة الصهيونية ﻓﻲ الكيان الصهيوني.

إن حقائق التاريخ العالمي، تكشف بأن جميع الحركات والدول العنصرية كما في ألمانيا النازية، أو جنوب أفريقيا العنصرية، أو الكيان الصهيوني النازي والعنصري، تلفظها الشعوب الحرة، والعقل الإنساني السوي، والمنطق والشرعة الدولية والدينية، وحقوق الإنسان. وحتى الأرض نفسها ترفض أن تحتضن الأفكار الشاذة وغير الإنسانية كالصهيونية والنازية والعنصرية.