في المرة القادمة التي تتوقف فيها عند محطة وقود، ألقِ نظرة على الرقم الذي يتصاعد بسرعة على المضخة بينما تضغط على المقبض. ذلك المبلغ المتسارع ليس مجرد ثمن البنزين، بل هو ضريبة مضافة تُفرض لصالح دولة الكيان، ضريبة لم يُسأل المواطن الأمريكي يوماً إن كان يوافق على دفعها.
منذ مطلع مارس 2026، بات متوسط الأسرة الأمريكية يدفع 50 بالمئة أكثر لملء خزان سيارتها مقارنةً بما كانت تدفعه قبل شهر واحد فقط. إدارة ترامب ومعها منظّرو “إسرائيل أولاً” حمّلوا السوق المسؤولية، ووصفوا هذه الزيادة بأنها “ألم مؤقت لمكسب طويل الأمد”. ما لن يقولوه، وما لا يُسمح لهم قط بقوله في واشنطن، هو أن الأمريكيين يعيشون “ألم” دفع الضريبة الإضافية للكيان الصهيوني منذ أكثر من نصف قرن. والفاتورة تتضخم باستمرار، لكنها لم تعد مالية وحسب — فالولايات المتحدة تدفع أيضاً ثمناً أشد قسوة من الميزانيات: مكانتها الأخلاقية في العالم.
ظل هذا “الألم” سراً مكبوتا بعنايه، ممنوع النقاش به لأكثر من نصف قرن. فقبل 50 عاما، و في أيلول عام 1973 تحديداً، كان سعر برميل النفط الخام حوالي ثلاثة دولارات، أي أقل من أربعين سنتاً للغالون عند المضخة. ثم جاءت حرب أكتوبر. آنذاك، اصطفّ الصهاينة الأمريكيون من أنصار “اسرائيل اولا”، بقيادة هنري كيسنجر في إدارة نيكسون، خلف دولة الاحتلال بكل ثقل الموارد الأمريكية، و تم تسخير الاستخبارات العسكرية والأسلحة عبر أكبر جسر جوي طارئ في تاريخ الولايات المتحدة آنذاك. وردّت الدول العربية المنتجة للنفط باستخدام الورقة الوحيدة التي تملكها: خفض الإنتاج.
وبحلول يناير 1974، كان سعر البرميل قد قفز إلى اثني عشر دولاراً — ارتفاع بنسبة 400 بالمئة في أقل من أربعة أشهر. وقف الأمريكيون في طوابير تمتد حول المباني، ينتظرون الوقود المقنَّن، يدفعون أسعاراً لم يتخيلوها قط، وذلك بسبب حرب على بُعد آلاف الأميال، دفاعا عن دولة لا تُسهم بفلس واحد في الاقتصاد الأمريكي.
وبدلاً من نقاش صريح وشفاف، قُدِّمت للأمريكيين رواية إعلامية مصنوعة بإتقان، تتحاشى الطرح الأكثر إحراجاً من جميع التساؤلات: لماذا يتحمل المواطن الأمريكي هذا العبء؟ لجأت — وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى التي يهيمن الموالون لمبدأ “إسرائيل أولاً” في مجالس تحريرها، حيث تصاغ من خلالها التحليلات المتعلقة بالشرق الأوسط عبر منظور صهيوني راسخ — إلى أداة قديمة وموثوقة قدم السياسة ذاتها: استغلال غضب المستهلك الأمريكي عبر تأجيج العنصرية ضد العرب حيث صُوِّر حظر النفط ليس كموقف سياسي بل وكأنه نتيجة “جشع” عربي، منفصل تماماً عن واقع الاحتلال وسياسة الدعم المالي غير المشروط الذي تقدمه واشنطن وحمايتها السياسية للحكومة الصهيونية.
كان ذلك قبل خمسين عاماً. غير أن الضريبة الإضافية الصهيونية لم تنتهِ برفع الحظر — بل ترسّخت في بنية الميزانية، وهيكلية أرباح شركات النفط الأمريكية، لتعود برأسها مع كل حرب جديدة تشنّها واشنطن أو تموّلها خدمةً لدولة الاحتلال.
فالغزو العراقي — الذي بِيع للرأي العام الأمريكي على أساس استخبارات مزوّرة أنتجها النظام الصهيوني، وخطط له الموالون لمبدأ “إسرائيل أولاً” في أروقة وزارة الخارجية والبنتاغون — أضاف أكثر من ثمانية تريليونات دولار إلى العجز القومي الأمريكي. سرقة “قانونية” انتُزعت من العمال الأمريكيين، ومن المدارس و البنية التحتية والأجيال القادمة، وصُبّ في رمال حرب جعلت الشرق الأوسط أقل استقراراً لا أكثر. الحكومة الوحيدة التي هلّلت لتلك الحرب وضغطت بأشد ما يكون في دهاليز واشنطن، مُغريةً القادة الأمريكيين بأسلحة الخداع الشامل، كانت حكومة دولة الاحتلال. والحكومة الوحيدة التي لم تتحمل شيئاً من تكاليفها — مالاً ودماً — كانت هي ذاتها.
وها نحن هنا مرة أخرى، و في الأسابيع الأولى للحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، يتقدم البنتاغون إلى الكونغرس طالباً مئتي مليار دولار. مئتا مليار دولار تُموَّل من خلال تخفيض أو قطع الرعاية الصحية عن دافعي الضرائب الأمريكيين، وتقليص أموال إصلاح الجسور، وخفض المنح الدراسية للتعليم العالي، وإهمال أزمة الصحة النفسية المتفشية في قلب أمريكا. مئتا مليار دولار لحرب أخرى مسخّرة لدولة الاحتلال، و تُقوِّض المصالح الاستراتيجية السيادية الأمريكية ومكانتها الأخلاقية في العالم.
بمعزل عن التكلفة المالية، فإن الولايات المتحدة تُستنزف من مكانتها الأخلاقية، عاماً بعد عام، وحرباً بعد حرب، وحق نقض بعد حق نقض — في الدفاع عن حكومة يقف رئيس وزرائها متهماً أمام المحكمة الجنائية الدولية بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. محرم الحرب بنيامين نتنياهو، يجد من يدافع عنه من خلال الدبلوماسية الأمريكية في المحافل الدولية، ويمارس نفوذاً من الصعب فهمها على دونالد ترامب، ومن أجله تلقي إدارة ترامب الجنود الأمريكيين في نار الحرب ضد إيران.
ان هذه السياسات القائمة على مبدأ “إسرائيل أولاً” تشوه صورة أمريكا التي حاولت لعقود تجميلها حول العالم. من مشروع مارشال وإعلان حقوق الإنسان العالمي إلى شعار يرحب بالمهاجرين الجدد: “أعطيني المتعبين والفقراء”. تلك الأمريكا حل محلها، في أعين الشعوب، أمريكا أخرى تُسلّح وتمكن الإبادة الجماعية، وتضع حق النقض في وجه قرارات وقف إطلاق النار بينما يتضور الأطفال جوعاً، وترسل أبناءها وبناتها للقتال في حروب حتى لا يضطر النظام الصهيوني إلى ذلك. مجرم حرب متهم أمام المحكمة الجنائية الدولية يجلس بالتساوي مع الرئيس الأمريكي في غرفة الأزمات في البيت الأبيض ليُدبِّر مغامرته الحربية التالية. والنتيجة: نتنياهو نال حربه الجديدة، وأمريكا هي من دفع ثمنها.
الكونغرس الأمريكي الذي يعجز عن إيجاد المصادر لتمويل وجبات الغداء المدرسية لأطفال أمريكا، ويقلّص تغطية دافعي الضرائب الصحية، لكنه في نفس الوقت، يكتب شيكات مفتوحة لحروب دولة الاحتلال دون تردد ودون نقاش صريح واحد. الضريبة الإضافية الصهيونية حقيقة واقعة، لها تاريخ وثمن وعنوان أخلاقي. ومع ذلك تبقى من أشد الموضوعات تحريماً في الخطاب السياسي الأمريكي.
لعقود، اقترض المشرعون المال في أمريكا لتمويل الرعاية الصحية الشاملة والجامعات المجانية في دولة الاحتلال، مزايا يحرمون منها ناخبيهم من دافعي الضرائب. وما يشعر به الأمريكيون اليوم عند رفوف البقالة ومضخات الوقود ليس مجرد تضخم، إنه ضريبة إضافية صهيونية جديدة تموّل حرباً أخرى في الشرق الأوسط تحت راية “إسرائيل أولاً”.

