العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران ولبنان والممتد إلى فلسطين.. لم يترك آثاره على هذه الأطراف وحدها. ولم يقتصر بنتائجه على منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها المسرح الميداني للحرب. بل امتد إلى باقي أنحاء العالم. خصوصاً مع الارتفاع الجنوني بأسعار النفط والغاز العالمي. وتضرر الملاحة في مضيق هرمز. الذي يعد أهم ممر مائي استراتيجي للطاقة في العالم .
يتضح تأثير هذه الحرب في عدد من السياسات الطارئة التي تجلّت في أنحاء العالم. والتي يتوقع لها أن تتطور وتتفاقم ما دامت هذه الحرب الاستعمارية قائمة. وكما تتفاوت المواقف العالمية تجاهها. كذلك تفاوتت مواقف الدول الغربية والعربية. حسب مصالح تلك الدول واعتباراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمواقف داخلها تجاه الحرب !..
• أسعار الطاقة وتكاليف النقل:
أدت الحرب إلى اضطراب أسواق النفط والغاز وارتفاع أسعارها عالمياً إلى معدل قياسي. إذ ارتفع سعر خام برنت من " 73" دولاراً للبرميل في شباط 2026. أي مع بدء العدوان الصهيوأمريكي الحالي، فوصل إلى "120 " دولاراً للبرميل خلال شهر نيسان 2026. وهو أعلى مستوى له منذ حزيران 2022. وأعلى معدل لارتفاعه منذ أيلول 1991 إبان حرب الخليج الثانية !..
ولهذا الارتفاع في أسعار الطاقة وجهان.. الأول: يمثل مكسباً على المدى القريب للدول المعتمدة على تصدير البترول والغاز. وهي تضم دولاً على غرار "مجموعة أوبك"، بينما يؤثر الثاني: سلباً على الدول المستوردة والصافية للغاز والنفط. ولا سيما تلك التي لا تستطيع الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية لتخفيف حدّة الصدمة- الأزمة-. وهي غالبية دول العالم، فارتفاع أسعار الطاقة يترجم سريعاً إلى ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة أسعار المواد الغذائية والطبية والسلع الضرورية، وتضخّم عام.. ويحذر الاقتصاديون من أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيزعزع استقرار العملات ويعمق أزمة تكاليف المعيشة في معظم دول العالم !.
ويعد مضيق هرمز وباب المندب أهم ممرين مائيين يربطان بين بحر العرب والمحيط الهندي بالبحر المتوسط. وبالتالي هما نقطتا توتر حاسمة. فالاضطرابات في أحدهم قد تؤثر على طرق التجارة التي تربط آسيا وأفريقيا و أوروبا والشرق الأوسط. ولدرء المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بهما، تدرس شركات الشحن بالفعل مسارات أطول وأكثر تكلفة حول جنوب أفريقيا.. وعلى الرغم من أن هذا قد يقلل من المخاطر الأمنية المباشرة على السفن، فإنه يرفع تكاليف النقل عالمياً، مما يزيد من التضخم والضغوط الاقتصادية على الدول التي تعتمد على الاستيراد، وتكافح للتعافي من صدمات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية وأزمات المناخ والديون، فتأتي الحرب الأخيرة ضربة إضافية أخرى !..
لم يتوقف النزيف عند حدود الأسواق المالية. بل امتد ليشمل قطاع الطيران والسياحة، فالعديد من الخطوط الجوية العالمية اضطرت إلى إلغاء " 50% " من رحلاتها، متكبدة خسائر يومية تقدر بمئات الملايين من الدولارات نتيجة تحويل المسارات الجوية ..
• آفاق الحرب إلى أين؟
مع هدنة الأسبوعين التي أعلنها الرئيس الأمريكي ترامب يوم 7/4/2026 يصبح مسار توقف الحرب وصمود الشعب الإيراني وتماسك وحدته القومية، هو مرجّح، وذلك وفقاً للمعطيات التالية:
- - غياب استراتيجية واضحة للجانب الأمريكي من الحرب، فتناقض تصريحات الرئيس ترامب بشأن تحقيق أهداف الحرب، والتراجع الأمريكي عن إسقاط النظام الإيراني، والتراجع المماثل عن هدف فتح مضيق هرمز أمام الملاحة بالقوة، ثم العودة لحصاره، وربط انتهاء الحرب به، وهو ما يعكس تخبطاً لدى الإدارة الأمريكية !..
2- الإخفاق الصهيوأمريكي عن تحقيق مجمل أهداف العدوان على إيران. إضافة إلى امتداد طول الحرب إلى ما يتجاوز الزمن الذي حددته واشنطن وتل أبيب بأكثر من أربعة أضعاف. وهو ما يضعف الموقف الأمريكي– الصهيوني، في مقابل تعزيز وتماسك الموقف الإيراني، وقد يكون من نتائج الحرب زيادة إيمان وقناعة الشعب الإيراني بضرورة امتلاك أسلحة ردع فتاكة– مثل السلاح النووي– في مواجهة القوى المعادية والغاشمة. وهو ما يصب في صالح شرعية النظام الإيراني والتفاف الشعب حوله في نهاية المطاف !..
3- تصاعد دور المعارضة للحرب رسمياً وشعبياً على الصعيد الدولي وداخل الولايات المتحدة خصوصاً، وانخفاض شعبية الرئيس ترامب، وتوجيه الإدانات له داخل قاعدته الانتخابية واتهامه بالنكوث عن وعوده الانتخابية بتجنب الحروب الخارجية !..
4- عجز الولايات المتحدة عن تشكيل تحالف دولي داعم للحرب على إيران، مثلما حدث في الأعوام 1991 – 2003 أثناء الحرب على العراق، وإعلان دول أوروبية مؤثرة في حلف الناتو، مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا وبلجيكا وغيرها.. مواقف صريحة رافضة للحرب، في الوقت الذي تعزز فيه إيران من تحالفاتها الإقليمية والدولية. وتكرس فرضية "وحدة الساحات" في الشرق الأوسط ..
5- الضغوط المتزايدة على الاقتصاد العالمي، وعلى سلاسل توريد الطاقة العالمية، والخسائر الكبيرة التي لحقت بالاقتصادات العالمية، مع تعرض البنية البترولية الخليجية للاستهداف ..
6- غموض المواقف العربية تجاه الحرب، واختلاف الخطاب لدى الدول العربية الرئيسية.. الأمر الذي أضعف الموقف العربي تجاه الولايات المتحدة وحليفتها "إسرائيل" في الوقت نفسه !..
مع ذلك، فإن مسار استمرار الحرب يحظى بفرص لا بأس بها، في ظل التمسك بالهيمنة على المنطقة وتطويعها، في مقابل إرادة إيرانية قادرة على الصمود واستنزاف العدو الصهيوني والأمريكي على المدى الطويل !.
• واسطة إسلام آباد:
في حال تم التوصل لاتفاق من المفترض نظرياً أن تخف الآثار والأعباء الاقتصادية التي ألمّت بالعالم، خصوصاً مع التراجع المتوقع لأسعار النفط والغاز في هذه الحالة، وسيكون على المجتمع الدولي الذي يسعى لاحتواء آثار التضخم الناتج عن الحرب أن يعالج ما أصاب ميزانيات الدول من عجز، وانخفاض قيمة عملاتها.. وإذا حدث وتم التوافق على فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز، فإن على دول العالم، أن تتكيف مع الرسوم الإضافية الناجمة عن ذلك !..
أما في حال فشل التفاوض، فمن الممكن امتداد ميدان الحرب إلى القارة الأفريقية بعد قرار أنصار الله "الحوثيون" في اليمن المتحالفون مع إيران ويشرفون على مضيق باب المندب، وهو من الممرات الملاحية المهمة التي تطل عليها القارة الآسيوية والأفريقية خصوصاً في إقليمها الشرقي، الذي يمكن معه التوسع التدريجي في ديناميات الأمن التي تربط القرن الأفريقي والبحر الأحمر والمتوسط وغرب أفريقيا، مع احتمال دخول جهات فاعلة مثل روسيا والصين. ويؤشر تلويح إيران باستخدام ورقة باب المندب، في أعقاب تعاظم التوترات حول مضيق هرمز، إلى احتمال اتساع رقعة الحرب لتشمل صراعاً بحرياً آخر في البحر الأحمر، مع مرور ما يقارب "عشر التجارة العالمية" عبر هذا الممر المائي الحيوي. ومع قدرة حلفاء إيران –كأنصار الله– على استهداف السفن المعادية، فلم يعد الخطر محصوراً في مضيق هرمز والخليج، وربما تسعى إيران لفتح جبهة ثانية في البحر الأحمر، من أجل تشتيت انتباه القوات المعتدية الأمريكية والإسرائيلية. وقد يتحول أنصار الله -الحوثيون– إلى استراتيجية مزدوجة تجمع بين الضغط على باب المندب، والضغط على تدفقات الطاقة !..
• استراتيجياً:
يعتبر خروج النظام الإيراني من الحرب سالماً إنجازاً يؤكد على شرعية هذا النظام. ويحسب لصمود الشعب الإيراني وتضحياته، ويزيد من حقه وسعيه لمزيد من التطور والتقدم والاستقلال مستفيداً من الحليفين الروسي والصيني. وسيقوي هذا الإنجاز كافة البنود العشرة للتفاوض بين إيران والإدارة الأمريكية على وقف الحرب. وبالتالي رفع العقوبات الاقتصادية، وعدم تعرّض إيران لحروب جديدة، وإعادة إعمار البنية التحتية والمدن التي دمرها العدوان الصهيوأمريكي.. ووقف الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين.. ومن شأن التوافق على رسوم جديدة على السفن التي تعبر المضيق– كما هو معلن– أن يزيد من الموارد الإيرانية، ويسهم في تكلفة إعادة إعمار ما دمره العدوان الصهيوأمريكي !.

