Menu

هل تعيد دول الخليج العربي النظر في منظومة الحماية الأمريكية؟

مسعود أحمد

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

يعود هذا السؤال، القديم المتجدد، إلى الواجهة مع كل محطة توتر إقليمي كبرى. غير أن العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، وحجم ردّها، أعادا طرحه بحدة ووضوح غير مسبوقين؛ إذ انتقل النقاش من دائرة النخب الثقافية والدوائر الضيقة إلى الفضاء الاجتماعي العام. وتتمحور غالبية الآراء حول ضرورة مراجعة العلاقات الخليجية – الأمريكية وإعادة تعريفها في ضوء اعتبارين رئيسين: الأول يتمثل في سقوط أوهام الحماية، التي تعززت مع انكشاف حدود القدرة الدفاعية الأمريكية في هذه المواجهة. أما الثاني، فيستمد مشروعيته من الموقف الوطني التاريخي من الوجود الأجنبي، ودوره، وأيديولوجيته، وطابعه الاستعماري. ومع ذلك، يبقى هذا الوجود، وما يتفرع عنه من مشاريع سياسية واقتصادية، مرفوضًا من قبل قطاعات واسعة من الجماهير، التي تربط بشكل جدلي بين تفاقم أزماتها الاجتماعية والاقتصادية وبين السياسات المرتبطة بالرأسمالية العالمية المعادية لتطلعاتها في الحرية والاستقلال. وقد شكل هذا العنوان، تاريخيًا، محور نضالات الحركات الوطنية الديمقراطية والثورية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ورغم تراجع أدوار تلك الحركات، فإنها رسخت تقاليد وطنية معارضة للوجود الاستعماري، سواء كان مباشرًا أم مقنعًا. وانطلاقًا من ذلك، يمكن استشراف آفاق وحدود مواقف الأنظمة الخليجية في ضوء التطورات الراهنة، وهو ما يستدعي التوقف عند عاملين رئيسين: العامل الأول يتمثل في طبيعة تكوين هذه الأنظمة وحدود المراجعة التي يمكن أن تفضي إليها، وهو ما يتطلب قراءة نشأتها وبنيتها الأيديولوجية والطبقية والسياسية، وغيرها من المحددات التي ترسم موقعها في خارطة الصراع العالمي بأبعاده الاستراتيجية الشاملة. أما العامل الثاني، فيتعلق بكون هذه الأنظمة هي نتاج تاريخ طويل من الصراعات القبلية والمناطقية، ما أفضى إلى ترسيخ نمط الحكم الأسري. وقد أسهم هذا التكوين، بما يحمله من خصوصيات، في دفعها نحو التحالف مع القوى الإمبريالية الغربية، التي سعت بدورها إلى توطيد نفوذها عبر إشراك فئات اجتماعية محافظة لم تتأثر كثيرًا بموجات التحرر الوطني. وفي سياق هذا التحالف، وارتباطًا بمتطلبات التحديث والتأسيس لنمط الإنتاج الرأسمالي، تبلورت فئات برجوازية كمبرادورية وطفيلية ارتبط نشوؤها الموضوعي بدورها كوكيل محلي لرأس المال الاحتكاري العالمي. ومع استمرار هيمنة البنى الاجتماعية التقليدية القائمة على روابط القرابة والعصبية، أفرزت أنماطاً إنتاجية مركبة تجمع بين الأشكال ما قبل الرأسمالية وآليات السوق الرأسمالي، ما أتاح لهذه الفئات توسيع نفوذها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وبما أن معظم مؤسسات هذه الأنظمة لم تتشكل في سياق وطني مستقل، بل نشأت عبر سلسلة من السياقات والتحولات المتعاقبة تحت إشراف الدوائر الإمبريالية الغربية، التي تولت تدريبها وتسليحها وصياغة عقيدتها الفكرية والعسكرية والأمنية، فقد استدعى ذلك توسيع هذا الائتلاف ليشمل شرائح ثقافية وتكنوقراطية، الأمر الذي أسس لنشوء شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية، بل وحتى الذهنية، واندماجها ضمن كتلة طبقية رجعية شكلت سندًا داخليًا للتبعية السياسية والاقتصادية والفكرية والانحرافات الوطنية. ونظرًا لتداخل هذه الارتباطات، باتت هذه الأنظمة تمتلك أدوات ومقاربات متعددة، ما يجعل من الصعب تصور انفكاكها عن شبكة مصالحها ودورها التبعي في المنظومة الرأسمالية العالمية دون فعل جماهيري منظم ضمن إطار وطني عريض يفرض عليها خيارات مختلفة. وحيث أن هذا التحالف اليميني الرجعي يخشى من الجماهير أكثر من خشيته من القوى الخارجية، فإنه لا يجرؤ على طرح الأسئلة الجوهرية أو الإجابة عنها. ومن هنا يمكن الاستنتاج أن إعادة النظر في طبيعة تحالفاته- رغم اهتزاز صورته داخليًا وخارجيًا- لا تبدو مطروحة بجدية في الوقت الراهن. ومع ذلك، يظل هذا المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة، تبقى رهينة بعوامل ذاتية وموضوعية قد تعيد تشكيل التوازنات والتحالفات الداخلية والإقليمية. وفي هذا السياق، قد تجد الأنظمة الخليجية نفسها أمام خيارين رئيسين: إما تعزيز المنظومة العربية وإحياء صيغ العمل المشترك التي لعبت دورًا رئيسيًا في إضعافها، أو البحث عن قوى إقليمية أو دولية بديلة لضمان مصالحها، وربما وجودها. غير أن الخيار الثاني يبدو، وفق المعطيات الحالية، أكثر ترجيحًا، وأقرب إلى طبيعة تركيبتها السياسية والنفسية. وانطلاقًا من هذين السيناريوهين، فإن المراهنة على إعادة النظر في منظومة الحماية الأمريكية من تلقاء ذاتها تظل محدودة على المدى القريب. بل إن التهديدات الأمنية والاقتصادية- سواء عبر استهداف المنشآت الحيوية أو إغلاق الممرات الاستراتيجية، وما يترتب على ذلك من خسائر مادية ومعنوية، قد تدفعها إلى استدعاء خطاب وطني ديماغوجي يجنبها المساءلة الداخلية من جهة، ويبرر خياراتها المتماهية مع القوى الإمبريالية الكولونيالية من جهة أخرى. ورغم أن التطورات الأخيرة أسهمت جزئيًا في إعادة تشكيل اتجاهات الرأي العام، وأظهرت تنوعًا أكبر في القراءات السياسية، فإن أثر هذه التحولات يبقى محدودًا في ظل غياب أطر سياسية فاعلة قادرة على ترجمة المزاج العام إلى سياسات ملموسة، رغم تصاعد الانتقادات الشعبية والتمايز الملحوظ في المقاربات السياسية على المستوى الرسمي. في المحصلة، تبدو منظومة الحماية الأمريكية في الخليج مرشحة للاستمرار في المستقبل المنظور، مع احتمال إدخال تعديلات تدريجية عليها، دون أن تصل إلى حد القطيعة مع التحالفات القائمة، بل ربما إعادة صياغتها بما يحقق توازنًا أدق مع التحولات الإقليمية والدولية.