Menu

ماذا نريد ؟

محمد أبو شريفة

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

 

لم يشهد التاريخ العربي حتى في أحلك مراحله، هذا القدر من الاصطفافات التي نراها اليوم. والحال أننا بتنا نعيش مرحلة دقيقة تتجاوز مفهوم الأزمة السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، لتقرع جدران الخزان وتهدد مفهوم كينونة الدولة والمجتمع. فالواقع الحالي ونتائجه فيما بعد لن يكون مرحلة عادية، بل مرحلة مليئة بالتحديات. وما بين الواقع والنتائج يبرز سؤال الاصطفاف كشاهد على مرحلة استثنائية من تاريخ العقل السياسي العربي الذي يفترض به أن يكون حبل النجاة، فإذا به يلتف حول الرقاب ويعجز عن تقديم مقاربة منطقية لما يجري من تحولات خطيرة في المنطقة. وبدل أن يهدئ النفوس أصبح في كثير من الأحيان منصة للإصطفافات وأداة لنشر التوتر وتعميق الانقسام.

هل أنت مع أميركا وإسرائيل أم مع إيران؟ سؤال تردد ملايين المرات منذ 28 شباط الماضي في نقاشات ومقابلات سياسية لا تعد ولا تحصى ولاحظنا استقطابا حادا يحصر النقاش في المفاضلة بين الطرفين وكأن لا ثالث لهما، وحشر المنطقة العربية بالانحياز إلى أحدهما وتاليا رهن مستقبلها بنتائج ما بعد الحرب. هذه الرؤية بحد ذاتها تعكس أزمة الوعي العربي والتي تتمثل في غياب مشروع عربي واضح قادر على حماية المصالح العربية بعيدا عن الاستقطاب الحاد والانقسام وضعف القدرة على اتخاذ موقف مستقل.

لا شك بأن ثمة استراتيجيات حرب مفتوحة وإيديولوجيات متناحرة ومشاريع توسّع وهيمنة تتصارع في المنطقة، و حضورها وتأثيرها في عدد من الدول العربية ولا يخفى على أحد وتشير إلى أنها لم تُحسم بعد إلا أن السؤال : ماذا نريد نحن ؟ وماذا أعددنا من خطط وبرامج شاملة لمرحلة ما بعد الحرب، تجمع بين البعد السياسي والاقتصادي من جهة وبين البعد الاجتماعي والثقافي المؤسساتي من جهة أخرى بالإضافة إلى البعد الأمني والعسكري الوطني؟ وأين موقفنا العروبي الذي من المفترض أن يتمتع برؤية عربية جامعة لحماية الأمن القومي؟ لذلك يجب أن نكون على مستوى الجاهزية تاريخيا واستراتيجيا من خلال خلق برامج و أدوات تنفيذ حقيقية لهذه الرؤية.

إن القلق من هذه المشاريع لا يبرر الانقسام والاصطفاف الحاصل اليوم بل يجب أن يحفّز مفاعيل الوعي لدى أبناء الأمة الواحدة والذي يفضي إلى بناء جبهة عربية قوية ذاتية تقوم على التكامل، وتوحيد الجهود، ضمن إطار قومي مؤسساتي يحترم العقل العربي والسيادة ويكون حائلا دون التدخلات الخارجية. والذي بالضرورة يستبق الفراغ الذي قد يلي توقف الأعمال العسكرية، لأن أخطر ما بعد الحرب ليس فقط عدم الاستقرار الاقتصادي، بل كيفية إعادة جمع الأمة حول مفهوم استقلالها وانتماءها وبناء الثقة بالدفاع عن قضاياها المركزية وبالقلب منها القضية الفلسطينية.

في الواقع، لا ينبغي للعقل العربي أن يخضع لدوّامة الخيار القسري بين إيران وأميركا وإسرائيل، بل بين الضعف والتبعية من جهة، وبين بناء مشروع عربي مستقل من جهة أخرى. فالأمة التي لا تمتلك مشروعها القومي والوطني الخاص بها، تجد نفسها أداة تابعة تتقاذفها مشاريع الآخرين.