الحروب عادةً هي شكل من أشكال السياسة الحادة، وتندلع عندما تفقد الطرق القانونية والوسائل السياسية دورها ووظيفتها. ولكن في العدوان الثنائي الصهيوني على إيران ولبنان، استُخدمت الطرق القانونية والوسائل السياسية للمرة الثانية كتمويه لشن العدوان الإجرامي الهمجي على دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة.
العدوان ترافق مع هجمة ممنهجة تحمل أبعاداً إيديولوجية دينية توراتية، لصبغ مشروعية دينية إلهية، في استحضار للهلوسات التوراتية في استعراض ديني داخل البيت الأبيض، لتقديم ترامب على أنه المختار لهذه المهمة.
ترافقت هذه الهلوسات بالضخ السياسي حول الخطر الكاذب حول النووي الإيراني، بتناغم إقليمي ومحلي، باستحضار النفخ في الخلاف المذهبي والطائفي، واستخدام عبارات سياسية حول حماية العروبة والسيادة، وخطر التمدد الإيراني، وحكم ولاية الفقيه (الملالي)، وغيرها من مصطلحات نضحت بها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت مفتوحة ومعززة من قبل إداراتها المختلفة، التي تتحكم بخيوطها مجموعة جيفري إبستين وملحقاتها الإقليمية والمحلية.
الجدير بالذكر أن هذه المحطات والوسائل، وعلى مدار العدوان على غزة، كانت قد نضحت بالتحريض على المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، واتهامه بأنه هو من جلب الخراب والدمار ل غزة والضفة والمنطقة.
طيلة العدوان الذي ما زال يحصد الأرواح في غزة والضفة، لم نسمع من هذه الفضائيات والمواقع شيئاً عن العروبة والسيادة والأمن القومي العربي، بل كانت تحرم غزة من الماء والدواء والغذاء، في الوقت التي كانت تسير فيه القوافل الغذائية إلى إسرائيل العدوانية الإحلالية. في الواقع، فإن بالوعة هذه المصطلحات قد استنفدت صلاحياتها، خاصة بعد ما جرى في ليبيا وسورية من انقلاب للمشهد، حيث أصبحت رائحتها تفوح ليكتشف الإنسان العادي أنها موظفة لتغطية دورها في تفكيك وإعادة تركيب المشهد السياسي، وضمان استمرار العدوان الصهيوني الأمريكي على شعوب المنطقة، بكل ألوانها الفكرية والدينية والسياسية والثقافية المناهضة التي تسعى للسيادة والتحرر من عدوانيتها، والتخلص من ملحقاتها الإقليمية والمحلية.
من الواضح أن المركز المقرر للصهيونية يريد أن يستثمر في ترامب وإدارته إلى أبعد ما يمكنه تحقيقه في المنطقة والعالم، في محاولة لتصفية كل المواقع التي تدافع عن الحق الفلسطيني ومشروعيته السياسية والحقوقية.
الملاحظ أن ترامب وإدارته عملوا على إعلان حرب مفتوحة على الدول والأنظمة والمؤسسات الدولية التي تعلن موقفاً مسانداً للحق الفلسطيني، وتمارس الضغوط السياسية والاقتصادية والمالية والثقافية، حتى أنها طالت أفراداً في منظمات دولية استندوا إلى القانون الدولي في مواقفهم من الإبادة الإسرائيلية الصهيونية على الشعب الفلسطيني.
هذه الحرب المعلنة اتسمت بسمة أيديولوجية صهيونية معلنة، تعمل على تبرير عمليات القتل الجماعي وتدمير البنى التحتية المدنية والاقتصادية، بل وصلت إلى التهديد بضربات تنهي الحياة الإنسانية والحضارية للشعوب.
وأُطلقت عملية جمعية تحت مسمى قطع الرؤوس، التي تهدف إلى تصفية رأس النظم والدول والتنظيمات المقاومة، مترافقة بسياسة جز العشب التي مارستها في غزة ولبنان وإيران. الدولة الإيرانية ونظامها الذي تعتبره المنظومة الرأسمالية الصهيونية، وتعبيرها الأبرز إسرائيل الصهيونية، يشكل خطراً داهماً ودائماً على وجودها، لأسباب سياسية وثقافية ودينية واقتصادية وعسكرية، وتعتبر أن استمرار وجودها يشكل عامل تحدٍ لإمكانية استمرار إسرائيل الصهيونية الإحلالية.
وهذا يطرح سؤالاً: لماذا يشكل النظام الإيراني تهديداً داهماً دائماً على إسرائيل الصهيونية الإحلالية؟
السبب الجوهري أن النظام الإيراني الذي عموده الفقري يستند على فكرة المظلومية وضرورة رفعها.
هذا المفهوم يحمل بعداً إنسانياً عادلاً، يتقاطع مع كل الاتجاهات السياسية المناهضة للاستغلال الرأسمالي الصهيوني. أما بعده الديني فإنه يتناقض مع الجوهر الإجرامي للفكرة التوراتية، التي تقوم على أساس التفوق الديني والأفضلية للفكرة التوراتية على مثيلاتها الإسلامية والمسيحية وغيرها.
جوهر فكرة المظلومية الإسلامية يكشف الفساد الأخلاقي للفكرة التوراتية التي تبرر القتل والتدمير والإبادة والسرقة، وتضعها في تناقض مع جوهر الفكرة الدينية، وتؤشر إلى أن الله لا يمكن أن يكون ظالماً، بل مع المظلومين. هذا جوهر التناقض الذي يحكم الصراع، وينعكس في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلوم الاجتماعية.
ويكشف أن الليبرالية الرأسمالية ما هي إلا واجهة لتجميل الاستغلال الرأسمالي الصهيوني. الليبرالية الرأسمالية الصهيونية التي شكلت غطاءً تاريخياً للممارسات الصهيونية الإجرامية على مدى أكثر من ٧٥ عاماً في فلسطين، والآن تعلن عن عدوانيتها ضد كل شعوب المنطقة التي تقف مع كل شعوب العالم في مجابهة العدوانية الصهيونية وداعميها، وأصبحت المعادلة بين إسرائيل الصهيونية وداعميها من جهة، وشعوب العالم والأنظمة المناصرة للعدالة الإنسانية من جهة أخرى.
فكرة المظلومية الإسلامية تتعارض مع الاتجاه السياسي السائد في نظم الحكم في المنطقة، والتي تعلن عن إسلاميتها، ولكن في ذات الوقت تتحالف مع الفكرة التوراتية العدوانية وتعطيها مشروعية سياسية تحت مبررات سياسية مختلف عليها بين الشعوب والحكام.
لذلك، تفسر كل هذه الحملات على النظام في إيران و اليمن والمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، التي ترى الإسلام من منظار فكرة المظلومية التي تتناقض مع الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتبعية للمنظومة الرأسمالية الصهيونية.
لهذا، ترى إسرائيل الصهيونية العدوانية أن القضاء النهائي على النظام الإيراني هي المهمة الرئيسية لها، وهي تستثمر في رئاسة ترامب وإدارته التي تخضع بالكامل لسياستها وتغطي جرائمها، وتمارس ضغوطاً هائلة على نظم المنطقة من أجل أن تشارك إسرائيل في عدوانها الشامل على إيران والمقاومة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق.
هذه النظم التي ترى أن الخطر الإيراني عليها وعلى استمرارها هو الداهم، لأن فكرة المظلومية تتعارض مع كل ما تشكله من إسلام سياسي يُمارس لإخضاع شعوبها واستمرار الاستغلال والظلم والتبعية.
لكل هذا، فإن أي تفكير بأي سلام بين إيران والمقاومة وفكرها وممارساتها يمكن أن يتم مع الرأسمالية الصهيونية وتوابعها هو وهم. التناقض بين الفكرتين تناقض تناحري لا يمكن أن يزول إلا بزوال أحد طرفي التناقض. وأي هدوء نسبي يحسب بمدى تحقيق كل طرف مزيداً من النقاط، وكل صمود لإيران واليمن والمقاومة هو نقطة لصالحها، في سياق المعركة المستمرة في كافة أشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية.

