من نافل القول إننا لا نضيف بهذا العنوان صفحة جديدة إلى التاريخ الأسود لرئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، ولا إلى تاريخ رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، فالاثنان اكتسبا شهرة واسعة على امتداد العالم، لم يسبق أن كسبها شخصٌ آخر عبر تاريخ البشرية.
لقد تجاوز نتنياهو كلاً من هتلر وموسوليني بعدوانيته ونازيته وفاشيته وإجرامه، وكذلك الأمر مع ترامب ودكتاتوريته وامبرياليته واستعماريته وسطوته وبلطجته وعنجهيته. فكان كلُّ واحد منهما مكملاً للآخر في ميادين العدوانية والإجرام، وقد عرفتهما ساحات قطاع غزة ولبنان وسورية و العراق قبل إيران ودول الخليج العربي.
إن صفة العدوانية والإجرام وملاحقها تنطبق تماماً بلا تأويل ولا تفسير على نتنياهو وأركان حكمه؛ فقد شهد على ذلك سيناريو الحرب المتكررة التي شهدتها غزة وانتقلت إلى لبنان، ومن ثم إلى إيران، ومن قبلها في سورية والعراق. هذه العدوانية والفاشية والنازية تجسدت تحديداً في قطاع غزة، خلال حرب السنتين ونصف الإجرامية، حيث اتت على كل جوانب الحياة فقتلت البشر بشتى أنواع الإبادة، ودمرت البنى التحتية، واستُهدفت المشافي والمدارس والجامعات ودور العبادة وخيام النازحين بهدف التهجير، ولم يسلم الأطفال والنساء وكبار السن من الإعدام بدمٍ بارد، وطالت عمليات الاغتيال الصحفيين والأكاديميين والعلماء والقادة السياسيين.
لا زالت هذه العدوانية المتطرفة، المستلهمة من فكر جابوتنسكي المعلم الروحي لنتنياهو والذي يدعو الى استخدام القوة لإخضاع الآخرين، متواصلة وبوتائر وأشكال مختلفة برغم وقف إطلاق النار، فالحصار والعدوان لا زالا متواصلان على قطاع غزة وتُمنع المساعدات من الدخول. وفي الضفة الغربية ازدادت هناك عمليات النسف والتدمير للممتلكات الفلسطينية على يد جيش الاحتلال جنباً إلى جنب مع قطعان المستوطنين، وشهدت مناطق الضفة عمليات القتل العمد للأطفال ومطاردة المقاومين واعتقال الشبان. وتصاعدت في الآونة الأخيرة مصادرة الأراضي بهدف توسيع الاستيطان، ناهيك عن إغلاق المسجد الأقصى، والكنائس في القدس لأكثر من 40 يوما، ومنع الاحتفالات الدينية. وتُوّجت هذه العدوانية الفاشية بإقرار الكنيست الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى الجائر، ورفض هدنة وقف إطلاق النار في لبنان.
وحول امتداد وتوسع عدوانية نتنياهو إلى إيران، فإن الكاتب الصهيوني مئير سويسا عبّر عن ذلك فيما كتبه في صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية قائلاً : "إن تصدع القوة العسكرية لإيران يجعلنا نشاهد على المباشر تشكيلاً جديداً للشرق الأوسط" ؛ وهذا يعني أن المطلوب أولاً رأس ايران، و فيما بعد تأتي الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على المنطقة ،والسيطرة على ثرواتها والتحكّم بمقدراتها ؛ تحقيقا لحلم "إسرائيل الكبرى" التي طالما تحدث عنه نتنياهو. هذه العدوانية الإجرامية التي تشكل أول صفات الأيدولوجيا الصهيونية المتطرفة إضافةً إلى التوسعية والعنصرية وجدت في سياسة ومصالح الرئيس ترامب سبيلاً لها لتحقيق مخططاتها.
وعلى الجانب الآخر، إن صفة التهوّر، التي حاز عليها الرئيس ترامب في هذا السياق، تحتاج إلى وقفة. فهل يُعقل أن رئيساً بحجم الولايات المتحدة يمكن أن يكون متهوراً إلى هذا الحد. في واقع الأمر، إن تهوّر ترامب في سياسة لا تخدم بلاده لا يُعتبر تهوراً سياسياً ولا شخصياً، بل هو تعبيرٌ عن سياسةٍ ممنهجةٍ تخدم تطلعاته، الإمبريالية الاستعمارية والاستثمارية. ويمثّل خضوعا لحلفائه الصهاينة، ووقوعه تحت ابتزاز أبستين غيت ، التي وثقت تورطه بجرائم الاغتصاب والقتل ،إلى جانب زعماء آخرين، بآلاف الوثائق. إلّا أنه يُعتبر تهوراً من حيث النتائج وعدم قدرة هذا الرئيس على تحديد مخرجات نتائج حربه ضد إيران، بل حتى على حلفائه ممن رصد لهم عشرات القواعد العسكرية المجهزة بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية ؛ مُدّعياً قدرته على حمايتهم، ومواجهة أي خطر قادم من الشرق ، هؤلاء الذين بدأت تساورهم شكوك بهذا، سيما أنه يُنظر إليهم من بوابة مصالح "إسرائيل". وبحسب الكثير من المحللين والمراقبين والسياسيين، فإن مخرجات نتائج هذه الحرب المتهورة كانت كارثية؛ إذ خسرت الإدارة الأمريكية على يد رئيسها ترامب العديد من الأوراق، فخسرت أولاً ورقة الحرب؛ التي هدفت في بداياتها إلى تدمير القدرات النووية والصواريخ البالستية و إسقاط النظام الإيراني، وخسرت مكانتها العالمية كقوة عظمى، لم تستطع أن تواجه دولة من "دول العالم الثالث". وأفدح خسارة كانت خسارة الجمهور الأميركي الذي عانى من وطأة هذه الحرب اقتصادياً ومعنوياً، هذا الجمهور الذي لن يُصوّت للجمهوريين بعد الآن، ولا لترامب في الانتخابات النصفية المقبلة. ناهيك عن الخسائر بمليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي من خلال ارتفاع كلفة الحرب، وارتفاع أسعار الطاقة، والتسبب بأزمة عالمية للطاقة؛ وبالتالي اللجوء إلى الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي. وهناك خسارة سياسية ايضا، تتمثّل بإعادة التموضع الأوروبي في مواجهة سياسات ترامب المتهورة والقاصرة في رؤيتها وأهدافها، إذ لا يريد الأوروبيون تعريض مصالحهم للخطر بالانجرار إلى حربٍ ليست لها أهداف وليس لها جدولة زمنية، وليست ذات شرعية دولية، ولا تفويض دولي؛ ما يعني أنها عدوان على دولة ذات سيادة. ولقد عبر عن هذا الموقف أكثر من مسؤول أوروبي وآسيوي، وكان أبرزهم ما قاله المستشار الألماني " لن نشارك في هذه الحرب، ويجب إنهاؤها سريعاً". وما قاله وزير خارجية اليابان عقب سعي ترامب إلى تشكيل تحالف دولي بهدف فتح مضيق هرمز وتضييق الخناق على القيادة الإيرانية: " لا ننوي القيام بعملية بحرية بشأن مضيق هرمز".
ولا ننسى في هذا السياق خسارة السمعة التي لحقت بصناعة الأسلحة الأميركية الاستراتيجية من صواريخ وطائرات وأجهزة تشويش ورصد ومراقبة، والتي سقطت فاعليتها وتفوقها، كما كان مُصوّر لها؛ ما يعني تراجع أسعار مبيعات الأسلحة، وبروز منافسين لها في سوق السلاح العالمي. وإمعاناً في تهوره، أطلق ترامب حملة "الغضب الاقتصادي" بعد أن فشل في حملته العسكرية التي أسماها "الغضب الملحمي الإلهي"، وذلك من خلال فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية بقصد الضغط على إيران بفتح مضيق هرمز- الذي أصبح تحت سيادة إيران وتحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني مباشرةً- وحرمان إيران من عائدات الطاقة التي تبلغ 450 مليون دولار يومياً بهدف التأثير على الداخل الإيراني، وإحداث انقسامات في المجتمع والقيادة الإيرانية عبر زيادة معدلات التضخم.
وبالعودة إلى تصريحات ترامب الصاعدة والنازلة ، نجد أن ترامب يُهذي بما يرغب به ؛ فهو رغائبي التطلعات، من خلال إطلاقه تصريحات لا أساس لها، وكأنه يُحدّث نفسه على خشبة مسرح أمام جمهور المشاهدين (مونولوج داخلي)، فهو يحاول التمسك بأحلامه الاستثمارية الاستعمارية، وكأنه مفصوم عن الواقع ، كما وصفه أحد النواب في الكونغرس الأمريكي، فوقع في شباك تهوّره وعنجهيته بعد نجاح نتنياهو بجره إلى هذه الحرب غير المحسوبة النتائج ، فبات يبحث عن خشبة خلاصٍ أوروبية تارة وباكستانية تارة أخرى تخرجه من هذه الحرب غير مهزوم ؛ وذلك عبر التوصل إلى اتفاق وسط مع القيادة الايرانية يعيد للأذهان، الاتفاق النووي الذي كان قد ألغاه في ولايته الأولى. لقد صعد ترامب إلى ما يطمح إليه دون حسابات لليوم التالي، ولكنه لم يستطع، ولن يستطع النزول عن شجرة أهدافه المستحيلة التي جُوبهت من الجانب الإيراني برفضٍ مطلق. إنها العدوانية الترامبية، التي تظهر من خلال سياسة القوة والعسكرة والعصا دون الجزرة، "سلام القوة" التي يستحضرها ترامب على طاولة المفاوضات لإخضاع الخصم، والتي يسبقها عادةً بتصريحاتٍ وتهديداتٍ أشد عدوانية.
من جهةٍ أخرى، لم تعرف عدوانية ترامب جغرافيا أو ديموغرافيا محددة؛ بل ظهر ذلك من خلال دعمه اللا مشروط واللا محدود لدولة الكيان عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً، ومن خلال خرق إدارته المستمر للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول كاعتقال رئيس دولة ذات سيادة، واعتدائها على إيران بحرب متهورة. وتهديد الجيران الحلفاء، وهناك أيضاً فرض الرسوم التجارية والعقوبات على العديد من الدول بما فيها الحلفاء. ناهيك عن النظرة التوسعية الاستثمارية، في غرينلاند، وبنما وغزة، واستغلال الحرب في أوكرانيا، واليوم في مضيق هرمز؛ بطرحه الشراكة مع إيران بفرض رسوم العبور.
إن هذه العدوانية التوأم بين نتنياهو وترامب ستجر العالم إلى نهاياتٍ غير متوقعة؛ من شأنها أن تضع المنطقة برمتها على حافة الهاوية، وتهدد السلام العالمي بعدما برزت اصطفافاتٍ وتحالفاتٍ جديدة.
إن إيقاف عدوانية كلاً من نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية، وترامب المتهور لا تتم إلّا بمزيدٍ من المواجهة والمقاومة والثبات، وبتضافر الجهود الدولية باتخاذ موقفٍ موحد يضمن التوصل الى حلٍ عادلٍ لكل المشاكل العالقة، و صياغة العلاقات بين الدول على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وضمان حقوق الدول في سيادتها على مواردها، وحريتها بالنماء والتطور، وهذا لن يتم إلا بلجم المشروع الصهيوني التوسعي العدواني النتنياهوي، وانكفاء المشروع الاستعماري الاستثماري الترامبي بكافة السبل.

