Menu

بوصلة العدالة الدولية.. فلسطين (أنموذجا)

د. محمد عياش

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

يبدو المشهد الدولي في متغيراته الراهنة، ومساقاته وما تظهر عليه بعض التطورات من مفاجآت كادت في الماضي مستحيلاً وضربًا من ضروب الخيال وأحلام اليقظة.. تأتي جلائل المواقف لتزف البشرى للقضية الفلسطينية، التي ساهمت الدعاية الصهيونية في شيطنتها لعقود طويلة؛ على أنها قضية محسومة لجهة تصفيتها وإنهائها على «المستحدث» الصهيو- أمريكي المستند على القوة والغطرسة.

في الماضي كانت الملاحقات والمراقبة الشديدة، تطارد كل من يفكر أو يلمّح في التعاطف مع القضية الفلسطينية ضد الممارسات الوحشية للكيان الصهيوني، والفصل من الوظائف وحتى الاغتيالات، ونسف المحاكم وإلغائها في حال تسلمها قضية تخص المظلمة الفلسطينية؛ كل هذا من الجلبة الصهيونية التي تحدثها في قلب القارة الأوروبية بالدرجة الأولى، وبقية العالم في مرتبة أقل.

كان لـ «طوفان الأقصى»؛ الفضل الكبير لهذا التطور؛ وعليه أمكن البناء من أجل ملاحظة التطورات، والتغيير الجذري في عموم التفكير الأوروبي تجاه العدالة التي لم تنصف الفلسطينيين، وبات الأمر أمام الكثير من هذه التطورات بالمواقف في قادم الأيام ورؤية التغيير البنيوي الحاصل واللاحق وأفضل ما يسمى (الهزّة التكتونية) التي تعيد رسم الخرائط والمعالم.

لذلك يجب ألا يغيب عن ذهن المتابع في الشؤون الدولية التطوران اللذين جذبا الأنظار في قلب القارة الأوروبية، قبل ذكر التطورين، لابد الوقوف عند هذه المتغيرات وتفسيرهما وجعلهما مؤشرًا في سلم البيانات الصاعدة التي تسجل ارتفاعاً مهماً وسط الخطوط المنحنية والمنعرجة، ومنهجية قادمة لا محال في كنس الروايات والسرديات الصهيونية في قلب القارة الأوروبية التي رعت وأسست هذا الكيان، وبالتالي انهيار الكيان الصهيوني يجب أن يكون من القارة التي ساهمت في إنشائه وتثبيته في قلب الوطن العربي.

 

التطور الأول: يتمثل بالسقوط المدوي للحليف الأول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في قلب القارة الأوروبية، الفاشي والعنصري الرئيس الهنغاري، فيكتور أوربان الذي تلقى هزيمة ساحقة ومدوية في الانتخابات البرلمانية، وما تلاها من احتفالات للمعارضة بفوزها، وهتافاتها العارمة لحرية فلسطين، حيث كان أوربان من المتعصبين والمعارضين لأي إجراءات أوروبية ضد جريمة الإبادة الجماعية بحق أهلنا في قطاع غزة، وسياسة قضم وابتلاع الضفة الغربية.

هنغاريا / المجر؛ كانت بمثابة «بيضة القبان» في التصويت الأوروبي، ودعوتها لنتنياهو زيارتها في تحدٍ لقرارات المحكمة التي جرمتّهُ ووزير حربه السابق يوآف غالانت، الأمر الذي جعل نتنياهو يفاخر بالموقف الجريء لحليفه أوروبان، ودعوته لبقية الدول الأوروبية أن تحذو حذو الموقف الهنغاري الشجاع، ووجد هذا الموقف متنفسًا له ومهرباً من الملاحقات القانونية، وخداعاً للرأي العالمي.

التطور الثاني الآخر: جاء من رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجا ميلوني، عندما عارضت الرئيس الأمريكي ترامب في حربه بالشراكة مع الكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والأهم تعليقها اتفاقية التعاون العسكري التقني مع الكيان الصهيوني، وهي التي كانت بالأمس من المؤيدين المتحالفين لما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو، ودافعها إلى هذا؛ إدراكها المتأخر أنها ستخسر الانتخابات المقبلة بعد فشلها الصادم في الاستفتاء الذي حاولت به تقييد استقلالية القضاء الإيطالي، لأسباب عديدة، من أبرزها موقفها المؤيد للكيان الصهيوني وسط تأييد شعبي إيطالي عارم وواسع مع نضال الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة .

صحيح، أن الذاكرة العربية تجاه إيطاليا وتاريخها الاستعماري في ليبيا ، وتصنفيها كدولة معتدية تبقى ماثلة، إلا أنها أي إيطاليا وشعبها في وقتنا الحاضر لا يحمل وزر هؤلاء الذين جاؤوا معتدين ومحتلين، وذلك نابعاً من قوة وصلابة النضال الفلسطيني الأخلاقي وحضورها في الضمير العالمي، ونتائجها أقرب للملامسة من الهمس والتلميح.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كان واضحاً وجلياً، الأسباب التي أدت لهزيمة معسكر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن ونائبته كامالا هاريس الديمقراطي في الانتخابات الامريكية، وموقفهم الداعمة من حرب الإبادة الصهيونية، والخضوع المطلق للإملاءات، والدعم اللوجيستي، وتحريك «الأرمادا الأمريكية» إلى شواطئ فلسطين غداة الهجوم البطولي للمقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر / تشرين الأول عام 2023. سبب التحول العارم، التأييد الجماعي في صفوف الحزب الديمقراطي الذي أصبح غالبيته مؤيدًا لقضية فلسطين العادلة، وبالأخص جيل الشباب؛ بل إن الموقف المعادي للفاشية الصهيونية هو سبب الانشقاق المتعاظم في صفوف الجمهوريين المؤيدين لترامب؛ وفي المقابل، تعزز الموقف الجماهيري لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وتأييده الواضح لقضية الشعب الفلسطيني المظلوم، وقراراته الجريئة المقاطعة العسكرية مع الكيان الصهيوني، وما تلاها من قرارات، ودعوته المستمرة لمحاسبة الكيان الصهيوني على جرائمه المستمرة بقطاع غزة المحاصر، وسعار المستوطنين في الضفة الغربية والتغول على لبنان والاعتداءات المستمرة على سوريا، ومعارضته الحرب الحالية على إيران. مؤشرات أصبحت عاملاً داخلياً مقررًا في جميع البلدان، من النرويج إلى الولايات المتحدة، مرورًا بأستراليا وكندا وأوروبا بكاملها تقريبا ً، بل وصل الامر بالرئيس الأمريكي ترامب، الصدام مع بابا الفاتيكان الأمريكي الأصل، روبرت فرنسيس بريفوست، لاوون الرابع عشر حاليا ً بسبب معارضته الحرب ودعوته إلى السلام، ما يؤكد مدى عدالة القضية الفلسطينية التي تصبح يوما بعد يوم البوصلة الحقيقية للعدالة الدولية، ومقياسا ثابتا، وعليه الانتظار القريب وليس البعيد، المزيد من المواقف والإجراءات في قلب الدول التي تنتهج مبدأ الحق والعدالة في صميم المشروع الوطني، الذي من خلاله تثبيت أركانها من عدمها .

 

عززت القضية الفلسطينية حضورها في المحافل الدولية، من خلال أحقيتها ورواياتها وتضحياتها، ومن المفارقة الغريبة العجيبة، أن تصبح القضية الفلسطينية والوقوف معها، أو التعاطف بالحد الأدنى، سبباً في سقوط حكومات وصعود أخرى، وربما مع قادم الأيام تجري المحاسبات والاقتصاص من الأفعال الشنيعة التي تمارسها «إسرائيل»، وملاحقة مرتكبيها، هذا ليس ضربًا من الخيال، لأن تغيير المواقف والأيديولوجيات ممكن أن تأتي معها آليات ( ميكانيزمات) ملزمة، وحينها يبدأ الخلل والتصدعات وربما تجنب والتهرب من المسؤولية لكل مسؤول أو حزب ينتمي إلى تلك الدولة التي ساهمت أو دعمت لو بالموقف في ما يجري من إبادة جماعية لا يمكن طمسها لا في التاريخ ولا في ضمير العالم الحي .

إن اندفاع الرئيس الأمريكي ترامب وراء الأهداف الصهيونية الفاشية، وتورطه في العدوان المستمر من قطاع غزة إلى طهران، محاولة فاشلة في الهروب إلى الأمام، وإشغال العالم الذي لم يتصور حجم الجريمة الكبرى في قطاع غزة، وانبراء ترمب بالحلول أمام المجرم نتنياهو، وطلب العفو له من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، دلائل لا تخطئها العين بأن هناك أزمة تتسع مع مرور الوقت، أو كالبالون الذي يزيد هواءً، والانفجار قادم لا محال، فالنظريات النفسية تترك بصماتها في مثل هذه الإجراءات في دقة المراقبة والإفلات من المحاسبة والمساءلة القادمة والخلل الإنساني الذي لا يمكن السكوت عنه وخصوصاً أمام ما يتمسكون بالقانون الدولي وتلابيبه.

قوة القضية الفلسطينية نابعة من قوة عدالتها، وإدراك العدو الصهيو- أمريكي بذلك، أخذه إلى أماكن في الذهنية الوحشية التي تقسم العالم إلى قسمين لا ثالث لهما، قوى الخير أو قوى الشر، وبالتالي فإن سهم الشر يتعزز يوماً بعد يوم لجهة التحالف الثعباني السام، ومن هنا تدرك المعاهد الدولية المشتغلة بالعلوم الإنسانية ومعاييرها ووضعها علامة غير قابلة للإزالة بأن هناك خللاً يصيب الكرة الأرضية؛ وبالتالي فإن من الواجب الوقوف أمام هذا الخلل وتقديم العلاج السريع قبل أن يتأزم ويصبح ديدناً وقانوناً أشبه بقانون الغاب ( البقاء للأقوى) وما يرافقه من محاولات للاستيلاء على السلاح الأقوى في تخويف البشرية التي تنشد الحياة.

 

إن الإجرام الصهيو – أمريكي، حوّل القضية الفلسطينية العصّية عن الاستسلام والهزيمة، بالرغم من العذابات والجروح الغائرة، إلى ( أنموذج) في المواجهة والصمود، ورمزية دولية يكتفي بها العالم أن يؤشر لحالة الظلم والجور، وبالتالي فإن المواقف النبيلة سواءً من دول أو من مؤسسات أو حتى أفراد، قادمة بازدياد، لتصبح المقولة المشهورة ملازمة لفلسطين، قوة فلسطين في ضعفها، وهذا الضعف في حالة الدعم المادي في ظل سياسة الحصار، وقوتها تستمد من عدالتها واستمرارها وثباتها على المبادئ ورؤيتها النهائية، دولة فلسطين من النهر إلى البحر وعاصمتها القدس الشريف قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين .

وقاحة ترامب وتوبيخه للبابا لاوون الرابع عشر، وادعائه بأنه المسيح المنتظر، واتكاء نتنياهو على تفسيرات الأسفار المزيفة واعتقاده بـ "أنه في مهمة إلهية"، حالة أشبه بالفرعونية ومارافقها من صراع مع قوى الحق وإن كانت بموقع الضعف، إلا أنها انتصرت، بالرغم من الصروح التي بنيت للوصول إلى أسباب السماء، وقلة الإمكانات والمقدرات، وكلمة الفصل للحق والعدالة والمنطق.