Menu

حوار الهدف الثقافي

أمينة عباس

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

 

كانت سلسلة رواياتها عن بلاد الشام المشروع الروائي الأهم والأشهر للدكتورة ناديا خوست، وفيه تناولت التاريخ السياسي والاجتماعي لبلاد الشام على مدى قرن من الزمان، واعتمدت في هذه السلسلة على وثائق وشهادات حقيقية ومذكرات شخصية وموسوعات تاريخية، وكانت أحداثها تدور حول الصراع العربي الصهيوني المركزي، حيث تبدأ من بداية القرن العشرين: مرحلة سايكس- بيكو ووعد بلفور مروراً بنكبة 1948 وحتى إنشاء الكيان الإسرائيلي، وتنتهي بعد نصب الحدود التي ثبتت التقسيم. وتضم هذه السلسلة الروايات التالية: "حب في بلاد الشام، أعاصير في بلاد الشام، شهداء في بلاد الشام، وداع ولقاء في بلاد الشام، دماء وأحلام في بلاد الشام".

*تنتمين لذلك الجيل الذي كانت القضية الفلسطينية بالنسبة له جزءاً من انتمائه ونضاله؟ حدثينا عن هذا الجيل وعلاقته بفلسطين؟

** درس جيلنا في المدارس الحكومية، وكان مدرسونا من الكفاءات الوطنية. تعلمنا أن فلسطين جنوب سوريا، ورأينا ذلك في الخريطة التي تعرض في الصف، وسمعنا من أهلنا عن تنقلهم بين حيفا ودمشق بالقطار. وكان رجال الاستقلال في سوريا حاضرين كأننا نعرفهم، من شكري القوتلي إلى سلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانو. احترمنا شهداء أيار، وكان يوسف العظمة لنا مثلاً كبيراً بكلمته "لن يدخل المحتلون إلى دمشق دون مقاومة". وحينما عصف الصراع المركزي بحياة أجيال منها جيلنا، رأينا عن قرب المهجرين من الجولان بعد حرب حزيران، وألفنا أن نقيس علاقاتنا ببلاد العالم على أساس موقفها من هذا الصراع. وفي أحد مؤتمرات الكتاب، ثبتنا ككتاب سوريين أن الكاتب ملتزم بالثوابت الوطنية مهما كان موقف الحكومة السياسي، ووضعنا وثيقة شرف عرضناها في المؤتمر العام لاتحاد الكتاب العرب. هذه الثوابت الوطنية أسست روحاً عامة، وكانت القضية الفلسطينية جزءاً من هذا الصراع المركزي.

*كان الصراع العربي الصهيوني محوراً أساسياً في رواياتك عن بلاد الشام، حدثينا عن هذا المحور وكيف تجلى فيها؟

** كنت أكتب قصصاً. ثم دفعتني الأحداث التي عصفت بالمنطقة إلى تقصي جذورها، فانشغلت بقراءة المذكرات التاريخية والدوريات القديمة في المكتبة الوطنية، وتتالت هذه الروايات. وكان مصير شخصيات هذه الروايات متصلاً باقتسام البلاد العربية بسايكس- بيكو ووعد بلفور. وقد ولدت شخصيات روايتي الأولى "حب في بلاد الشام" من ملامح شخصيات حية لم أعاصرها لكني سمعت عنها، عاشت أحداث الفترة الممتدة من بداية القرن العشرين حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، أي المرحلة الأولى من الصراع العربي الصهيوني. وخلال العمل استنتجت أنها ستكون جزءاً من روايات عن بلاد الشام التي تعيش شخصياتها مراحل أخرى من ذلك الصراع، فكان الجزء الثاني ينتهي بنهاية الثورة السورية الكبرى، والثالث باحتلال جزء من فلسطين التاريخية، إلخ. إذاً نسجت الأحداث العامة حياة تلك الشخصيات وشهدت على ترابط الحياة الشخصية بالمصير العام. واستمر هذا الترابط في كل الروايات، مع الإشارة إلى أن هذه الروايات كانت أحياناً تثبت الوثيقة حيث تكون شهادة بليغة، وتعرض شخصيات عامة مهمة، ونرى من خلال ذلك نهش المستوطنين لفلسطين، لتنتهي هذه الروايات بعد إنشاء الكيان ونصب الحدود التي ثبتت تقسيمها.

*نشرت روايتك "أعاصير في بلاد الشام" في الذكرى الخمسين لاحتلال فلسطين. ماذا عن خصوصية هذه الرواية مقارنة مع الروايات الأخرى؟

** تبدو رواية "أعاصير في بلاد الشام" خارج سياق شخصيات تلك الروايات المستمرة من رواية إلى أخرى، لكنها مكرسة للموضوع نفسه. وقد اخترت أغلفة الروايات معبرة عنها أو متصلة بها، فغلاف هذه الرواية من صور صفد القديمة. وتناولت فيها الصراع الذي دشن عام 1948 وهزائم العرب ومصير القرى الفلسطينية التي توقفت عندها كثيراً في هذه الرواية التي كان أحد أبطالها قيس الذي عاش في صفورية حتى "سنة النكبة" ورأى كيف قصفت واحتلت، وكيف هاجر بعض سكانها إلى سوريا وطرد من بقي فيها، وكيف رأى بيته ركاماً عندما رجع إليها متسللاً، ثم كيف أصبح شاهداً على كل المؤامرات التي تحاك لفلسطين.

*ما الذي جعل الأدب اليوم يتجه بعيداً عن القضايا الكبرى؟

** ابتعد الأدب عن القضايا الكبرى مع ابتعاد مكانة الثقافة كحاجة روحية ووجدانية وتربوية. والمنعطف عن القضايا الكبرى لم يحدث فجأة برأيي، وإنما كان نتيجة تفريغ الثقافة من محتواها العميق حين أصبحت المسلسلات بديلاً عن الثقافة، وكتاب السيناريو والممثلون الذين تحولوا إلى نجوم أكثر نفوذاً من الكتاب. وحينما صنعت جوائز للأعمال التي تقدم الجنس وتصغر المرأة، وما يحدث يتصل بتوجيه قديم لكبار الساسة لإبعاد الأدب والفن عن القضايا الوطنية والقومية والاجتماعية، وساعد على تحقيقه أيضاً تراجع حركة التحرر العربية، والتراجع العالمي عن زمن كان يتقدم فيه الفنانون والشعراء والروائيون الكبار إلى زمن يتقدمه الرياضيون والسياسيون والمحللون.

*كانت وما زالت الكتابة بالنسبة لك بعيداً عن مبدأ "الفن للفن"، فماذا تقولين وقد أصبح هذا الشعار مبدأ للعديد من المثقفين؟

** السيئ أن العالم جمح حتى بعيداً عنه، فلم يعد الفن ذا قيمة، ولم يعد مطلوباً. وواكب ذلك انحسار كل ما له قيمة، وأنا لا أستطيع أن أساير هذا الانحسار. أستمر في الكتابة مستندة إلى معرفتي أن كبار كتاب الزمن الإنساني هم كتاب قضايا كبرى، والأدب الكبير هو أدب ثوابت وقضايا كبرى. لذلك لا تقيدني الرغبة بالنشر، مع تأكيدي على أن الكتابة حاجة روحية ومسؤولية، مع أننا لسنا في زمن الثقافة الحقيقية.

*يقول هوغو إن الروح الإنسانية تحتاج إلى المثل الأعلى أكثر من حاجتها إلى الواقعية. ما قولك في ذلك؟

** يحتاج الإنسان في الأزمنة كلها إلى المثل العليا. نكسب هذه المثل منذ طفولتنا ونتسع بها ونرتقي خلال حياتنا ونتصل بها بالإرث الإنساني الحضاري وبعصرنا. من المثل العليا مثلاً الاستشهاد في سبيل الوطن، تقديم الابن للوطن لا للمكاسب، وتضع لنا أمهات الشهداء في الأرض المحتلة مثلاً عليا مبهرة، ويضع لنا الشباب الذين يرفعون علمهم على أنقاض بيوتهم المنسوفة مثلاً أعلى مؤثراً هو التمسك بالأرض الوطنية. هل يعني هذا أن تلك النساء لا يتمنين أن يدرس أبناؤهن وأن يعيشوا ويعملوا ويكسبوا؟ وأن أولئك الشباب يحبون الأنقاض؟ بل يعني أن المثل الأعلى الآن هو مقاومة الهمجية والوحشية العالمية والإسرائيلية، وبهذه المثل نغني بنيتنا الروحية والأخلاقية وسلوكنا، ويغتني بها التاريخ الوطني الذي سيحفظها وسيورثها، ونرد بها على مثل العدو الغيبية المتخلفة التي تربي على القتل ومنع إسعاف الجرحى. ولكن هنا لا بد وأن نتساءل: ما المقصود بالواقعية؟ هل المقصود الواقعية السياسية التي تبرر الاستسلام للدبابة والمدفع لأنها قوة تفرض شروطها، وأن نتجاهل القوة الأخرى التي تملكها الشعوب بإرادتها؟ الواقعية قراءات متصلة بزمننا وبثقافتنا ومشروعنا، ولدينا مثل عليا أخلاقية وفنية وفكرية، مراصد نرى بها ومنها.

*أهديت كتابك "ألف ليلة وليلة والرواية التاريخية" إلى القدس ، ونفيت أن تكون هذه الليالي يهودية كما ادعى بعضهم. حدثينا عن هذا الكتاب؟

** أهديت الكتاب إلى القدس لأنها مدينة اليبوسيين الكنعانيين، مدينة المسيح والقيامة، التي زينها عبد الملك بقبة الصخرة، والوليد بن عبد الملك بالمسجد الأقصى، وكرمها المماليك بالأبنية التاريخية، والعثمانيون بالحماية. المدينة التي أغارت عليها قبائل عبيرو في القرن الرابع عشر ق.م، ويدمر المستوطنون اليوم ذاكرتها التاريخية المسيحية والإسلامية.

جاء الكتاب نتيجة ثمرة عملي في رواياتي عن بلاد الشام والأجيال التي عاشت الصراع العربي الصهيوني من أول القرن العشرين حتى نهايته، حيث وفر لي العمل عليها البحث عن الشهادات وقراءة الموسوعات والمذكرات التاريخية. إلا أن سحر ما في التاريخ من بيئة وعلاقات إنسانية واجتماعية وأفراح وأوجاع جعلني أتجاوز ما كان بحاجته من القرن التاسع عشر والعشرين إلى قرون أخرى، وأعادني إلى كتاب "ألف ليلة وليلة"، الذي حاول بعضهم نسبه لليهود. وفيه حاولت أن أثبت أنه لا علاقة لليهود بالليالي لا من قريب ولا من بعيد، وأن الادعاء بأنها يهودية بدعة تهدف إلى محاولة تهويد التراث العربي الذي يسعى إليه العدو. وهي موسوعة من زمن يمتد من القرن العاشر حتى الرابع عشر تقريباً، وهي ثمرة حضارة عربية إسلامية ابنة دمشق وبغداد والقدس ومصر، وهي ليست يهودية ولا هندية أو فارسية كما ادعى بعضهم.

*ما الذي جعل أنطونيو غالا يقول: "الثقافة هي المفهوم الوحيد الذي يمكن أن يتأسس وينمو على قاعدته مفهوم الوطن"؟

** لأن الثقافة أساس للتربية على الثوابت الأخلاقية والفكرية. توحد الشعب بقراءة تاريخه، والتذكير بتضحيات وطنييه. تجلو جمال أمكنته، وعظمة تراثه، وتعلم قصائد شعرائه. وأصبح تدمير الثقافة شرطاً لتدمير شعب. فبتدميرها تدمر ثوابته العزيزة، ويفقد حصانته. لذلك كثيراً ما يبدو لي أن مؤسسات الثقافة تساوي في الأهمية مؤسسات الدفاع. هل تعرفين كيف استنهض الشعب الروسي من دمار البيريسترويكا؟ بالتذكير بأدبه العظيم، واستعادة أغاني الحرب الوطنية العظمى، كما حدث في سنة 2003 حين دعي المغني الروسي خفرستوفسكي ليغني تلك الأغاني في حفلة في الساحة الحمراء.

*حذرت كثيراً من مخاطر الاختراق الثقافي. فهل فشلنا في سبل مواجهته برأيك؟

** يتميز عصرنا بالحرب على الوعي الإنساني، حيث تسخر عشرات المحطات التلفزيونية وتصنع المسلسلات لتسوق قيماً فكرية وأخلاقية بديلة، ومنها استبدال العدو بآخر. ذات يوم قدمت للجنة دعم الشعب الفلسطيني ورقة عن إحدى الجوائز التي يتسابق الكتاب العرب إليها، وينشر الإعلام أسماء الناجحين في الوصول إليها. وبينت أن مؤسسيها قصدوا تغيير مسار الرواية العربية إلى الجنس والبحث في الطوائف، وكتبت كما كتب آخرون عن ذلك في الصحف، فاتهمنا بأن لغتنا لم تعد مناسبة للزمن، وأننا ضد الديمقراطية والحرية. وكان بعض أولئك كتاباً يتزينون بزي اليسار. وأرى أن مواجهة الاختراق الثقافي لم تفشل، بل حدث تغيير في المجتمعات من خلال الانتقال من مشاريع التنمية إلى اقتصاد السوق والمنظومة الفكرية والأخلاقية التي تواكبه، فتقدم كسب المال على الرغبة بالثقافة، وتقدم التاجر على الأستاذ الجامعي، وحل كاتب السيناريو مكان الروائي. وسيطرت السياسة في العالم على الثقافة.

*كتبت عن نخب ثقافية بمعايير شرق أوسطية. فما هي المعايير التي توقفت عندها؟

** معاييرها أولاً استبعاد القضايا الاجتماعية والوطنية والقومية عن الفن والأدب، فتقدمت السخرية من الأسرة الشرقية، وتقزيم الأم والأب، والحق في علاقات جنسية مفتوحة، وأصبح الصراع بين المرأة والرجل بدلاً من الصراع ضد المحتل. وكل ذلك لتغيير الوعي العام والقيم الأدبية. وقد أصبح مطلوباً من الرواية العربية أن تستدير عن موضوعات الحياة الكبرى، وعن العمل الروائي الذي يتناول غنى الواقع وتعقيده، لتنشغل بالجسد والجنس وقمع المرأة. وتشجيع غرس الإسرائيلي أو اليهودي كشخصية من شخصيات الرواية أو جزء من الذاكرة العربية. حيث لم يعد يكفي احتلال ثروات العرب وأسواقهم وبحارهم وأنهارهم، وكان لا بد من اكتمال الاستعباد باحتلال أرواحهم وعقولهم، وكنس ثقافتهم، وإلغاء إرادتهم حتى لا تكون الكرامة من سماتهم الوطنية والشخصية، وكي يقبلوا الفرجة على موت أطفال غزة كأنهم متفرجون حياديون في مسرح! وأن ينسوا مفردات مثل "مقاومة، شرف، شهامة، ثقافة وطنية، أدب رفيع، قضايا الرواية الكبرى". في الوقت الذي نشهد فيه اعتداءات الكيان على القنيطرة وعلى جنوب لبنان، ولم يعد مشروع الكيان للهيمنة على المنطقة سراً يعرفه فقط الباحثون، فقد عبر عنه زعماؤه ومستوطنوه. وفي هذه اللحظة نشهد اضطراباً عالمياً يؤثر حتى في المزاج العام. فهل يمكن أن يجري الفن والأدب بعيداً عن القلق على الوطن والبشر والسيادة والمصير؟ أمس بدا لي أن الانجراف إلى الكتابة عن الجنس طمعاً في الجوائز، انحطاط. ويصح ذلك على هذه اللحظة، خاصة بعد الإبادة في غزة واحتلال جبل الشيخ.

*وعلى ماذا تستندين في تشكيكك الدائم بالجوائز العالمية، وما تفسيرك لانقياد بعضهم لها؟

** أشكك فيها، لأنني حينما بحثت عن مؤسسي إحدى تلك الجوائز العالمية المعروفة وجدت أنها تصل إلى صاحب مؤسسة "معهد الحوار الاستراتيجي الصهيوني فيدينفيلد"، ولكنها ألبست ملابس عربية. ولا تفسير لدي لانقياد كثيرين لها سوى إغراء المال الذي يقع فيه صغار الكتاب، ويسقط فيه أيضاً الحالمون بشهرة عالمية. وهنا أذكر أن مترجم رواية نجيب محفوظ روى لنا خلال استضافته في اتحاد الكتاب العرب أن ترجمته بقيت عشرين سنة دون نشر، ولم تخرج إلا عندما أنجزت كامب ديفيد. وهذا يؤكد ارتباط هذه الجوائز بالمواقف السياسية.

* وفي ظل المرحلة التي يمر بها المجتمع العربي والأخطار التي تهدد هويته، ما هي مهمة الأدب؟

** يؤثر الأدب في البنية الروحية، يسند المثل ويجلوها، يوسع الدنيا، يستنهض ويهذب العواطف. يجعلنا الأدب أكثر ثقافة ورحمة، ويطلعنا على مدى من العواطف والشخصيات لا نستطيع أن نعيشها في حياة واحدة، ويهبنا القدرة على معرفة أزمنة وأمكنة لا يمكن أن نصل إليها. في أحد تجلياته يوصل إلينا النسغ من أجيال سابقة ويربينا ويؤسس ذوقنا، لذلك يشعر من يقرأ أدب الكتاب العمالقة بأنه يقرأ أدباً وطنياً، ابن مسائل وهواجس استنبتتها أرض معينة في زمن معين، لكنه يخاطب الأجيال والبشر ويحرس الضمير والروح بأسلوبه الفني والمثل التي يؤكدها والعواطف التي يستعيد صفاءها، وهو قوة ليست حيادية، تواكب المقاومة وتؤهل لها، أو تمهد للهجوم وللهزائم وتفكيك البنى. ومعروف أن الأدب حمّال التراث الحضاري الوطني، والشعوب الجديدة التي تفتقر إلى العمق الحضاري تبدأ من الصفر. واليوم تهدد العولمة الدنيا بطابع واحد سطحي يلغي التنوع الإنساني والخصوصية التي تجسدها الهوية المعمارية والعلاقات والعادات والآداب والفنون، والبديل الذي تروجه متخلف وبشع وسوقي. قال حمزاتوف في لقاء صحفي نشرته إحدى الصحف العربية إن كتبه لا تطبع لأنه لا يوجد من ينشرها ويقرؤها. ألا يعبر هذا عما دمره الانقلاب في الفكر والذوق وعن مراكز القوى الجديدة التي تحكم النشر والدعاية والإعلام؟ وتكمل الصورة الجوائز العالمية التي تتوج أعمالاً تافهة. وهذا اتجاه فكري يبعد الأدب عن مهمته الإنسانية المعتمدة حتى اليوم كقوة تغني الروح بالمثل، وتجسد أزمنة تاريخية وصراعات، وتعي أن الشخصيات تعبر عن زمن ومكان ومجتمعات.

*اعتبر كثيرون روايتك "الحرب والسلام" موازية في مقاربتها لرواية الكاتب تولستوي "الحرب والسلم". فهل وفق هؤلاء في هذه المقاربة؟

** بعد رواياتي عن بلاد الشام التي كانت شخصياتها تتجول في لبنان وفلسطين وسورية، كتبت روايتي "الحرب والسلام" عن الصراع المركزي من موقع سوريا، فتناولت فيها شخصيات جسدت منظومات فترة الخمسينيات من القرن العشرين، وقد عاشت الأحداث العامة حتى زمننا. أبقيت فقط نفيسة من سلسلة رواياتي عن بلاد الشام، لأنها الصلة بالماضي وبالمدينة القديمة، وهي التي فقدت في معركة ميسلون الرجل الوحيد الذي أحبته. ويلاحظ القارئ فيها أن ثلاث صديقات متمايزات بالتفكير تقاربن في نهاية الرواية: فمريم ابنة البورجوازية الوطنية التي شاركت في العمل الفدائي في الأغوار التي ضمت في معسكراتها منظمات وأشخاصاً متنوعين. أما أمية فحملتها العلاقات بالمعسكر الاشتراكي إلى الدراسة في موسكو. في حين أن سلمى التي بدا أنها تعلو على الانقسامات السياسية فقدت زوجها الطيار في حرب تشرين. وهكذا نرى أن الأحداث والحروب أثرت على مصائرهن الشخصية.. وبالنسبة لمقاربة الرواية من قبل البعض لرواية الكاتب تولستوي "الحرب والسلم"، هذا أمر يسعدني جداً، فتولستوي أحد الرواد الكبار الذين نتعلم معهم. وأنا لا أزال أعود إلى قراءة هذه الرواية مرات ومرات.

*لماذا وصفك أحد النقاد السودان يين بأنك "من بين الوحيدين والوحيدات الذين نجحوا في تسييس الأدب وتأديب السياسة"؟

** ربما قال ذلك لأنني لم أر السياسة كبرنامج فئة صغيرة، بل رأيتها مشروعاً وطنياً من جوهره كشف الصهيونية ومقاومتها والدفاع عن الهوية الوطنية، كعمارة وذاكرة تاريخية. وهذه العناصر في منظومة فكرية أخلاقية هي عيناي وليست نظارة أخلعها وأضعها. أرى موضوعاتي من خلالها، منتبهة ككاتبة إلى علاقتها بالإنسان، لذلك لم أتناول الصراع العربي الصهيوني والانتفاضة كمساحة بعيدة عن الروح. بل قصدت أن أبين ترابط المصير الفردي بالمصير العام، وعلاقة الإنسان بالأحداث السياسية.

د. ناديا خوست

كاتبة وأديبة سورية، ولدت في دمشق عام 1935، حصلت على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من الاتحاد السوفييتي بعد حصولها على بكالوريوس الفلسفة من جامعة دمشق. كانت أطروحتها لرسالة الدكتوراه في الأدب المقارن بعنوان "أدب تشيخوف وأثره على الأدب العربي".. من أعمالها القصصية: أحب الشام، في القلب شيء آخر، في سجن عكا.. ومن رواياتها نذكر: الهجرة من الجنة، مملكة الصمت.. عرفت بدفاعها عن دمشق القديمة.