Menu

لم تكن مجرد نكبة...

مصعب عيسى

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

في روايته (أرض البرتقال الحزين) كتب الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني :

(وعندما وصلنا صيدا، في العصر، صرنا لاجئين

كنا مكومين هناك بعيدين عن طفولتنا

كما كنا بعيدين عن أرض البرتقال،

البرتقال الذي قال لنا فلاحٌ كان يزرعه

أنه يذبل إذا ما تغيرت اليد التي تتعهده بالماء.)

هكذا وصف الراحل مشهد اللجوء موثقاً بالحبر والأسى لمرحلة جديدة من حياة الفلسطيني بعيداً عن أرضه.

ذاك اليوم لم يكن هو النكبة بحد ذاتها.. كانت أكبر كارثة حلت في العصر الحديث حين تم تهجير حوالي ٨٠٠ ألف فلسطيني من أصل مليون ونصف بمعدل يتجاوز نصف السكان.. حملوا ما استطاعوا من الذاكرة.. وتصاوير لفردوس مازال عالقاً في غياهب القلب والروح...وحملوا مفاتيح ومضوا يشقون يباب الأرض باحثين عن موطئ قدم يقيهم حر المحرقة... ويحميهم من سطوة المقصلة... ولازالوا يجوبون مشارق الأرض ومغاربها علهم يلمحون في تضاريسها ما يشبه ذاك التراب العالق في الذاكرة .

لم يكن ما حدث في الخامس عشر من أيار عام ١٩٤٨ مجرد نكبة أو ولادة كيان.. واحتلال وكفى....

كان تتويجاً لعصر جديد يترنح ثملاً بين ذاكرة الجغرافيا وتضاريس التاريخ... وسقوط القانون إلى أسفل هلوساته...

إن كلمة نكبة في قاموس العرب المحيط ترمز إلى مصيبة تصيب الإنسان بماله أو حميمه/ أهله وأحبابه.

والمصيبة هي نازلة أو ضائقة تصيب المرأ.. بماله أو أهله .

فهل يعقل أن يكون هذا العمر من المصائب التي حلت بالفلسطيني منذ مئة عام أن يتم اختصارها بنازلة او ضائقة.

..من هنا بدأت المشكلة مذ غفلنا عن حرب المصطلحات وتسليط الضوء على الأشياء وتسميتها بمسمياتها التي تليق بها أو تعبر عنها خير تعبير...

النكبة بدأت مذ تمت مصادرة الأحلام قبل البيارات مذ قطعوا الحبل السري للفكرة وأرادوها قتيلة في حجرها..

تلك النكبة التي بدأت حين اغتالوا العقل قبل الجسد.. حين تربصت عيون الشر ترقب الكلمة والحرف الناطق قبل المكتوب فيتم إيداعه في زنازين الظلم الطويلة...

إن كل مجزرة ارتكبت في مدينة أو قرية أو حي أو مزرعة فلسطينية هي نكبة... سواء كان الضحايا فرادى أو جماعات ولو اطلعنا على تقارير ودراسات أعدها كثير من المؤرخين والباحثين (أبرزهم المؤرخ الفلسطيني سلمان أبو ستة) لوجدنا أن أكثر من 200 جريمة حرب ومجزرة ارتكبت ما بين عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨ على يد عصابات صهيونية كانت تعمل تحت إمرة الجيش البريطاني... بمعنى أنه خلال عام واحد حدثت ٢٠٠ نكبة.. وماذا عن النكبات والمجازر التي حدثت قبل ذلك!!! ولازالت!!!

إن كل شبر من الأرض اغتصبه المارون بين سطور التاريخ هي نكبة... أو منحه سلطان جائر ذات يوم ليقيم مستوطنة.. أو تاجر بالإقطاع باع أرضاً لا يملكها.. هي نكبة ... أو دمرها المحتل وأجلوا سكانها قسراً هي نكبة بحد ذاتها... فإذا كان عدد القرى المدمرة يبلغ 531 قرية فلسطينية...فهذا يعني 531 نكبة.. على أقل تقدير.

النكبة ولدت حين تم تزوير التاريخ أمام أعيننا.. وألبسوه غطاءً مقدساً مدعين أن نصاً إلهياً قد منحهم هذه الأرض...وأمرهم بقتل من فيها من شجر وبشر وحجر... إنها سرقة تاريخية بمباركة توراتية.... وطواعية عالمية لميلاد شر جديد هي الصهيونية.

التهويد نكبة... وسرقة التراث نكبة.. وتدنيس المقدسات نكبة.. والصمت العربي نكبة.. وإعدام الأسرى سابقاً ولاحقاً نكبة... وفي كل يوم منذ قرن هناك نكبة تتبعها نكسات انهالت على رؤوس الفلسطينيين كوابل من جمر.. فلا يدري كيف به لايزال واقفاً... وذاكرته مشبعة بالأسى... والناتج مجموعة نكبات متتالية لم تتوقف....

إن كلمة نكبة لا يمكن أن تعبر عن كل هذا الألم المستمر منذ قرن.. لقد أصبح ل فلسطين قاموسها الخاص يحاول أن يضع مصطلحاته الواقعية نصب أعين البشرية فتوسعت دائرة المؤرخين والباحثين المناوئين للكيان والصهيونية من غير العرب والمسلمين الذين أعادوا إطلاق مصطلحات أكثر دقة وأكثر انسجاماً ومن أهمهم المؤرخ إيلان بابيه الذي أعاد قراءة التاريخ الفلسطيني بعيون الضحية لا بعيون المؤرخ أو القانوني وألف موسوعته الشهيرة (التطهير العرقي في فلسطين) حيث يقول (إن مصطلح "نكبة" قد يكون مراوغاً لأنه يوحي بكارثة طبيعية أو حادثة غير مقصودة، بينما "التطهير العرقي" يحدد المسؤول عن الجريمة.)

إنه من الإجحاف أن يطلق عليها نكبة... إنها تطهير عرقي.. أو ربما محرقة.. كما وصفها المفكر الفرنسي الراحل روجيه غارودي: (لقد ساهمت أمريكا منذ البداية بالقدر الذي تساهم فيه الآن في المحرقة الأعظم والمستمرة ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب عموماً". "الغرب حاول كثيراً طمس تاريخ فلسطين منذ العهد القديم وولادة الصهيونية المسيحية")

..تلك المحرقة أو الإبادة الجماعية لاتزال واقعة بحق الفلسطيني حتى اللحظة

في الضفة نكبة.. وتطهير.. واستيطان واعتقال وحواجز تعيق الحياة من أداء أبسط أدوارها.

أما غزة تلك المدينة التي جسدت التطهير والإبادة والمحرقة في بث حي ومباشر بكل لغات الأرض التي نعرفها ولا نعرفها.. لتضع العالم أمام ضميره وإنسانيته

وتضع الفلسطيني مجدداً أمام ذاكرته الملتهبة منذ انتزع من أرضه... لذا يحرص الفلسطيني دوماً على ذاكرته فهي إرثه المقدس والمتبقي شاهداً على حقه..

الفلسطيني يقاوم لمجرد أن يورث ذاكرته لمن يليه... فالذاكرة وحدها لا تموت... والنسيان خيانة .

ثمانية وسبعون عاماً مرت منذ غادر الفلسطيني أرضه... والحزن وريثه والخيمة...والوسم الظاهر في أعلى الجبين لاجئ متعدد الجنسيات... تجاعيد في الوجه تحكي رواية كل مجزرة وكل قرية وكل ضحية سقطت... ولاتزال..... شوارع المخيم تجسد الفعل المضارع للإبادة.. والمصدر المسؤول الممنوع من العقوبة في سوق المحاكم الدولية... والفاعل قاضٍ ومجرم والمفعول به لاجئ منصوب على وتد الخيمة... ومرفوع على أكتاف الرجال.. ومجرور بياء الهزيمة في أروقة القمة... لكنه لا يبكي كي لا يسقط صورة وطنه الموروث عن جده من عينيه.. فيفتح حدقته رغم ألمه منتشياً يأمل العودة.

وحده الفلسطيني يبتسم غيظاً لأعدائه... لأنهم أرادوه منكسراً.. فانتصب.. وأرادوه ذليلاً فتمرد.. وأرادوه خانعاً مشرداً بلا وطن فأصيب الكون بأكمله بلعنة الفلسطيني.

لو كان للتاريخ ضميراً.. لأنصفنا.

ودفع لنا تعويضاً عن ما عاناه... أجدادنا.. ونعانيه.

ولكان التاريخ البشري سن قانوناً يجرم معاداة الفلسطيني ويغرم عليه...

لكن هذا التاريخ لازال حكراً على المجرمين ومصاصي الدماء...من عهد قابيل حتى اليوم ....

ونحن لازلنا نقبض بكل ما أوتينا من صبر وزعتر على جمر العودة...

في المدى طفل صغير يلهو على ركام خلفته إحدى الطائرات.. لم يتبقَ من منزله سوى جدار يتكئ على رمل الصدى.. على الجدار عبارة للشاعر المصري الراحل أمل دنقل:

لا تصالح.