Menu

في ضرورة إعادة صياغة وتوحيد المشروع التحرري الفلسطيني

معاذ الجحري

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

يبدو جليا أن العدو الصهيوني قضى على أي أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية بما في ذلك "حل الدولتين" واتضح بما لا يدع مجالا للشك أن اتفاق أوسلو كان مناورة منه لكسب الوقت وإرباك منظمة التحرير الفلسطينية وتقسيم صفوفها وتدجين الاتجاه المتنفذ فيها. ويتجه الآن إلى إلغاء اتفاقية أوسلو، فبعد ضم القدس ، يسعى برلمانه (الكنسيت) إلى ضم الضفة الغربية، بعدما صوت في يوليو 2025، على قرار لفرض السيادة الكيان الصهيوني عليها.

هذه خطوات تشريعية استعمارية توسعية يحاول العدو من خلالها تتويج العمل على الأرض وما يقوم به قطعان المستوطنين المسلحين كل يوم بتعاون وثيق مع الجيش والأمن والقضاء، ومؤسسات البحث في كافة المجالات بما في ذلك مجال الأركيولوجيا والآثار للمزيد من الاستيطان والاستيلاء على الأراضي وتهجير وتشريد أصحابها الأصليين، محاولا تعزيز المناعة والأمن "القومي" الإستراتيجي في مواجهة ما يدعيه من خطر ديمغرافي خاصة وأن اعداد الفلسطينيين اليوم بات يزيد عن تعداد اليهود في مساحة فلسطين التاريخية.

كما يحاول العدو الصهيوني شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين والتنكر لحقوقهم بعرقلة بل حظر عمل ونشاط منظمة الأونروا وضربها، والاستيلاء على مقرها في القدس وتحويله إلى متحف ومقر لجيش الاحتلال.

أما الاعتراف بدولة فلسطين في إطار حل الدولتين من قبل عدد من الدول الغربية مؤخرا مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا وبلجيكا ولوكسمبورغ

فيندرج بشكل عام ضمن بعث الروح والأمل المزيف باتفاق أوسلو، في الوقت الذي لا نرى لهذه الدول أي عمل أو إجراء أو إدانة لأعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ولا أي محاسبة أو عقوبة للعدو.

إن ما نراه على الأرض، هو مشاركة في الإبادة ودعم لها من قبل أغلبية هذه الدول، مع المزيد من الضغط والابتزاز للسلطة الفلسطينية من أجل التأكيد على التنسيق الأمني بينها وبين الاحتلال، واشتراط إصلاحها لدعمها ماليا أي المزيد من إرشائها وجرها للمزيد من التنازلات مع التشديد على مطاردة المقاومين ونزع سلاحهم. كما تواصل دول الغرب الإمبريالي العمل على جر المزيد من الأنظمة العربية إلى مستنقع "التطبيع" والضغط عليها للانضمام والتوقيع على اتفاقية أبرهام (آخر مثال هو دعوة ترامب السعودية و قطر للتطبيع الرسمي مع العدو بعد الاتفاق الأخير مع إيران) .

يمكن للمرء أن يتأمل حجم النفاق والخداع لدى الغرب الإمبريالي من خلال فرنسا مثلا حيث اعترافها بدولة فلسطين يصاحبه قمع الأصوات والقوى والتظاهرات والأنشطة المؤيدة للقضية الفلسطينية: مشروع قانون "يادان" حول معاداة السامية الذي هزمته القوى التقدمية وسُحب من البرلمان، قضية المناضل رامي شعث الذي تسعى الأوساط المتصهينة إلى طرده من فرنسا وقد انتزع انتصارا أوليا على مستوى القضاء.

لقد رافق تحول الرأسمالية إلى رأسمالية إمبريالية تحول جدري في دور البرجوازية الرأسمالية التي راحت تخرب قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وتشوه مفهوم العلمانية وتستعمل كل ذلك للتضييق على القوى المناضلة بل راحت الثقافة السائدة في الغرب الاستعماري تؤسس لمفهوم القيم اليهودية-المسيحية للغرب الذي لا وجود له، وذلك قصد صهينة المجتمعات وعرقلة حركة التضامن الشعبي العظيمة مع فلسطين.

لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية هي السبب الأساسي وراء هذا التمادي والغطرسة خاصة في ظل تحولها، ومعها عدد من الدول، إلى الفاشية الجديدة وكونها قائدة المعسكر الإمبريالي الغربي (يضم أساسا اليابان، الاتحاد الأوروبي، كندا، أستراليا) والذي يوجد في ظل تبعية عمياء وخضوع شبه كامل لها.

في المقابل ورغم الدمار الهائل والإبادة الرهيبة فقد فشل العدو حتى الآن في تحقيق أهدافه السياسية وخاصة مشروع التهجير بفضل شجاعة المقاومة وثبات الشعب على أرضه، وهذا ما يمكن البناء عليه إضافة الى المرتكزات الجوهرية في صياغة أية خطة تحررية حقيقية. كما قدمت المقاومة المسلحة في المنطقة ككل صورا عظيمة في القتال والصمود وإدماء العدو.

إذا تم ضم الضفة الغربية، كما يخطط لذلك العدو، وحاصر الفلسطينيين في خمسة أو سبعة معازل سكانية غير متصلة، فسنكون أمام "دولة" أكثر عنصرية من نظام الأبارتهايد البغيض في جنوب إفريقيا سابقا.

بالنتيجة سيكون أمام الفلسطينيين شوط "جديد" وطويل من النضال من أجل تحرير الأرض وعودة جميع اللاجئين واستعادة كامل الحقوق الوطنية التاريخية تحت شعار إقامة دولة فلسطين الديمقراطية والعلمانية على كامل التراب الفلسطيني.

وهذا لن يتحقق إلا بالمقاومة بكل أشكالها وعلى رأسها الكفاح المسلح. هذا الكفاح ستكون شروطه أفضل في حال الثبات والصمود في فلسطين ولبنان وانتصار إيران وتقوية مكانة محور المقاومة وتوسعه ليشمل بلدان المنطقة العربية وخاصة بلدان الطوق.

يتطلب خوض هذا الشوط التقدم تدريجيا لاكتساب الوضوح في التكتيك خاصة على مستوى الخطاب والتحالفات والوسائل يجب الاعداد له من الآن.

إن تحقيق هذا الهدف الحاسم يتطلب هزم المشروع الأمريكي بالمنطقة وهذا هدف ممكن، تؤشر على ذلك تطورات الصراع (العراق، أفغانستان، إيران...) مع العلم أن الإمبراطورية الأمريكية دخلت منذ مدة في منحى تراجعي بنيوي وشامل تفقد معه تدريجيا موقعها الريادي لصالح الصين.

وإذا كان الكفاح المسلح أسلوبا رئيسيا لا محيد عنه، فلا بد من تطوير كل اشكال النضال وايلاء أهمية كبرى لحركة المقاطعة الشاملة للعدو ولحركات التضامن الشعبي الأممي والعالمي.

كما أن النضال الايديولوجي هو في غاية الأهمية لهزيمة الصهيونية كإيديولوجية عنصرية تحول دون العيش المشترك بين اليهودي وغير اليهودي. وهذا

التفكيك للبنية الإيديولوجية للكيان الصهيوني والحركة الصهيونية يجب أن يترافق طبعا مع الدفاع عن العلمانية انطلاقا من التراكم التاريخي العظيم لتجارب الشعوب وحركاتها التقدمية ومن الفكر الاشتراكي بدءا من أطروحات ماركس حول المسألة اليهودية وإسهامات لينين والبلاشفة عموما وغيرهم من المفكرين. إن الدفاع عن العلمانية موجه ضد الصهيونية والكيان الصهيوني الذي يقدم نفسه كدولة دينية "قومية" لليهود. ولكن الصراحة تقتضي القول بأنه لا بد من خوض حوار عمومي ونقاش هادئ وصراع ديمقراطي مسؤول مع فصائل الإسلام السياسي المقاومة حول هذا المفهوم الأساسي الذي يعتبر شرطا للديمقراطية. ولا يجب نسيان أنه بفضل العلمانية الفرنسية في سياق تطورها قرر المجلس التأسيسي في سبتمبر 1791 منح صفة المواطنة لكل اليهود الفرنسيين بينما كانت محصورة قبل هذا التاريخ على يهود بوردو وأفينيون سنة 1790.

ولا يمكننا أبدا تجاهل موقف كارل ماركس كما عبر عنه في كتابه الشهير "حول المسألة اليهودية" في 1843 حيث أكد على النضال من أجل العلمانية بمفهومها الحضاري والتقدمي أم الدين فهو ثقافة روحية تخص الأفراد مع العلم أن ماركس ذهب أبعد من ذلك في تحليلاته لمفهوم الحرية بشكل عام والحرية السياسية بشكل خاص، حيث تناول فكرة اضمحلال الدولة نفسها وبناء مجتمع خال من الاستغلال وكل أشكال الاستيلاب ( المجتمع الشيوعي).