Menu

النكبة مستمرة من 1948 التطهير إلى إبادة غزة والصمود الفلسطيني يفشل المشروع الصهيوني

أنيس محسن

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، لا نجد أنفسنا نقف أمام "ذكرى" بالمعنى التأريخي الكلاسيكي، بل أمام "مجرى" مائي وسياسي وعسكري متدفق لم يتوقف يوماً. لطالما كان الروائي اللبناني الكبير إلياس خوري، الذي رحل بعيد عملية "طوفان الأقصى"، يصرّ على اجتراح مصطلح "النكبة المستمرة"، ولم يكن ذلك مجرد ترف بلاغي أو استعارة روائية، بل كان قراءة عميقة وجريئة لبنية المشروع الصهيوني الاستعماري. فالنكبة في جوهرها ليست "حدثًا" بدأ وانتهى في سنة 1948، بل هي سيرورة متواصلة، وآلة اقتلاع وتدمير لا تزال تعمل بوحشية حتى يومنا هذا.

جذر المشروع: محو الجغرافيا والإنسان والبيئة

منذ البداية، قام المشروع الصهيوني على فكرة جوهرية وإحلالية: إزالة الشعب الأصلاني – الشعب الفلسطيني – من أرضه جسدياً، ومعنوياً، وثقافياً. لم تكن السيطرة على الأرض تكفي الغزاة، بل كان لا بد من محو أثر صاحب الأرض.

في كتابه المرجعي الفذ "كي لا ننسى"، وثّق البروفيسور والمؤرخ الفلسطيني الراحل وليد الخالدي تدمير إسرائيل لأكثر من 500 قرية فلسطينية، مسحتها العصابات الصهيونية عن وجه البسيطة لتبني فوق أنقاضها مستوطناتها ومروياتها الكاذبة. لكن المحو لم يتوقف عند هدم البيوت؛ بل امتد إلى "هندسة بيئية وثقافية" شاملة:

تغيير الأسماء: جرى تهويد أسماء القرى والشوارع والمعالم الجغرافية لإخفاء الهوية العربية.

تزييف البيئة: عمد الاحتلال إلى اقتلاع أشجار الزيتون والسمّاق، وزرع أشجار الصنوبر الغريبة عن البيئة الفلسطينية لتغطية آثار القرى المدمرة وإضفاء طابع "أوروبي" على المشهد.

استبدال الماشية: حتى الماشية الأصلية التي عاشت في هذه الأرض منذ الأزل، جرى استبدالها بمواشٍ مستوردة من أوروبا لقطع صلة الأرض بأي إرث فلسطيني قديم.

من مشاريع الدمج والتهجير إلى "شرق نتنياهو الأوسط"

على مدار ثمانية عقود، تفتق الذهن الاستعماري وحلفاؤه عن أكثر من عشرة مشاريع كبرى هدفت جميعها إلى تصفية قضية اللاجئين؛ إما عبر دمجهم قسرياً في بلدان اللجوء، أو تهجيرهم مجدداً إلى منافٍ بعيدة، وتدمير بناهم الثقافية والسياسية لضمان نسيان الحق.

واليوم، ليس ما يشهده قطاع غزة من حرب إبادة جماعية مجنونة، وما تشهده الضفة الغربية من تقطيع للأوصال، ومصادرة للأراضي من قبل المستوطنين المدعومين بقرار رسمي من الحكومة الإسرائيلية، إلا الفصل الأكثر دموية في هذه النكبة المستمرة. إنها "الديناميكية الصهيونية" في ذروة توحشها: إما إبادة الشعب الفلسطيني واقتلاعه، وإما هزيمة هذا المشروع الاستعماري.

حين يتبجح بنيامين نتنياهو بالحديث عن تغيير وجه الشرق الأوسط، فهو لا يعلن عن خطة اقتصادية أو أمنية إقليمية، بل ينادي بوضع مشروع خاتمة لإبادة القضية الفلسطينية. إنه يدرك، كما ندرك نحن، أن قضية فلسطين هي أساس الأزمة وجذر الصراع في هذه المنطقة، وأنه لا يمكن للقبول بالوجود الإسرائيلي أن يمر دون سحق الوجود الفلسطيني أولاً.

المفاجأة الكبرى: فلسطين عولمة المظلومية الإنسانية

لكن، وثمة دائماً "لكن" فلسطينية تفسد على المستعمر نشوة القوة، ما لم تتحسب له إسرائيل، وما عجزت عقول جنرالاتها ومخططيها عن استيعابه، هو أن فلسطين لم تعد مجرد جغرافيا محصورة في حدودها التاريخية من النهر إلى البحر.

اليوم، تحولت فلسطين إلى فكرة، والفكرة لا تموت بالقذائف ولا تُدفن تحت الأنقاض. لقد شهدنا، ولا نزال، طوفاناً من التضامن الدولي غير المسبوق مع شعبنا، وضد الإبادة الإسرائيلية في غزة والضفة. هذا الحراك الذي قاده الشباب والطلاب في جامعات العالم وعواصمه الكبرى، أدى إلى انخفاض التأييد الدولي الشعبي لإسرائيل إلى أدنى مستوى له منذ زرعها في قلب منطقتنا.

جدول مقارنة بين مشروعي الإبادة والصمود

تطلعات المشروع الصهيوني الواقع الفلسطيني المتجذر

محو الهوية وثقافة الأرض الأصلية انبعاث الهوية كرمز عالمي للتحرر

حصر الفلسطينيين في كانتونات أو تهجيرهم تمدد القضية أخلاقياً وجغرافياً في أنحاء العالم

تصفية القضية عبر بوابات "الشرق الأوسط الجديد" ثبوت أن فلسطين هي المفتاح الإجباري للاستقرار

خاتمة

في الذكرى الثامنة والسبعين، تؤكد الوقائع أن مشروع إبادة الفلسطينيين كقضية عادلة وإنسانية هو مسألة فاشلة حتماً. لقد أرادوها نكبة لإنهاء الحكاية، فجعلها الصمود الفلسطيني معركة مستمرة على الوعي العالمي. رحل إلياس خوري ورحل وليد الخالدي، لكن الحبر الذي كتبا به عن النكبة والقرى المدمرة تحول اليوم إلى هتافات بلغات الأرض كلها تطالب بالحرية لفلسطين. النكبة مستمرة، نعم، ولكن المقاومة والصمود وإصرار هذا الشعب على البقاء فوق أرضه وتحت شمسها... مستمرون أيضاً، حتى ينكسر المشروع الصهيوني وينكفئ غباره عن وجه شرقنا العربي.