يرجح أنه خلال قراءتك لهذه السطور ستكون حملات التحريض الإعلامي قد تصاعدت، مستهدفة كل من يرفض الإذعان والاستسلام الكامل لشروط وأوامر مجرم الحرب الصهيوني بنيامين نتنياهو وبقية القتلة، وذلك بموازاة تصاعد المجازر الفعلية المستمرة بحق شعبنا في قطاع غزة، والخطاب ذاته الذي يلهج به إعلام الإبادة: سلموا السلاح.
هذه النقطة عايشنا مثيلات لها منذ بداية حرب الإبادة، حين تتعالى الأصوات مطالبة بالاستسلام كي ننقذ ما تبقى من شعبنا، متناسية أصلًا أن المعادلة المطروحة هي: استسلموا وألقوا السلاح أو موتوا، وفي شقها الآخر: استسلموا وألقوا السلاح وموتوا بصمت، فالاحتلال ورعاته لم يتعهدوا لشعبنا إلا بالموت والتهجير واستمرار الاحتلال والاستباحة الشاملة، وغني عن الذكر الإسهاب في شرح ما يعلمه كل فلسطيني عما حدث من جرائم منذ بدء وقف إطلاق النار، ألم يخبر الناصحون شعبنا آنذاك أن ما عليه إلا إعادة الأسرى الصهاينة دون ثمن ليتوقف العدوان؟ وقد حدث بالفعل، ولبت الفصائل الفلسطينية كل الشروط المجحفة المرتبطة بذلك الاتفاق، فيما امتنع الاحتلال، ولا يزال، عن تلبية الحد الأدنى مما وافق عليه بشأن المرحلة الأولى من الاتفاق المذكور.
إن حمل خطاب المحتل والدعوات لـ"نزع الذرائع" لم ينتج إلا دعمًا وتغذيةً لرهانات الاحتلال بإمكانية تفسخ وانقسام واحتراب مجتمعنا، وفي كل محطة تم استدعاء هذا الخطاب فيها، وللأسف استطاعت قوى معينة بثه تجاه جماهير شعبنا، فإن النتاج كان تغذيةً لحرب الإبادة وزيادةً وتصعيدًا في جرائم ومجازر الاحتلال ضد شعبنا، وفي هذه المرحلة نحن أمام ذات المعادلة في واحدة من أسوأ نسخها وأكثرها افتضاحًا.
يحتاج نتنياهو لإشعال حربه مجددًا على غزة، ليس للاعتبار الانتخابي الشخصي فحسب، ولكن لحاجة المعسكر العدواني الصهيوني والأمريكي لتقديم قدرة على الحسم، ولو كان هذا الحسم هو إراقة مزيد من دماء الأطفال في غزة، ولو جاء الطرف الفلسطيني بكل تنازل قد يطاله الخيال، فإن هذا لن يشكل فارقًا يُذكر لدى حلف الإبادة.
إن سلاح المقاومة هو بضعة حديد متآكل فعلًا، ولكن قيمته الحقيقية في كونه تعبيرًا عن إرادة شعبنا في رفض إكمال تهجيره وإبادته، هذا سلاح ياسر عرفات وجورج حبش وفتحي الشقاقي وأحمد ياسين، وبقية من ذخيرة عبد القادر الحسيني التي دافعت حتى الرمق الأخير عن طريق القدس ، وجزء من إرادة كل فدائي امتشق السلاح عبر تاريخ شعبنا، إن إلقاء السلاح اليوم يعني بكل وضوح قبولًا كاملًا بتهجير وقتل من تبقى من هذا الشعب دون مقاومة أو عناء، وإذا تورطت فصائل المقاومة أو بعضها في قبول هذا المنطق، فإن المؤكد أن جماهير شعبنا لن تسمح أبدًا بتكرار كوارث الماضي، ولن تفتح أبواب غزة أمام الغزاة أو أذيالهم من ميليشيات الخونة.
إن السبيل لحماية غزة وأهلها من تصعيد الإبادة، وإعادة الاعتبار الحقيقي للشعار الذي استهلكته كثرة التكرار وقلة الفعل والتنفيذ حول "الحفاظ على وجود شعبنا في أرضه"، يتمثل هذا السبيل في أن يقدم كل فلسطيني وعربي ومناصر حول العالم فعله الحقيقي دفاعًا عن غزة وأهلها، ورفضًا لاستكمال مسار إبادتها.
لا يحتاج أبطال غزة، أو أطفالها، لنصائح ووصفات حول سبل الاستسلام، ولكنهم أحوج ما يكونون لوجود كل إنسان حر ومؤمن بالإنسانية، وقبل ذلك كل فلسطيني في نقطة مواجهة مع حلف الإبادة والعدوان، في القدس والضفة والجليل والنقب، وفي قلب عواصم الغرب وأمام كل مقر لحكومات الاستعمار وقواعدها.
إن انضمام الجميع لغزة في هذه المواجهة هو ما يخلق فرصة لنجاة غزة، وليس التسابق على دعوتها للانتحار استسلامًا، إن ما فعلته المقاومة في لبنان يشكل نموذجًا حقيقيًا لإدراك وحدة المصير، والسعي لرفض الهزيمة وصناعة الانتصار ولو عبر بذل التضحيات الجسام، وكذلك ما قام به، ويجب أن يقوم به، كل أحرار العرب، وكل إنسان منحاز للعدالة والإنسانية.

