Menu

قراءة في قرار قاضية سويسرية

حاتم استانبولي

بوابة الهدف

قرار القاضية يجيب عن هذا التساؤل الذي يغطي اللغط السائد حول: متى يصبح الحق في المقاومة واجباً وحقاً مشروعاً؟

هذا التساؤل حول الحق في المقاومة طُرح للنقاش والتساؤل والهجوم عليه والدفاع عنه، فقط في عنوان الحق الفلسطيني. وهذا يستوجب الإجابة عن هذا التساؤل وما يفرضه من تساؤلات فرعية مرتبطة به، حول مفهوم الحق والواجب والشرعية والسيادة ودور الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية والسياسية والاقتصادية.

في سويسرا، حدث أن قامت قاضية بتبرئة خمس مناضلات ومناضلي جمعية Urgence Collectif Palestine من دفع غرامات مالية عالية فرضتها النيابة العامة، على الدعوة التي قامت بها الجمعية للتظاهر ضد الإبادة الجماعية في غزة دون أخذ إذن من الشرطة.

قرار القاضية ألغى قرار النيابة العامة، وفسرت قرارها: حيث اعتبرت أنه في حالة تخلي سلطات الدولة عن التحرك من أجل إيقاف الإبادة الجماعية، يحق للمواطنين التحرك بدلاً من الدولة.

هذا القرار الصادر عن قاضية في المحكمة الابتدائية، يختصر كل اللغط الذي يدور حول أحقية المقاومة الشعبية، عندما تتخلى الدولة أو النظام عن دوره في مجابهة الإبادة والعدوان. والمدقق في نص القرار هي أشارت إلى مصطلح "سلطات الدولة"، وهذا يعني أن تمارس سلطات الدولة دورها الكامل في وقف عملية الإبادة الجماعية. وهنا مفهوم سلطات الدولة تعني السياسية والأمنية والقضائية والاقتصادية والتشريعية.

هذا القرار يوضح الحدود الواضحة ما بين دور الدولة والنظام والشعب، ويوضح بشكل لا لبس فيه: عندما تتقاعس الدولة عن دورها، أو تخضع سلطاتها إلى مفاهيم سياسية متعارضة مع القانون الإنساني، فإن على الشعب أن يأخذ دورها في حماية القانون الإنساني.

هذا يوضح أن الدولة يجب أن تكون مُخلِصة للمبادئ القانونية الإنسانية العادلة، التي تعكس إنجازات الشعوب التي قدمت التضحيات في سبيل الوصول إلى مفاهيم واضحة لا لبس فيها، حول العدالة والحرية والمشاركة التي تعكس رأي الأغلبية الساحقة للشعوب الحية والمظلومة.

 

هذا القرار يوضح أن مفهوم سيادة الدولة جوهره هو الدفاع عن الشعب بكل فئاته، ولا يخضع للمنظومة السياسية التي تمارس سياسة عرجاء لمفهوم السيادة، التي تعني سيادة الشعب مصدر كافة السلطات.

قرار القاضية يوضح صفة الواجب العام للدولة في حمل مسؤولية مجابهة الإبادة الجماعية، لكون التصدي المقاوم للإبادة الجماعية يحمل طابعاً قانونياً جمعياً، بغض النظر عن المكان أو الزمان. ويشير إلى كونه حقاً مشروعاً للدولة والنظام، وإذا تخلت عن القيام بهذا الواجب، فإن الشعب يحق له ممارسة هذا الواجب القانوني والشرعي والإنساني في مقاومة الإبادة الجماعية.

هذا التفسير يوضح أن الوقوف الجماعي ضد الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل الإحلالية الصهيونية، هو واجب سياسي وحقوقي واقتصادي وأمني.

هذا يطرح التساؤل عن دور القضاء في الدول والنظم التي يُقوَّض فيها دور القضاء ويُفصل على مقاس مصلحة الفئة الحاكمة وارتباطاتها بمنظومة المصالح الرأسمالية الصهيونية، ويُقوَّض مفهوم سياسة الدولة ودور سلطاتها.

هذا التفسير القضائي يوضح بشكل لا لبس فيه، أن المقاومة تكتسب شرعية عندما تتقاعس الدولة وسلطاتها عن القيام بواجبها، ويسقط التبريرات المكانية أو الزمانية في ملاحقة مرتكبي الإبادة الجماعية.

هذا التفسير يكشف القصور السياسي للنظم والحكومات في فهم معنى الواجب القانوني والسياسي للتصدي للإبادة، بغض النظر عن مكانها، ويفرض واجب ومشروعية المقاومة المحمية بموجب القانون الدولي والإنساني.

هذا القرار هو دعوة للشعوب بأن تتحرك لمجابهة الإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل الصهيونية الإحلالية وحلفاؤها، الذين يغطون ممارساتها ويختبئون تحت مفهوم السيادة الصهيونية التي تمارسها الأنظمة تحت هذا العنوان.

السيادة تعني سيادة القانون الإنساني الجمعي. وفي الحالة الفلسطينية، فإن واجب التصدي للإبادة هو واجب كل شعوب المنطقة ونظمها التي تقاعست عن هذه المهمة منذ ٧٨ عاماً، حتى كبر هذا الوحش الصهيوني وبدأ في تعميم الإبادة وتمزيق المجتمعات وتفكيكها وإعادة تركيبها بما يتوافق مع مصالحه الإجرامية، التي لم تعد خافية بل يقوم بإعلانها. ولن يسلم رأس أي نظام أو حكم، لكون الجوهر الإجرامي يكمن في جوهر الفكرة الصهيونية، القائمة على فكرة "شعب الله المختار" التي يروج لها.

هذه الفكرة التي تحمل بعداً عدوانياً استغلالياً ضد كل ما هو خارج هذه الفئة القليلة، التي تعتبر أن كل من هو خارج هذه الفكرة يجب أن يخضع ويخدم حامليها، الذين لهم الشرعية والأحقية الإلهية في ممارسة الإبادة لكل حاملي الأفكار النقيضة لفكرتهم وسيادتها.

وفي هذا الصدد، فإن فكرة الإبادة التي تمارسها إسرائيل الصهيونية لا تقتصر على الفلسطينيين، بل هي موجهة لكافة المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو الدينية.

في هذا السياق، تفسر كافة ممارسات جنودهم في فلسطين ولبنان، التي تعبر عن ازدراء واضح للأديان، واستباحة جمعية للنفس البشرية التي لا تفرق بين أطفال ونساء وشيوخ، وتقضي على كل إمكانية للعيش الإنساني في المناطق التي يصلون إليها. ويستخدمون كافة أنواع الأسلحة المحرمة، وبدعم واضح وتغطية من المنظومة الصهيونية الرأسمالية والتابعين لها من أنظمة ومؤسسات سياسية وإعلامية وأمنية وقضائية.

جميع هؤلاء الجنود والضباط يخضعون إلى تربية دينية منهجية، قائمة على مفهوم شرعية قتل كل ما هو خارج فئتهم وفكرتهم. وممارساتهم ليست فردية كما يُدعى، بل هي منهجية، تعبر عن فهم عميق لدورهم في الإبادة لكل ما هو خارج فكرتهم العدوانية الصهيونية.

تفسير القاضية السويسرية اختصر كل المجلدات القانونية، بحكم يتألف من خمسة عشر كلمة، تحمل مفهوماً يوضح أن تحقيق العدالة الإنسانية هو واجب للدولة وسلطاتها. هذا القرار موضوعه أهم قضية إنسانية معاصرة، يتموضع على طرفيها منظومتي الحق والباطل.

لكل هذا، دائماً ما أشير إلى أن فلسطين هي الخط الفاصل ما بين العدالة الإنسانية ونقيضها.

النضال من أجل تحقيق العدالة لفلسطين ووقف الإبادة بكل أشكالها، هو واجب إنساني جماعي، لا يقتصر على مكان أو زمان. هذا الوحش إذا لم يوقف فإنه سيأكل الجميع، فلا يظن أي منكم أنه سيسلم من وحشيته وعدوانه، لكون هذه الوحشية هي في جوهر فكرته التي تورث.