Menu

النكبة الفلسطينية والسينما المخدوعون.. وعائد إلى حيفا.. أنموذجاً

موسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

تمر الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية والتي أحدثت شرخاً دامياً في جسد الأمة العربية تمثل بإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين في العام 1948.

وقد انبرت السينما لهذا الموضوع الحار، وسجلت الكثير من الأفلام قصة ضياع وطن وتشريد شعب والكثير من المجازر التي طالت أبناء الشعب الفلسطيني، وقد تناولت تلك الأفلام الوثائقية منها والروائية النكبة الفلسطينية وآثارها وصورت تلك الأفلام البؤس والشقاء وحياة الضنك التي عاشها الشعب الفلسطيني في المخيمات والمنافي ودول الشتات وحكت الأفلام مصائر أبطالها وقصة شعب ذاق الأمرّين في حله وترحاله، حيث عاش الفلسطيني حياة الخذلان جعلته إضافة إلى نكبته بالهجرة من وطنه يعيش أيضاً كل أنواع الشقاء والظلم في أماكن لجوئه من كل النواحي السياسية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. ولكن الفلسطيني لم يستكن لهذه الحالة التي فرضت عليه، ولم يرضَ بحياة الذل والإهانة والتشرد والفقر المدقع الذي عاش فيه. لم يبق الفلسطيني أسيراً لحياة البؤس والشقاء في المخيمات. ووصل إلى قناعة أن هذه الحال يجب ألاّ تدوم فاتخذ طريق الثورة سبيلاً ورفع راية الكفاح ويمم شطره اتجاه فلسطين المحتلة. وبداً بذلك مبكراً عبر الثورات والانتفاضات المتواصلة وهو إلى اليوم يواصل هذا الدرب الطويل.

ولعل من أهم الأفلام السينمائية التي تناولت موضوع النكبة الفلسطينية، وصورت مظاهر ومصائر أبطالها، عارضة قصة الترحال والضياع الذي عاشته شخصيات تلك القصص السينمائية، فنشير هنا إلى الفيلم السينمائي (المخدوعون) للمخرج السينمائي المصري توفيق صالح، والمأخوذ عن رواية (رجال في الشمس) للأديب الشهيد غسان كنفاني

والتي تدور أحداثه في غالبية زمنها عند الحدود بين العراق و الكويت في زمن غير محدد ولكنه بالتأكيد غير بعيد من زمن حدوث النكبة الفلسطينية التي تشرد خلالها مئات الألوف من الفلسطينيين خارج ديارهم، وفي وقت ضاق فيه الحال على الشعب الفلسطيني، وأصبح الوضع الاقتصادي عاملاً ضاغطاً على مجمل أبناء الشعب.

وشخصيات الفيلم الرئيسية الثلاث هم أولئك العمال الذين وجدوا أن الحل الأفضل للتسلل إلى الكويت هو اختباؤهم داخل صهريج مياه فارغ. وكان سائق ذلك الصهريج (أبو الخيزران) هو المهرب والذي سهّل لهم الأمر مقابل مبالغ مالية، خلال تلك الرحلة الجهنمية التي تجري وسط طقس ملتهب في ذروة الصيف الصحراوي، يتوقف الصهريج طويلاً وعلى غير العادة عند نقطة الحدود، حيث يغوص السائق في أحاديث مملة وسخيفة يدفعها إليه أحد موظفي الجمارك، والذي ماطل في إنهاء أوراق مغادرة سائق الصهريج للنقطة الحدودية، وفي نفس الوقت كان العمال الثلاثة داخل الصهريج يلفظون أنفاسهم الأخيرة جراء اختبائهم الطويل في ذلك المكان.

لم يكن سيناريو الفيلم مجرد عرض لذلك الحدث الدرامي ومتابعة سير رحلة أولئك العمال في رحلتهم المشؤومة، بل تم عرض مشاهد عدة تستعيد ذكريات أولئك العمال، وشظف عيشهم مع التعريج إلى الأوضاع العربية السياسية والاجتماعية، وعرض الفيلم الأحداث التي رافقت النكبة واللجوء والمأساة المرعبة التي قاساها الفلسطينيون جراء قيام الكيان الصهيوني على أرضهم.

ولعل الفيلم كان في أحداثه يعرض مأساة أفراد محدودين وقعوا بين أيدي مهرب مخادع، ورجال حدود لا تعرف الإنسانية طريقاً إلى قلوبهم. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فقد صور الشريط السينمائي مأساة شعب بكامله، والمصير الذي آلت إليه أوضاعهم، إضافة إلى وثائق من الأرشيف عن الصراع العربي الصهيوني وحرب 1948، وما إلى ذلك من تشريد الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه.

لقد استطاع المخرج توفيق صالح أن يقدم فيلماً ملتزماً وواقعياً بالرغم من الازدواجية في أسلوبه خلال عرضه للسرد الدرامي، فمرة يستخدم الواقعية ثم ينحو إلى استخدام الوثائقية..

ومع أن توفيق صالح تناول الجانب السلبي من حياة أولئك العمال الفلسطينيين الذين يحاولون الهروب من واقعهم، وهم في النهاية يخطئون الطريق في البحث، فمعركتهم هذه تقودهم إلى الموت والفشل، ورغم هذه المواقف إلا أن المخرج أشار بأصابع الاتهام وشخص الواقع العام ودور الحكومات والنظم الرجعية ودورها في تعميق المأساة، فهي من الأسباب الرئيسية لمأساة هؤلاء كما تبدى في المادة الوثائقية من مشاهد احتلال يافا، المؤتمرات الدولية، ووثائق الملك عبد الله وفاروق، ويدين الفيلم التآمر الرجعي آنذاك ودوره في قتل وتشريد الشعب الفلسطيني في رموز ودلالات قوية ولعل أبلغها في مشهد النقطة الحدودية وموظفي الجمارك في مماطلتهم لسائق الشاحنة والذي كان جراءه وفاة العمال اختناقاً في الصهريج. ولعل النهاية الدراماتيكية لأبطال الفيلم الثلاثة والتي صورها الفيلم في نهايته تلخص مصير الفلسطيني التائه في أصقاع الأرض باحثاً عن وطن.

إن أبطال الفيلم كانت نهايتهم الموت داخل الصهريج عندما يكتشف ذلك السائق أبو الخيزران وهو يخرج مسرعاً من النقطة الحدودية وينطلق مسرعاً بصهريجه بعيداً عن أعين حرس الحدود وهو يريد أن يرى ماذا حل بالعمال الثلاثة داخل الصهريج، وفيما هو يفتح فوهة الخزان وينادي عليهم بأسمائهم غير أن لا إجابة، فيضطر إلى سحبهم وإلقائهم على قارعة الطريق وهو يكرر جملته الشهيرة (لماذا لم تقرعوا الخزان). يريد أن يلقي اللوم على الفلسطيني في مأساته التي حصلت مع أن الثلاثة قرعوا الخزان وبعنف إلا أن أصوات أجهزة التكييف كانت أعلى من طرقاتهم فلم يأبه لهم أحد. ولعل اليد المتشنجة لأحد العمال وهي ترسم علامة استفهام رسالة تنبئ بالمستقبل والمصير الذي ينتظر الفلسطيني.

أما الفيلم الثاني والذي كانت النكبة الفلسطينية وآثارها موضوعه الأساسي فهو (عائد إلى حيفا) أيضاً عن رواية بنفس الاسم للأديب الشهيد غسان كنفاني، ومن اخراج قاسم حول والذي تم انتاجه من قبل القسم الفني في اعلام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الأعوام 1980 و1981.

وكان انتاج ذلك الفيلم بخطوة وقرار شجاع من المكتب السياسي للجبهة لإدراكهم جميعاً بدور الفن والسينما بشكل خاص في المعركة، ولما تشكله الصورة من تأثير في الفكر والرأي العام.

تصدى قاسم حول لأول تجربة لإنتاج أول فيلم روائي فلسطيني، وشرع في تحويل قصة (عائد إلى حيفا) إلى عمل سينمائي وكتب السيناريو بنفسه، واستعان بالكاتب والروائي رشاد أبو شاور لكتابة الحوار باللهجة الفلسطينية.

المسار الزمني لأحداث الفيلم محددة ما بين الأعوام 1948 – 1967 ثم فترة ما بعد حرب حزيران 1967.

تتشابك الوقائع التاريخية تمثيلاً وتوثيقاً، وتتداخل لتحقيق مسار درامي يبدأ من عام 1948، ومن اللحظة التي باشرت فيها العصابات الصهيونية بمهاجمة السكان الفلسطينيين، واعملت فيها قتلاً، واستخدمت كل أنواع الإرهاب وبالسلاح والنار، وأجبرت الكثير منهم على الرحيل من وطنهم والخروج من بيوتهم ومزارعهم وقراهم.

تحمل الأخبار إلى الفلسطينيين الذين هاجروا في العام 1948 واستقروا في الدول العربية المجاورة، بأن السلطات المحتلة تسمح بعودتهم إلى بيوتهم.

ونحن هنا مع عائلة سعيد وزوجته صفية الذين هجروا من مدينتهم حيفا، وهم يتفاعلون مع هذه الأنباء فيثور الشوق في أنفسهم ويعزموا على العودة إلى حيفا.

الزوجة صفية تدعو بأن تغتنم العائلة هذه الفرصة التي يمكن ألّا تتكرر وتحض زوجها على الإسراع بالعودة ورؤية بيتهم ومدينتهم، وسط تلميح من الزوجة أن الدافع ربما يتجاوز رؤية المكان إلى شيء آخر، أكثر صلة به.

وفعلاً تشد العائلة الرحال باتجاه حيفا وإلى منزلهم مباشرة. وهناك تستقبلهم مهاجرة يهودية تدعى (مريام). هم الآن أغراب في بيتهم بعد أن احتلت هذه المستوطنة بيتهم.

مشاهد الحوارات الطويلة التي جرت في المنزل بين سعيد وزوجته من جهة ومع المستوطنة من جهة أخرى تأخذ مساحة كبيرة من مسار الفيلم وزمنه، وفي تلك الحوارات يتكشف الكثير من الوقائع التاريخية المرتبطة بالإنسان الفلسطيني المنتزع من أرضه والآخر الغريب الذي حل محله واستولى منه على كل شيء حتى أبنائه.

يقدم الفيلم في مساره الزمني مراجعة لتاريخ الهجرة اليهودية إلى فلسطين عام 1948، ويصور لنا المراحل الأولى من وصول اليهود إلى فلسطين من خارجها ضمن مشروع سياسي خطير.

يعيد فيلم (عائد إلى حيفا) القصة الصادمة للطفل الرضيع الذي تركته العائلة الفلسطينية مرغمة بعد أن تقطعت بهم السبل جراء هجوم العصابات الصهيونية على المنطقة السكنية التي يقيمون فيها.

ذلك الطفل (خلدون) كبر وصار جندياً في الجيش الصهيوني. وهنا يبرز الصراع الذي قدمه غسان كنفاني في روايته والتي يوجزها بعبارة فلسطينية هي "الانسان قضية" وجوهرها أن صلة الكائن بالمكان متغيرة وفق الظروف التاريخية التي يمر بها، وهي جعلت الطفل خلدون يصبح "دوف" ويصبح اسرائيلياً بدلاً من كونه (عربي فلسطيني) فهو لا يعرف إلا العائلة البولندية التي نشأ فيها، بينما يتنكر لوالديه الأصليين.

ولقد جسد الفيلم ما تعرضت له الأم الفلسطينية من أخطار في الطريق الذي أضحى ساحة للموت، إضافة إلى أن أفراد العصابات الصهيونية منعوها من الوصول إلى البيت لإنقاذ ابنها خلدون.

ويسرد الفيلم الكذب والخداع الذي مارسته اليهودية البولندية حين ذكرت أمام (خلدون) أن أبويه الفلسطينيين قد هربا وتركاه وحيداً من دون تفكير بمصيره.

يُكذب النص الروائي والسينمائي السردية (الإسرائيلية) التي تحيل هجرة الفلسطينيين إلى خوفهم وعدم تشبثهم بأرضهم ويقدم الفيلم السينمائي حضور المقاومين الفلسطينيين الذين رفعوا السلاح في وجه المحتل ودافعوا عن أرضهم ببسالة.

حيث يذهب السرد السينمائي لعرض بطولات وتضحيات يريد العدو طمسها، بينما يؤكد النص السينمائي ديمومة وجودها في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.

وخاتمة الحوار الذي يجري بين الجندي "دوف" خلدون سابقاً، مع والده سعيد تفضي إلى المسار الذي يؤكد أن الذاكرة الوطنية والماضي ضروريان، لكن الرهان الأهم هو على المستقبل، ويمثله هنا الابن خالد الذي يصر على الانضمام للمقاومة الفلسطينية.

وفي المشاهد النهائية للفيلم، وقبل الخاتمة يتبدى لنا معسكر التدريب حيث مجموعة من الشباب الفلسطيني الذين انضموا إلى الثورة الفلسطينية التي أعلنت انطلاقها معلنة الكفاح المسلح طريقاً وأسلوباً لتحرير ما اغتصب من الأرض. فمن الإحباط واليأس، ومن التشرد والظلم والهجرات يبزغ الأمل والثقة بالمستقبل لتحقيق النصر والعودة.